لم يُعْرفْ مصطلح ( التجويد ) بمعنى العلم الذي يُعْنى بدراسة مخارج الحروف وصفاتها وما ينشأ لها من أحكام عند تركيبها في الكلام المنطوق إلا في حدود القرن الرابع الهجري, كذلك لم يعرف كتاب أُلِّفَ في هذا العلم قبل ذلك القرن , ومعنى هذا أن علم التجويد تأخر في الظهور علما مستقلا بالنسبة إلى كثير من علوم القرآن وعلوم العربية أكثر من قرنين من الزمان .
وقد جاء في بعض المصادر المتأخرة أن الصحابي عبد الله بن مسعود – رضى الله عنه – قال : " جوِّدُوا القرآن ... " واستند بعض المُحْدثِين إلى هذه الراوية في القول بأن نشأة علم التجويد ترجع إلى عصر الصحابة , وقال : " ولسنا نملك لهذا النوع من الدراسة مادة كافية تسمح بتتبع تطوه ووصف المراحل التي قطعها حتى صار علما مستقلا هو ( علم التجويد ) , وكل الذي يعرف عن مراحله الأولى أن أول من استخدم هذه الكلمة في معنى قريب من معناها هو ابن مسعود الصحابي الذي كان ينصح المسلمين بقوله : ( جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات ) ... ويبدو أن نشأة علم التجويد جاءت استجابة لدعوة ابن مسعود , ومحاولة لتقنين قواعد القراءة اقتفاء لأثره ... " .
وحين تم تتبع هذه الرواية في المصادر القديمة وجد أنها تنقل الرواية على نحو آخر لا تصلح معه للاستشهاد في ما نحن بصدده , فقد جاء فيها ( جَرِّدُوا ) بالراء بعد الجيم مكان ( جوّدوا ) بالواو بعد الجيم , ويترجح لديَّ أن الرواية تصحفت في المصادر المتأخرة , لأنها تنقل النص بإسناد ينتهي إلى أسانيد المصادر القديمة , ثم يختلف النص بعد ذلك في حرف واحد وهذه الرواية تتعلق في الأصل بموضوع تجريد القرآن من الزيادات المتمثلة بالخموس والعشور وأسماء السور ونحو ذلك .
ومن المعلوم أنه لم يرد في القرآن الكريم من مادة ( ج و د ) شئ في وصف القراءة , كذلك لم يرد في ( المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) الذي يعتمد على تسعة من أشهر كتب الحديث , شيئا من ذلك . وهذا أمر يمكن يستدل به على أن كلمة ( التجويد ) لم تكن مستعملة في عصر النبوة بالمدلول الذي صارت تدل عليه فيما بعد .
وكانت هناك كلمات أخرى تستخدم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معنى كلمة التجويد . مثل : الترتيل , والتحسين , والتزيين , والتحبير , وهي تستخدم في وصف القراءة حين تكون مستوفية لصفات النطق العربي الفصيح , جامعة إلى ذلك حسن الصوت والعناية بالأداء ولم يرد من هذه الكلمات الأربع في القرآن الكريم سوى كلمة الترتيل .
ولا يعني أن مفردات مادة ( ج و د ) لم تكن مستخدمة في اللغة العربية , فنجد عددا من الكلمات المشتقة من تلك المادة مثل : الجَيِّد نقيض الردئ , وجاد الشئ جُودة وجَوْدة , أي صار جيِّدا . وأجاد أتي بالجيد من القول والفعل . ورجل جواد سخي , وجاد الفرس فهو جواد ... الخ والتجويد مصدر جَودت الشئ . قال الداني : ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه , وبلوغ النهاية في تحسينه .
وأقدم نص وردت فيه كلمة ( التجويد ) مستعملة بمعنى يقرب من معناها الاصطلاحي , في المصادر القديمة , هو قول بن مجاهد ( ت 324 هـ ) مؤلف كتاب ( السبعة في القراءات ) , فقد قال الداني ( ت 444 هـ ) : " حدثني الحسين بن شاكر السمسار , قال : حدثنا أحمد بن نصر , قال : سمعت ابن مجاهد يقول : اللحْنُ في القرآن لُحْنان : جَلِيٌّ وخفيٌّ . فالجلي ُّ لحنُ الأعراب ِ , والخفيُّ ترْكُ إعطاء الحرفِ حقُّه من تجويدِ لفظه " ونقل أحمد بن أبي عمر ( ت بعد 500 هـ ) الرواية على هذا النحو : " ... والخفي ترك إعطاء الحروف حقها من تجويد لفظها , بلا زيادة فيها ولا نقصان " .
إن الوقت الذي ظهرت فيه كلمة التجويد بمعناها الاصطلاحي هو الوقت الذي ظهر فيه أول مصنف مستقل في علم التجويد , فقد قال ابن الجزري , وهو يترجم لأبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي ( ت 325 هـ ) " هو أول من صنَّفَ في التجويد فيما أعلم , وقصيدته الرائية مشهورة وشرحها الحافظ أبو عمرو ... " .
والمصنَّف الذي أشار إليه ابن الجزري هنا على أنه أول مصنف في التجويد هو قصيدة أبي مزاحم الخاقاني الرائية المشهورة بالقصيدة الخاقانية , التي يقول في مطلعها :
أقُولُ مَقَالًا مُعْجَباُ ِلُأولِي الحِجْرِ *** ولا فَخْرَ إنَّ الفَخْرَ يَدْعُو إلى الكِبْرِ
فَمَا كُلُّ مَنْ يَتْلُو الكِتَابَ يُقِيمُهُ *** وما كُلُّ مَنْ في الناسِ يُقْرِئُهُمْ مُقْرِي
زِنِ الحرفَ لا تُخْرِجْهُ عنْ حدِّ وَزْنِهِ *** فَوَزْنُ حُروفِ الِّذْكِر مِنْ أفْضَلِ البِرَّ
وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتا , ذكر فيها أو مزاحم بعض الموضوعات التي صارت فيما بعد جزءا من علم التجويد , وكان لهذه القصيدة أثر واضح في جهود اللاحقين في علم التجويد , فهم بين مقتبس منها مستشهد بأبياتها , وبين معارض لها , أو شارح موضح لمعانيها .
ومع أن القصيدة الخاقانية هي أول مصنف مستقل ظهر في علم التجويد إلا أن أبا مزاحم لم يستخدم فيها كلمة ( التجويد ) ولا أيا من الألفاظ الأخرى التي تشاركها في المادة اللغوية , واستخدم كلمة ( الحُسْن ) وما اشْتُقَّ من مادتها . فقد قال في صدر البيت الخامس :
أيا قارِئَ القرآنِ أحْسِنْ أداءَهُ
وقال في صدر البيت السابع عشر :
فقد قلتُ في حُسْنِ الأداءِ قَصيدةً
وعدم استخدام أبي مزاحم لكلمة ( التجويد ) في قصيدته يدل على أن هذا المصطلح لم يكن مشهورا حينذاك , على الرغم من ظهوره في ذلك الوقت ,فقد استخدمه معاصره ابن مجاهد , كما مرَّ في النص الذي نقلناه أنفا .
وأول من استخدم مصطلح ( التجويد ) بعد ابن مجاهد هو أبو الحسن علي بن جعفر السعيدي ( ت 410 هـ ) تقريبا . فقد قال في أول كتابه ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) : " ... سألتني ... أن أُصنِّفَ لك نُبَذَا ً من تجويد اللفظ بالقرآن " . وقال في موضع آخر : " ويؤمر القارئ بتجويد الضاد من ( الضالين ) وغيرها " وشاع استخدام مصطلح ( التجويد ) بعد عصر السعيدي على نطاقٍ واسعٍ .
وإذا وافقنا ابن الجزري في قوله إن القصيدتة الخاقانية هي أول مصنف كتب في علم التجويد فإن هناك قريبا من قرن من السنين بين تاريخ ظهورها وتاريخ ظهور كتاب السعيد ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) الذي يتميز بأنه أقدم كتاب معروف لدينا اليوم في علم التجويد بعد القصيدة الخاقانية , وهو يمثل بدء التأليف المستقل في علم التجويد .
وفي كتاب ( الفهرست ) لابن النديم ( ت 385 هـ ) على الأرجح , لم يذكر أيَّ كتاب يحمل اسم التجويد أو يمكن أن يكون موضوعه في هذا العلم , على الرغم من أنه ذكر في هذا الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه مئات الكتب المؤلفة في علوم القرآن .وهذا الأمر يدل على أن علم التجويد لم يزل في القرن الرابع الهجري يخطو خطواته الأولى ولم تشتهر كتبه حين ألف ابن النديم كتابه سنة ( 377 هـ ) ولا يزال تاريخ علم التجويد في القرن الرابع بحاجة إلى نصوص جديدة تلقى مزيدا من البيان على نشأته .
وحين نتقدم خطوة إلى الأمام وندخل في القرن الخامس الهجري نجد أن المؤلفات في علم التجويد يتتابع ظهورها حتى إننا لنجد أن معظم مؤلفات علم التجويد قد ظهرت في هذا القرن , فبعد كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) للسعيدي الذي ظهر في نهاية القرن الرابع أو السنين الأولى من القرن الخامس يظهر في الأندلس كتابان كبيران في علم التجويد , هما ( الرعاية ) لمكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437 هـ ) و ( التحديد) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ( ت 444 هـ ) . وظهر بعدهما في نفس القرن كتاب ( الموضح ) لعبد الوهاب القرطبي ( ت 461 هـ ) وهو من المعاصرين لمكي والداني .
ونجد في مقدمة كتاب ( الرعاية ) لمكي ما يشير إلى أن القرن الخامس هو التاريخ الحقيقي لظهور المؤلفات في علم التجويد , قال مكي : " وما علمت أن أحدا من المتقدمين سبقني إلى تأليف مثل هذا الكتاب ولا جمع مثل ما جمعت فيه من صفات الحروف وألقابها , ولا ما أتبعت فيه كل حرف منها من ألفاظ كتاب الله تعالى , والتنبيه على تجويد لفظه , والتحفظ به عند تلاوته . ولقد تصور في نفسي تأليف هذا الكتاب وترتيبه من سنة تسعين وثلاثمائة , وأخذت نفسي بتعليق ما يخطر ببالي منه في ذلك الوقت , ثم تركته إذ لم أجد مُعينا فيه من مُؤَلَّفٍ سبقني بمثله قبلي ثم قَوَّى الله النية وحدَّد البصيرة في إتمامه بعد نحو من ثلاثين سنة , فسهَّل الله تعالى أمره , ويسَّرَ جمعه , وأعان على تأليفه " .
وجاء في مقدمة كتاب ( التحديد ) للداني ما يشير إلى المعنى الذي يفهم من قول مكي السابق من انعدام المؤلفات في علم التجويد في وقتهما , فقال الداني : " وأما بعد فقد حداني ما رأيته من إهمال قراء عصرنا ومقرئي دهرنا من تجويد التلاوة وتحقيق القراءة , وتركهم استعمال ما ندب الله تعالى إليه , وحث نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته عليه , من تلاوة التنزيل بالترسل والترتيل – أن أعْملْتُ نفسي في رسم كتاب خفيف الحمل , قريب المأخذ في وصف علم الإتقان والتجويد , وكيفية الترتيل والتحقيق, على السبيل التي أدَّاها المشيخة من الخلف عن الأئمة من السلف , واجتهدت في بيان ذلك , وبذلت طاقتي , وبالغت في لإيضاحه عنايتي , وأفصحت عن جليِّه وظاهره , ودللت على خفيِّهِ وداثره , وأودعته الوارد من السنن والأخبار في معناه على حسب ما إلينا أدَّاه من لقيناهُ من العلماء , وشاهدناه من الفهماء , عن الأئمة الماضين والقراء السالفين , لتتوفر بذلك فائدته ... "
وإذا كان بإمكاننا أن نقول إن مكيا ألف كتاب ( الرعاية ) سنة ( 420 هـ ) اعتمادا على النص الذي سبق نقلناه من الكتاب , فإننا لا نعلم يقينا السنة التي ألف فيها الداني كتاب ( التحديد ) , ولا نعلم هل ألفه قبل أن يظهر كتاب ( الرعاية ) أو بعد ظهوره ؟
وقد أدرك علماء التجويد انهم نَقَلَةٌ للرواية فحسب , ولا مجال للرأي مع كتاب الله , وقد صرح الداني أكثر من مرة حول التنبيه على هذه القضية وكان قد سبقه إليها الحافظ أبو بكر بن مجاهد في مقدمة كتابه السبعة في القراءات , وهو إمام مجمع على إمامته بين أهل القراءات والأداء , بل هم يعدونه شيخ الصنعة , مع اقتناعي بأنه لابد من تقييد أي تلقي اليوم في القراءات أو التجويد بما سطره علماء هذا الفن المعول على علمهم , وليس كل تلقٍ يمثل بالضرورة حجة علمية يلزم الاقتداء بها ولا تجوز مخالفتها , لأن بعض المتلقين قد ينقصهم الخبرة والحساسة البالغة , ولا يتفطنون لدقائق ما يتلقَّون , ويقلدون تقليدا لا دليل عليه من كتب ومصنفات هذا العلم , ثم يتمسكون بتقليدهم زاعمين أنهم هكذا تلقَّوا. ومعلوم أن التلقي المحتج به له شروط إن خلا منها سقطت حجيته , وليس من حق أي قارئ اليوم أو مقرئ أن ينأى بأدائه عما كتبه الأوائل , وإلا وقع في معضلات , وخلل في الأداء .