كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت
في كتاب "مع القرآن الكريم"
للشيخ محمود خليل الحصري
بسِْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن أسعد وقت للإنسان في حياته هو مايعيش فيه مع القرآن بروحه وعمله واتجاهه، وذلك
عن طريق تطبيق مبادئه ومُُثله وقِيَمه. على نفسه وعلى أهله وذويه، ومحاولته جاهدًا أن يطبقها
كذلك على مجتمعه الذي يعيش فيه، فالقرآن الكريم هو النبراس الذي يضيء لنا هذه الحياة، والقبس
الذي نمشي على ضيائه، والنور الذي يوضح لنا معالم المعرفة والهداية، إذ هو الجامع لكل ألوان
المعرفة وأنواعها، مما يتصل بحياة الإنسان، وما ينفعه في دينه ودنياه، وفي معاشه ومعاده وهو
الذي نقل إلينا النظام الإلهي.
إذ يقول في شأن وهو الدستور السماوي للبشر كافة، وللخلق عامة، وصدق رسول الله
القرآن: "فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من
جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين،
والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة،
ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا
،[ الجن: ١ ] إِنَّا سَمِعَْنا ُقرْآنًا عَجَبًا : تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا
من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعي إليه
هدي إلى صراط مستقيم، وهو عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ
فيستعتب".
فإذا كان هذا هو شأن القرآن الكريم فما أحلى ما يتبع الإنسان هداه، ويسلك طريقه
ومنهاجه، ولذا كان كل وقت يقضيه الإنسان مع القرآن هو الوقت الفريد بالسعادة، المليء بالخير،
المحاط بالعناية الإلهية والرعاية الربانية، وكثير من الناس آتاهم الله حظ الدنيا والآخرة، ومنحهم
السعادة فيهما عن هذا الطريق المستقيم، طريق القرآن الكريم فحفظوه، وجودوه، ورعوه حق
الرعاية، واستمروا دائبين يخدمونه ويسعدون به: لأنه دائمًا يهدي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم.
وكان ممن عرفت من هؤلاء ولدنا الشيخ محمود الحصري، عرفته قارئًا مجيدًا، يخشى الله
في قراءته، ويتبع السلف الصالح في طريقتهم في قراءة كتاب الله تعالى، فما يحيد عنها قيد أنملة،
ولا يبتعد عنها ما استطاع لذلك سبيلا، تملأ قراءته القلوب سكينة وأمنًا وطمأنينة، وتفتح أمام أعين
سامعيه سبل الهدى والرشاد.
وما أحسنَ ما يبتعد القراء بأصواتهم المؤثرة عن التغني بالقرآن والإفراط في غنه ومده،
والتلاعب بتمطيط حروفه، وترقيص كلماته جريًا وراء قواعد النغم والموسيقى التي تذهب برونق
القراءة وبهاء التلاوة، وذلك حين يخرجون به عن الحد الذي أنزله الله فتضيع حكمته من أذهان
السامعين، وترتبط قلوبهم بالأغاني التي تحيد بهم عن القرآن وعن أسراره وحكمه.
وحين قدم إلينا الشيخ محمود الحصري كتابه "مع القرآن الكريم" حمدت له هذا الصنيع القيم
الذي ضم به خدمة كريمة إلى خدماته التي يقدمها إلى القرآن الكريم تقربًا لله، ولما قرأت الكتاب
وجدته كتابًا يحتاج إليه المسلمون الذي يحبون القرآن، وهو فوق ذلك بيان طيب لما يجب مراعاته
في قراءة القرآن وتلاوته حتى يكون الناس على بينة من أمر قرائهم، وليكونوا على هدى في اتجاه
سيرهم، وجدته يكتب في الموضوع جامعًا للأحاديث التي تبين الفضل الذي يؤتيه المولى لقارئ القرءان
والثواب الذي يعطيه لتاليه، ويمنحه له، ثم هو يذكر الناس بالآثار الطيبة والثمر الشهي
يظفر به الذين يعملون بالمبادئ التي اشتمل عليها القرآن الكريم.
خيركم من تعلم القرآن وعلمه" فإن تعليم " : وحين قرأت ذلك تذكرت قول الرسول
القواعد التي ينبغي أن يسير عليها المسلمون بالنسبة للقرآن هو الأمر اللازم والضرورة المحتمة
في هذه الحياة.
إن هذا السفر الجليل قد ضم من الأحكام ما يتصل بما يفعله بعض القراء من ترك بعض
الآيات أثناء التلاوة ليستقبل بها عظيمًا أو ليتجنب بها إنذارًا وتخويفًا لا يناسب المقام ولا يوافق
المزاج، فيعمد المؤلف إلى بيان شناعة هذا الأمر وفداحته، ومجافاته للأدب الذي ينبغي أن يتصف
به قارئ القرآن، فإن فاعله بعمله هذا كأنه يستدرك على الخالق ويعقب عليه إذ أنه يدعي أنه أكثر
أدبًا وأشد رعاية لشعور السامعين من القرآن الكريم، ثم يقول: وكأني بهذا النوع من القراء وهو
يزعم أن عنده من الرحمة بالخلق والإشفاق عليهم ما ليس عند أرحم الراحمين وما ليس عند
المبعوث رحمة للعالمين.
لقد صدق المؤلف فيما كتب فإن الله سبحانه العليم ببواطن الأمور الرحيم بعباده لأعلم بما
تقتضيه حالات عباده وما يناسب ظروفهم وأحوالهم، وكما أنزل على عبده آيات الوعد أنزل عليه
َنبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أََنا الْغَُفورُ الرَّحِيمُ آيات الوعيد، وكما أنزل آيات البشارة، أنزل آيات التخويف
مهمة تبشير ٥٠ ] وليست مهمة الرسول الأعظم - الحجر: ٤٩ ] ٤٩ ) وَأَنَّ عَ َ ذابِي هُوَ الْعَذَابُ اْلأَلِيمُ )
فاطر: ٢٤ ] فجزى ] إِنَّا أَرْسَْلَناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا فحسب إنما رسالته التحذير كما أن رسالته التبشير
الله المؤلف خيرًا لبيانه الواضح في هذا الجانب. وليتق الله القراء فيما يقرءون، وليعلموا أنهم
بسلوكهم هذا يشوشون على السامع، ويوقعونه في حيرة من الأمر فوق أنهم يرتكبون إدًّا في
مخالفتهم لمحكم نسج القرآن العظيم وترابط آياته الكريمة: فإن ترتيب الآي أمر توقيفي لا مجال
.[ الحشر: ٧ ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَ ُ خُذوهُ وَمَا َنهَا ُ كمْ عَنْهُ للاجتهاد فيه
وكان من خير ما أعجبني في هذا الكتاب هو بيانه الواضح في حكم ما يقدم عليه كثير من
القراء من الجمع بين القراءات في المحافل العامة التي ابتلي بها قراء القرآن في هذه الحقبة من
الزمن، الأمر الذي تبعثرت فيه الأفهام عند السماع، وتبلبلت فيه الأفكار، وبعدت عن التدبر والتفهم
لكتاب الله فلم تعد القراءة إلا أصواتًا موسيقية ُتشنِّف آذان السامعين حتى إنها لتحجب المعاني عن
القلوب.
رأيته يركز تركيزًا قويا على أنواع الجَمْع فيعرض لها يوضح رأي الشرع فيها ويصل عن
طريق الدليل إلى قول قاطع ورأي حازم وهو عدم جواز الجمع بين القراءات في الآية الواحدة أو
الربع الواحد، وقد سبق أن أبَنَّا هذا الموضوع وأدلينا برأينا فيه من عدم جوازه بالنسبة للقراء إلى
الجماهير، وبعثنا به إلى إذاعة الجمهورية لينشر على الناس.
رأيت ذلك كله في الكتاب مدعمًا بالدليل والحجة والبرهان من السنة الكريمة، رأيت ذلك
فدعوت الله له ولكل من يخدم القرآن على هذا النحو، ويتجه إليه بقلبه أن يجعل ذلك كله صادرًا
عن إيمان عميق وبنية صادقة متجهة إلى الله تعالى وهو رب العرش. فإنما الأعمال بالنيات ولكل
امرئ ما نوى.
حقق الله به القصد، ونفع به أهل العلم، ويسر الله به الخير لأهله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته / محمود شلتوت