رد: اليوم ذكرى إستشهاد عمر المختار.. صفتان متميّزتان
ويكفي للتدليل على هذا أن نشير إلىعددٍ من المواقف والوقائع والوثائق ..
يذكر محمد الطيِّب الأشهب في كتابه "عمر المختار"[12] أنّه أثناء زيارة السيد عمر المختار لمصر في شهر مارس/آذار عام 1923 حاول جماعة من أبناء قبيلته (المنفة) المقيمين بمصر أن يقابلوه للترحيب. فاستفسر المختار قبل أن يأذن لهم بذلك عمَّا إذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأميرإدريس عند وصوله (في شهر يناير/كانون الثاني 1923) إلى مصر، فلمَّا علم من إجابتهمأنَّهم لم يقوموا بذلك الواجب لأسبابٍ عائليةٍ قهرية رفض سي عمر مقابلتهم قائلاً:
"وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي، وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هووليّ نعمتي وسبب خيري (يقصد الأمير إدريس)؟! .. أمَّا وقد فعلتم ذلك فإنّي لا أسمحلكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم .."
وقد مرَّ بنا ما ورد فيردّه على السلطات الإيطالية عندما حاولت عن طريق بعض عملائها أن تستميل سي عمروتجعله يقلع عن فكرة القيام في وجهها .. لم يتردّد المختار في تذكير هؤلاء العملاءومن أرسلهم ..
"..إنّني أعرف أنَّ قيمتي في بلادي، إذا كانت لي قيمة أناوأمثالي، فإنَّها مستمدَّة من السنوسية .."[13]
فأيّ تواضعٍ .. وأيّ ولاءوأيّ انضباطٍ تنظيمي وحركي رائع يعبّر عنه هذا المجاهد العظيم !!
وهناكواقعة أخرى أشار إليها المؤلف ذاته تقدّم شاهداً آخر على الولاء الشديد الذي ظلَّعمر المختار يكنّه لقيادتها السنوسية المتمثّلة في الأمير إدريس. فقد حدث أن أكرهتالحكومة الإيطالية أحد رجال الحكومة السنوسية (الشارف الغرياني) وجعلته يرسل في عام 1925 م رسالة إلى السيد عمر المختار يدعوه فيها إلى إيقاف الحرب مع الطليان والصلح معهم .. فردّ عليه المختار برسالة مؤرخّة في 13 ربيع الثاني 1344 هـ كان من بين ماجاء فيها:
".. نعلمكم أنّ إيطاليا إذا أرادت أن تبحث معنا في أيّ موضوعتعتقد أنَّه يهمّها ويهمّنا فما عليها إلا أن تتصل بصاحب الأمر ومولاه سيدي السيدمحمد إدريس ابن السيد محمد المهدي بن السيد محمد السنوسي رضي الله عنهم جميعا، فهوالذي يستطيع قبول البحث معهم أو رفضه .... وأمّا أنا وبقية الأخوان المجاهدين لانزيد عن كوننا جند من جنوده لا نعصي له أمراً، ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن لايقدّر علينا مخالفته فنقع فيما لا نريد الوقوع فيه، حفظنا الله وإيَّاكم من الزلل. نحن لا حاجة عندنا إلا مقابلة أعداء الله والوطن وأعدائنا، وليس لنا من الأمر شيء،إذا ما أمرنا سيدنا ووليّ نعمتنا رضي الله عنه ونفعنا به بوقف القتال نوقفه وإذا لميأمرنا بذلك فنحن واقفون عند ما أمرنا به"[14].
ما أروع هذا الولاء وماأعظمه .. وما أعظم هذا الانضباط والالتزام .. وممَّا يزيد الأمر روعةً وعظمة أنيصدر عن عمر المختار الذي تحوَّل في تلك الآونة إلى أسطورةٍ من الشجاعة والبطولةوالجهاد .. لم يُغرِه أيٌّ من ذلك أن يتطاول على قيادته السنوسية أو يزايد عليهاحتى وهي بعيدة عن الواقع الصعب الذي كان يحياه ويكابده هو ورفاقه المجاهدون.
وممَّا يزيد ولاء عمر المختار للأمير إدريس السنوسي نصاعةً وروعةً وعظمة أنيكون ويبقى على هذا النحو الذي أشرنا حتى وهو يرى كما عبَّر لمحمد أسد[15] أثناءلقائه به في الجبل الأخضر ..
"إنَّ السيعمرد إدريس رجل طيّب، إنَّه ولد طيبلوالدٍ عظيم، ولكنَّ الله لم يعطِه قلباً يمكّنه من تحمّل مثل هذا الصراع".
فبالرغم من هذا التقييم من جانبه لشخص الأمير إدريس، والذي قد يكون محقاًفيه، إلا أنَّه لم يجد في ذلك ما يبرّر له –أي لسيدي عمر- أن يتطاول على الأميرإدريس أو أن يخرج عن طاعته وولائه له .. فأيًّ درسٍ عظيم يقدّمه هذا الفارس الجليلفي الجهاد وفي السياسة وفي الحركة والنضال! رحم الله سي عمر ورفاقه المجاهدين وجزىالله الحركة السنوسية التي ترعرعوا