ملف: معركة قصيدة النثر في مصر
فجر عبد المعطي حجازي قضية قصيدة النثر على صفحات الاهرام ليفتح الملف القديم الجديد لمحاكمة لون ابداعي وارد اثار ومايزال جدلا لايصنف الا كأحد نقاط التماس المباشرة في معركة الحداثة التي لم ينفرج بعد دخانها الاراء متقاطعة فمن هم مع قصيدة النثر اعتبروها الابنة الشرعية لعصر الانترنت والعولمة عصر يتسم باقصى مستويات الحرية وانها كالفاكس والانترنت عابرة للقارات وان شاعرا يكتب قصيدته باستعمال الكيبورد في الكمبيوتر كيف يمكن ان يشبه شاعرا عربيا تاريخيا كان يكتب على قطعةمن جلد الماعز!اما معارضوها فاعتبروها خشبة النجاة للمتطفلين على الابداع من انصاف الشعراء الجاهلين للوزن والاخرين المغرمين بالهلوسة ولعبة العبث اللغوية وكتابة التعويذات والطلاسم وتقليد الصرعات الوافدة بلا ادنى احترام لشروط ابداعية خاصة وفي محاولتنا لرصد جمهرة من هذه الاراء المتباينة لانعدم الاشارة الى ان أي لون ابداعي لابد ان يتنوع في مستوياته ومنتوجه فالنص يحدد جودته مهارة المبدع وتمكنه من ادواته وليس قالبه مهما كان ، فمما لاينكر المستوى الهابط والردي لكم هائل من اعمال قصيدة النثر الا انه مما يجدر الاعتراف به ايضا الكم المماثل والفاشل من الشعر العمودي وشعر التفعيلة والمتهم الحقيقي والذي يجب ان تفتح ملفاته هو الشاعر وليس قالب القصيدة قصيدة النثر اميبا! لأحمد عبد المعطي حجازي"أن قصيدة النثر وحيدة الخليّة كالاميبا، فقد تطورت الاميبا، التي تتكاثر بالانقسام إلى كائن أرقى يتزاوج بالتلقيح الشعراء الكاتبون لقصيدة والمدافعون عنها اختاروا الاميبا، التي هي أحط في سلم التطور، لأنهم جردوا الشعر من الوزن والقافية وتآزر الأصوات والاستعارة، وجعلوه محصوراً في "النثر" فهو شيء يشبه الشعر، أو شعر اخرس أو شعر وحيد الخلية.."قصيدة المواهب المتواصفة/ حسن طلب"قصائد أصابت محبي الشعر بالقرف"، كانت تلك هي أولى الإشارات الهجومية التي استعملها حسن طلب، في رده المتحمسين لقصيدة النثر. ذلك أنه يذهب في ذلك إلى تحديد ثلاثة مرتكزات هي ـ في نظرة ـ شرط أو أساسي لكتابة قصيدة شعرية، ويتعلق الأمر ب: 1ـ الإيقاع 2ـ المجاز 3 ـ ثم المعنى، مؤكداً على أن سبب التجاء الشعراء، خصوصاً من جيل السبعينيات، إلى كتابة قصيدة النثر يرجع بالأساس إلى "تواضع مواهبهم وثقافتهم وحسهم اللغوي، لذلك هجروا الشعر إلى النثر مدعين أن الوزن زخرفة وحلية مجانية". ليخلص في الأخير إلى قناعة مفادها أن "ما انتهى إليه شعراء السبعينيات، الذين بحثوا عن السهولة، وطلبوا راحة الدماغ، وظنوا أنهم قادرون على أن يكسبوا الشعر بأقل تكلفة، فأنشأوا نثراً مموها، وحين سألناهم: ما هذا النثر المهلهل الفقير: قالوا: أنه الشعر!"الشكل غير مقدس/ محمد سليمانوتحت عنوان "عن الشعر والمافيا والنثر أيضاً، بدأ الشاعر محمد سليمان أقل حدة وانفعالاً من الشاعر طلب، ذلك أنه حاول منذ البداية إثبات تلك النظرة الدونية والصيغ الساخرة، التي كان يستعملها شعراء التفعيلة حيال الشكل العمودي والقصيدة القديمة باستحضار منظومة الألفية رغم أنها نظمت لتكون وسيلة مساعدة للتعلم وحفظ القواعد النحوية، بعد ذلك انتقل للحديث عن الشكل الإبداعي، الذي اعتبره غير مقدس، لكنه في الوقت نفسه ليس بلا قيمة، بحيث يساعد على فرز النصوص ووضع الفوارق والعلامات بينها وبين كتابات إبداعية أخرى. غير أنه ما يلبث أن يصل إلى قناعة خاصة به، كما يعبر عن ذلك، مفادها أن: "قصيدة النثر حتى الآن لم تنجح في تثبيت جذور لها بسبب رفضها لكل التجارب الشعرية السابقة عليها، بما فيها قصائد النثر التي كتبها يوسف الخال، انسي الحاج والماغوط وغيرهم"، لأنها ـ دائماً حسب محمد سليمان ـ "أهملت بعض العناصر الإيجابية التي كان من الممكن الاتكاء عليها والانطلاق منها ولم تدرك أن القطيعة التامة مع التجارب السابقة نوع من العدمية وارتماء في أحضان الآخر". ليخلص، في نهاية مقالته، إلى: "اليس مخجلاً دفاع بعضنا عن قصيدة النثر لدينا بإنجاز شعراء غربيين ك: سان جون بيرس وريتسوس!"المسؤولية تقع على عاتق المترجمين/ د. محمد عنانيوفي حوار قصير أجرته معه الصحافية منى نور، أوضح الدكتور محمد عناني، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، أن الترجمات، التي كان يقرأها جيل بكامله، منذ الحرب العالمية الثانية، للشعر العالمي كانت بدون موسيقى، فتصور هذا الجيل ـ مع حالة الازدهار التي كان يعيشها الأدب الأجنبي ـ أن كتابة الشعر نثراً خطوة على طريق التطور والرقي، مما ساهم في التدهور التدريجي في المعرفة باللغة العربية وصعوبة كتابة النظم بالفصحى وشيوع الزجل والعامية.. من هنا، فإنه ـ يضيف الدكتور عناني ـ يندر أن نجد مترجماً يقدم على نقل الصورة الموسيقية للقصيدة التي يترجمها.. وهذا الخلل هو الذي انتج ذلك التصور الغريب الذي يعتبر أن الشعر نثر وأن النثر شعرالشعر ليس منزلاً من السماء/ د. حلمي سالمقسم حلمي سالم تعليقه على ما كتب إلى سبع ملاحظات مركزة والتي منهاـ أن خصائص الشعر يضعها بشر، وما وضعه بشر يغيره بشر آخرون، وأن كثيراً من محافظي الحياة الشعرية الراهنة يرهبون الشعراء المجددين بجملة الأعرابي القديم "إذا كان هذا شعر فكلام العرب باطل" وهو الإرهاب الذي يفرض على الشعراء المحدثين رداً من نوعه قائلين "نعم، كلام العرب باطل، إذا كان يرهن شرعية الجديد بمضاهات القديم"ـ لقد استغل الركيكون والضعفاء قصيدة النثر وركبوها لتغطية فقرهم وقلة رزقهم الجمالي لكن هذا هو عين ما حدث في كل تجربة وكل حركة وكل عصر. فلو أن أصحاب قصيدة النثر انتهجوا نفس السبيل "مقارنة جيد قصيدة النثر برديء قصيدة العمود والتفعيلة" لجاءت النتائج فادحة وفاضحة ـ قصيدة النثر ليست مستوردة أنها تطور طبيعي وصحي في سياق التجديد والتجريب وكسر الجمود الثابت، كما أنها ذات جذور تاريخية قديمة من الفراعنة والبابليين والآشوريين، مروراً بمتصوفة الإسلام ونشيد الإنشاد، وصولاً إلى أمين الريحاني وجبران وحسين عفيف ومحمد منير رمزي وغيرهم، وسيكون من العبث أن تدخل قصيدة اخوانية عمودية أو تفعيلية تافهة"من العصر الجاهلي أو الإسلامي أو الحديث" نطاق الشعر، بينما يخرج منه نثري للنفري المجاز والموسيقى شرطان للشعر لكن المجاز عديد وكثير ومتنوع، وليس مقتصراً على المجاز اللغوي البلاغي القديم العقيم، بل يتجاوزه إلى مجاز المعنى ومجاز المشهد، ومجاز المناطق العمياء في الروح ومجازات المسكوت عنه في النفس والحياة ومجاز كسر المجاز، كما أن الموسيقى أوسع من "الوزن الخليلي" الذي يعتبر إحدى صيغ أو هيئات هذه الموسيقىـ أن "وزنية" القصيدة ليست علامة على "شعريتها" وفي المقابل فإن نثرية "أو" لا وزنية القصيدة ليست علامة على شعريتهاالمحاكمة يجب أن تكون متبادلة/ عزمي عبد الوهابأما الذين يحاكمون قصيدة النثر بكونها مسئولة عن انحطاط الذوق العام، وضعف الشعور بالانتماء فيرى الشاعر عبد الوهاب أنه يجوز لشعراء هذه القصيدة بذات المنطق ـ محاكمة أصحاب القوالب القديمة لأنهم واكبوا بقصيدتهم هزيمة كاملة ونصف انتصار! لقد دخلوا بتلك القصيدة مع تحرر العالم العربي من ربقة الاستعمار وضياع وطن بأكمله اسمه السري فلسطين، وانتهوا بلحظة سيولة عالمية أفقدتهم مواطئ أقدامهم، فتوقف أغلبهم عن الكتابة، ليخلص في الأخير إلى دعوة "خصوم" هذه القصيدة إلى ترك الشعراء الجدد لبناء عالمهم وألا يلتفوا إلى من ينادون بأن قصيدة النثر هي المستقبل، لأنهم يمتلكون هم أيضاً جرأة ووقاحة مصادرة المستقبل، مثلما يتملكونها هم تماماً!بحور الخليلي لا تمتنع أمام الموجات الجديدة/ محمد صالحوتحت عنوان "أيهما أسبق: الشعر أم الخليل بن أحمد؟" أوضح محمد صالح أن الضجة المفتعلة التي يثيرها حجازي تكشف أول ما تكشف عن أصولية ضيقة تنظر إلى الفن على أنه حاصل جمع عناصره أو أدواته، بينما الفن الحقيقي هو قيمة مضافة أعلى بكثير من كل عناصره ومكوناته. ومن المضحك يؤكد محمد صالح، أن اعتراضات حجازي على قصيدة النثر هي تكرار لاعتراضات العقاد على قصيدة التفعيلة، ولكن بعبارات أخرى، لينتقل بعد ذلك إلى اعتبار الإنجاز الذي قام به الخليل بن أحمد الفراهيدي بخصوص العروض والقافية يعتبر بحق الأساس الموسيقي للقصيدة العربية، هذا دون إغفال ما تعرض له هذا الإنجاز من موجات التجديد كان آخرها قصيدة التفعيلة التي يعتبر حجازي أحد روادها لكنه اليوم يريد شق عصا الطاعة ويتبوأ مقعد العقاد، كما لو أنه الشاعر الأخير، ليصل في الأخير إلى دعوة الشاعر أن يكتب قصيدته أو أن يصمتقصيدة النثر ثورة ثانية في الشعر العربي/ مجموعة آراءوإذا كانت ردود فعل كل من عبد المنعم تليمة وعلى منصور وفارس خضر وأسامة الديناصوري وفتحي عبد الله إلى جانب الدراسة التحليلية العميقة، التي أعدها الشاعر محمد بدوي، قد اتفقت جميعها على أن قصيدة النثر ستكون ثورة ثانية في الشعر العربي، وهي تؤكد خطاها نحو هدفها في كل يوم ومنذ منتصف الثمانينات، وأنها خاضعة لما يجري في ساحة الإبداع عامة من تداخل الأنواع الأدبية وتآزر الفنونكما أنها ليست بمجرد تفاصيل يومية مفرطة، وأخرى صغيرة وسرد مجاني، لأن كل ذلك لا يمكن أن يحقق شعرية بمعزل عن الارتكاز إلى ثقافة القيمة والاتكاء على إرث الحضارة الإنسانية، والاهتمام بالتاريخ حيث الناس، وبالفلسفة حيث الذات وبالمكان حيث الروح وبالخيال حيث نرى ما لا يراه الآخرون توجد معركة إذن قصيدة النثر موجودة/ د. جابر عصفورأما الدكتور جابر عصفور فيرى أن المعركة حول النثر توجد أو لا توجد معركة بلا معنى، لأن قصيدة النثر موجودة فعلاً، وعندما يوجد نوع أدبي ويصبح شائعاً وقوياً ومسيطراً فلا ينبغي أن نعيد سؤالاً سبق طرحه، بل يمكن أن نفكر في أسئلة أخرى: كيف يمكن أن نقلل من نسبة الرديء؟ كيف يمكن أن نؤكد الإبداع المتميز في هذه القصيدة؟ كيف يمكن أن ندرس التمايزات بين أجيال مختلفة فيها؟ ما نوع الشعرية التي تقوم عليها؟ وغيرها من الأسئلة"بعد ذلك ينتقل للرد عن الأسباب التي جعلت قصيدة النثر تكتسب شرعيتها في لبنان مثلاً، بينما مازال البحث مستمراً عن هذه الشرعية في مصر على ليؤكد على أن عنصر الاستعداد لقبول الجديد لدى اللبنانيين أكثر منه لدى المصريين، مستشهداً في ذلك بدعوة ميخائيل نعيمة في كتابه "الغربال" الشاعر إلى الحرية المطلقة في التعامل مع اللغة، بينما رفض العقاد في كتابه "الديوان" مثلاً، ذلك ليخلص في الأخير إلى أن المهم ليس هو الشكل: نثر أو تفعيلة، وإنما درجة الشعرية، "فعندما تتحقق درجة من الشعرية نكون إزاء قصيدة بغض النظر عن مسماها الشكلي" قصيدة عصر الإنترنت/ د. عدنان الظاهرمهما قيل عن قصيدة النثر فأنها ستكتسح أسواق وميادين الشعر كافة. لماذا؟ لأنها هذا العصر الجديد: زمن حضارة الإنترنت والعولمة. فأنها والأمر كذلك وليدة أقصى درجات الحرية فكراً ومسلكاً. إنها كالفاكس والإنترنت عابرة للقارات ولا تقف أمامها حدود وطنية أو دولية. وأحسب ـ ولا اظنني مغالياً ـ أن قد آن أوان رحيل بحور وأوزان (الخليل بن احمد الفراهيدي). وآن أوان غروب سلطان شعر التفعيلة الذي طال النقاش حوله دون أي مبرر سوي استعراض العضلات وحب الظهور من قبل بعض النقاد طالبين الشهرة بالركوب على ظهور بعض الشعراء الذين برزوا يوماً وشهروا بشعر التفعيلة فأسموهم (كبارا) وأطلقوا عليهم ما شاءوا من ألقاب الحفاوة والتبجيل التي لا يستحقون. بلى شعر التفعيلة حركة إلى الإمام وكان وليد عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية ومنتوجها المباشر إذ اندحرت الفاشية والنازية وانتصر شكل جديد للحرية والديمقراطية روجت له أمريكا (بالدرجة الأولي) وفرضته على العالم بجبروت قوتها العسكرية وسلاحها النووي وثرائها الباذخ وقدراتها الإعلامية الأسطورية. قد يكون رامبو. مجلة الثقافة الجديدة العدد 291 كانون الأول (ديسمبر) 1999 الصفحات 150-153) أو أحد معاصريه أول من كتب قصيدة النثر، لكن ما أراه اليوم من شعر (عصر الإنترنت) يختلف في الكثير من الأمور عن شعر (رامبو) ومعاصريه. قد نجد التفسير في فارق الحقب الزمنية والفوارق الكبيرة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والمال والثقافة. فما كانت زمن (رامبو) سفن تجوب الفضاء ولا تلفزيون وكومبيوتر أو فاكس أو إنترنت، والإنسان ابن عصره رأساً وقلباً وجسداً. يداً وجيباً وعيناًأجل، كانت قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة انقلاباً لكنه انقلاب شكلاني تناول جانباً واحداً من أشكال القصيدة ولم يؤثر في محتواها (مضمونها) إلا قليلاً جداً. لم يصل إلى لغتها أبداً واللغة هي الأساسإن أبرز خصائص قصيدة النثر اليوم:أولاً: قصيدة النثر (قصيدة عصر الإنترنت والعولمة) هي ثورة جذرية مثلثة الأطراف أحدثت تغييرات جذرية أخرى في شكل القصيدةثانياً: حرثت وقلبت محتواها فأوجدت لها محتوى خاصاً بها جديداً كل الجدة على عالم الشعر العربي ثالثا: ثم طورت ـ وهنا الثورة الأكبر ـ بل اخترعت لغتها الخاصة وابرز سمات هذه اللغة تحررها من حركات الأعراب بعد أن حررت نفسها وقائلها من قيود الفراهيدي. والفرهود لغة هو حمل الغنم الصغير وجمعه فراهيد والفراهيد قبيلة سكنت البصرة في الزمن القديم ومن أشكال بحوره الهندسية وتكرارها الدوري الرتيب: إنها قصيدة الفوضى الخاصة الخالية من أية منظومة عقلية هندسية. ولأنها متحررة من حركات الأعراب. نراها قريبة جداً من الشعر الشعبي العامي. إنها ضد المنطق المعروف وضد مفاهيم العقل السائدة بالعرف أو الولادة أو بقوة الدين وقوانين الدولة. فيا أيها الشعراء: أفسحوا المجال أمام كوكبة شباب قصيدة ما بعد الحداثة (قصيدة عصر الإنترنت وزمن العولمة). فالميدان قد اعد لهم بعناية وأنهم هم الظافرون. لأن جبروت هذا العصر العلمي والتقني يقف وراءهم وهم ثمرته ونتاجه ووارثيه شئناً أم أبينا. لقد قاوم أجدادنا القطار والكهرباء والمدارس كبدع محرمة، فمن انتصر في نهاية الأمر؟ نور الكهرباء أم فتاوى التحريم؟ هذا دليل على حيوية اللغة العربية/ عقل العويط شعر النثر العربي، في تجاربه واختباراته كلها، من لبنان وسوريا والعراق والأردن وفلسطين، إلى الخليج ومصر والمغرب، إلى كل مكان آخر، في مشارق الأرض ومغاربها، لم تعد مشكلته محصورة في قصيدة النثر، كبنية ذات قيم جمالية محددة، أسقطت عليها أسس نظرية واضحة. فقد تم اختراق "منطق" هذه القصيدة وكسر مفاهيمها والتوسع في مقاربة عوالمها، التي باتت تخلق نفسها بنفسها وتجدد جسدها وروحها، خارجةً على "الأسس" التي وضعتها سوزان برنار، واعتقد البعض، لوهلة، أنها مقدسة ونهائية، فإذا بها ممرَّغة ومضرَّجة على أيدي أصحاب الثورة الأدبية من الرواد قبل غيرهم تأكيداً. فنحن، تقول مقدمة "لن"، لا نهرب من قوالب جاهزة لنجهّز قوالب أخرى، ولا ننعى التصنيف الجامد لنقع بدورنا فيه. وما صفة التدمير التي تلاحق قصيدة النثر ك "لعنة" جميلة إلاّ "الإطار" الحرّ والخلاّق الذي نحبّ أن ندرج فيه كل محاولة جديدة لشعرنة النثر وكتابة قصيدة فيه. نقول التدمير، نعم، تدمير الشكل وتدمير العالم، بهدف خلق أشكال وعوالم هي نفسها ستكون عرضة للتدمير، لا استتباباً لحقيقة نهائية. وما دامت المعارك الأدبية تجري في القاهرة على هذه المنوال، ويتردد بعض صداها في بيروت، ووفق هذه الأهداف المجانية، شعرياً، فإن الشعر المصري، وشعر النثر تحديداً، يبحث إذاً بقلق عن أشكال جديدة ولغة جديدة، سيكون من الصعب الآن تمييز الغث من السمين فيها. وهذا ليس مطلوباً تحت هذه الوطأة وكعبرة مما يجري، يستحيل إدراج كل ما يُكتَب من قصائد في شعر النثر العربي، تحت التسمية المعروفة لقصيدة النثر. فهذه باتت من باب تسمية الكل باسم الجزء، وقد ذهبت التجارب الشعرية منذ الستينات حتى اليوم مذاهب شتى في خلق أشكالها، حتى لدى شعراء الجيل الواحد، بل حتى لدى الشاعر الواحد نفسه، ولم يعد صالحاً القول بشعر قصيدة النثر لتعريف كل ما يُكتَب نثراً الآن، أو للمقارنة مع القصيدة الموزونة أو قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة. وهذه الحال، إذا دلت على شيء فعلى حيوية اللغة العربية، وعلى دينامية شعر النثر وقدراته الخلاّقة على توليد نفسه بنفسه وصناعة قصيدة، أسنصطلح على تسميتها قصيدة نثر أم غير ذلك، فالمسألة أبعد من ذلك. إنها مسألة نهر الشعر يشق مجراه، غير آبه بالعشاب والأدوية الوعرة والجبال و… لا بالتسميات. وسيصل على طريقته وقيصدته ـ وهي طرائق وقصائد شتى ـ إلى البحر. ولن يخطئ الهدف.