بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ....أما بعد
إن علماء أهل السنة عندما يقولون: لا عقل مع النقل، لا يقصدون منه: أن تأخذ النقل بلا عقل.. فالعقل ضرورةٌ وأساس للتكليف.. فكيف يفهم كلام ربنا وكلام النبي صلى الله عليه وسلم بلا عقل؟! فقولهم: (لا عقل مع النقل) أي: لا تقدم عقلك على النقل.. لا تجعل عقلك قاضياً على كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك قولهم: (لا اجتهاد مع النص) ليس معناه أن تأخذ النص بلا اجتهاد ولا تفكير…، وإنما معناه: لكن لا تجتهد اجتهاداً مضاداً للنص. فمثلاً لو قرأت قوله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء ثلاثاً، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم) فالواضح من هذا الحديث: أنه لا يجوز الزيادة على ثلاث مراتٍ في الوضوء، فمن زاد على ثلاثٍ، فقد أساء وتعدى وظلم، فإذا جاء آتٍ وقد قرأ مثلاً حديث علي بن أبي طالب : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً) فقال: على الإنسان أن يتوضأ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً.. حتى يعلم أنه قد أسبغ الوضوء! هذا اجتهاد.. مراده في هذا الكلام أن تسبغ الوضوء في النهاية، ولو أدى إلى تكثير مرات الغسل، فحينئذٍ نقول له: لا اجتهاد مع النص.. بمعنى لا اجتهاد مضاد للنص، وليس المعنى: خذ النص بلا اجتهاد.
والصحابة رضوان الله عليهم فتحوا بنصوص الوحي مناطق كثيرة وبلداناً شاسعة ولا أحد يظن أن الصحابة لم يكن لديهم عقل، أو كانوا عرباً أجلافاً. الصحابة كانت لهم عقول فذة، وما عرف العالم مثل العرب إجمالاً، فلما أتى الإسلام رفعهم على أعظم إمبراطوريتين موجودتين آنذاك، وهما فارس والروم. فالعرب علت منزلتهم؛ فلماذا علت؟ الصحابة يقولون: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن، فلما تعلمنا القرآن ازددنا إيماناً) وأي شخص يبدو منه اعتراض عقلي على النص كانوا ينكرون عليه أشد الإنكار.
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحلق شعر المولود وهو ابن سبعة أيام: (احلقوا شعره وتصدقوا بوزنه فضة ) فتزن شعر الغلام، وتتصدق بمثل هذا الوزن فضة على الفقراء والمساكين. وقد يقول شخص: الولد صغير وما زالت فروة رأسه رطبة، فلا أستطيع أن أحلقه حتى لا أؤذيه، ولكن سأخرج أكثر من الوزن صدقة، فنقول: ليس المقصود الصدقة فقط، فأنت لا تدري لعل هذا الحلق يفتح ذهنه! ما من أمر أمرت به إلا وله فائدة؛ علمتها أو لم تعلمها، فعلى المسلم أن يمتثل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ما الذي يجعله يمتثل للأمر حتى لو لم يوافق عقله؟ الإيمان بأن كل أمر من الله ورسوله لمصلحته.
لا فرق، إذ لم يشترط أحد من العلماء وجود الرسول عليه الصلاة والسلام للإيمان بكلامه، فتصور: لو أن رجلاً موجوداً أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الكلب الأسود شيطان، قام وقال له: لا يا رسول الله! الكلاب أبيضها وأسودها سواء، هل يجرؤ على أن يقول أحد هذا الكلام؟!! يأتي على حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: (شيطان يتبع شيطانة) فيرد هذا الحديث أيضاً. ويرد حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) فيقول: هذا الحديث يخالف الواقع، وهذا لا يوافق العقل الصريح. نقول: لا يوجد نص أبداً صحيح يخالف عقلاً صريحاً، أبداً.
فانظر إلى قوله تعالى { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } .
و سبب نزولها : الأولى : ثبت في الصحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال { : لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية فقال : يا عم ; قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله . فقال له أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء تكلم به : أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فنزلت : { [URL="http://alminshawy.com/forums/#docu"]ما كان للنبي والذين آمنوا } ونزلت : { إنك لا تهدي من أحببت } [/URL]} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن اهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في اخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه مايرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا )
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه انه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه "
وقال القرطبي رحمه الله : ( ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ضحضاح لنصرته إياه ، وذبّه عنه وإحسانه إليه ؟)
فلا يأتي أحد يقول (فان الله سبحانه قادر على ان يخلق جنة خاصة به في جهنم ثواباً لحسناته، ويبدل جهنمه الخاصة الى جنة خاصة)
فالله قادر على كل شيء ولكن النص القرآني والحديث الشريف يخبرنا بأنه من أهل النار وأنه سيعذب وسيغلي دماغه من جمرتين تحت قدمه ، فلا يمكن أن تكون جنة داخل النار فالجنة للنعيم وأهل النار يعذبون فلا يمكن أن يوجد نعيم داخل النار . فهذا لادليل عليه . وهنا نقول لا اجتهاد مع النص . والنقل مقدم على العقل .