
لقد ذُكر في القرآن : ((إمام مبين)) و ((كتاب مبين)) في عدة مواضع.
وقال قسم من المفسرين: انهما بمعنى واحد. وقال آخرون: معناهما مختلف. وفسّروا حقيقتهما بوجوه متضاربة. وخلاصة ما قالوه: انهما عنوانان للعلم الإلهي. ولقد حصل لي الاطمئنان التام والقناعة التامة بفيض القرآن الكريم أن:
((الامام المبين)) عنوانٌ لنوعٍ من العلم الإلهي وأمره، بحيث يتوجّه الى عالم الغيب اكثر مما يتوجه الى عالم الشهادة.
أي: أنه يتوجه الى الماضي والمستقبل اكثر من توجهه الى الحال والزمن الحاضر.
وبعبارة اخرى: انه سجلٌ للقدر الإلهي ينظر الى أصل كل شئ والى نسله، الى عروقه والى بذوره، اكثر مما ينظر الى وجوده الظاهري.
نعم! ان هذا الامام المبين عنوانٌ لنوع من العلم الإلهي وأمره، وهذا يعني: ان إنتاج مبادئ الاشياء وجذورها واصولها - بكمال الانتظام - للاشياء، في غاية الابداع والاتقان، يدل على أن ذلك التنظيم والاتقان إنما يتمان وفق سجل دساتير للعلم الإلهي. كماان نتائج الاشياء وأنسالها وبذورها، سجل صغير للأوامر الإلهية لكونها تتضمن برامج ما سيأتي من الموجودات وفهارسه، فيصح ان يقال: ان البذرة مثلاً عبارة عن مجسّمة مصغرة للبرامج والفهارس التي تنظم جميع تركيب الشجرة الضخمة، وللاوامر التكوينية التي تعيّن تلك التصاميم والفهارس وتحدّدها.
الحاصل: ان ((الامام المبين)) هو في حكم فهرس وبرنامج شجرة الخلق، الممتدة عروقها واغصانها وفروعها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب.
فـ((الامام المبين)) بهذا المعنى سجل للقدر الإلهـي، وكراس دساتيره. والذرات تُساق الى حركاتها ووظائفها في الاشياء باملاء من تلك الدساتير وبحكمها.
أما ((الكتاب المبين)) فهو يتوجه الى عالم الشهادة اكثر من توجهه الى عالم الغيب، أي: ينظر الى الزمان الحاضر اكثر مما ينظر الى الماضي والمستقبل.
فهو: عنوانٌ للقدرة الإلهية وارادتها، وسجل لهما وكتاب، اكثر مما هو عنوان للعلم الإلهي وأمره.
وبتعبير آخر: انه اذا كان ((الامام المبين)) سجلاً للقَدَر الإلهي فـ ((الكتاب المبين)) سجل للقُدرة الإلهية. أي أن الانتظام والاتقان في كل شئ، سواءً في وجوده، في ماهيته، في صفاته، في شؤونه يدلان على أن الوجود يُضفى على الشئ وتُعيَّن له صوَره، ويشخَّص مقداره، ويعطى له شكله الخاص، بدساتير قدرة كاملة وقوانين إرادة نافذة. فتلك القدرة الإلهية والارادة الإلهية اذاً لهما مجموعة كلية وعمومية لقوانينه وسجل عظيم، بحيث يُفصَّل ويُخاط ثوبُ أنماط الوجود الخاص لكل شئ ويُلبَس عليه ويُعطى له صوره المخصوصة، وفق تلك القوانين.
فانظر الى حماقة الفلاسفة وارباب الضلالة والغفلة!
فلقد شعروا بوجود اللوح المحفوظ للقدرة الإلهية الفاطرة، وأحسّوا بمظاهر ذلك الكتاب البصير للحكمة الربانية، وارادتها النافذة في الاشياء، ولمسوا صُوَره ونماذجه، إلاّْ انهم اطلقوا عليه اسم COLOR=magenta[/COLOR] - حاشَ لله - فاخمدوا نورَه.
وهكذا، باملاءٍ من الإمام المبين، أي بحُكم القَدَر الإلهي ودستوره النافذ، تكتب القدرةُ الإلهية - في ايجادها - سلسلةَ الموجودات - التي كلٌ منها آية - وتوجِد وتحرِك الذرات في لوح ((المحو والاثبات)) الذي هو الصحيفة المثالية للزمان.
أي ان حركات الذرات انما هي اهتزازات وحركات اثناء عبور الموجودات - من جراء تلك الكتابة، ومن ذلك الاستنساخ - من عالم الغيب، الى عالم الشهادة، أي من العلم الى القدرة. أما ((لوح المحو والاثبات)) فهو سجل متبدل للّوح المحفوظ الاعظم الثابت الدائم، ولوحة ((كتابة ومحو)) له في دائرة الممكنات أي الاشياء المعرضة دوماً الى الموت والحياة، الى الفناء والوجود.
بحيث ان حقيقة الزمان هو هذا.
نعم! فكما ان لكل شئ حقيقة، فحقيقة ما نسميه بالزمان الذي يجري جريان النهر العظيم في الكون هي في حكم صحيفة ومداد لكتابات القدرة الإلهية في لوح المحو والاثبات. ولا يعلم الغيب إلاّ الله.
منقول من مئلفات سعيد النورسي