ورد.... وشوك
( قصة قصيرة )
صعقت رباب عندما واجهها زوجها بنيته الزواج للمرة الثانية ، لم تصدقه ، بل ربما لم تشأ أن تصدق ، قالت له : أنت لا شك تمزح ، تريد أن تثير غيرتي لا غير ، وأضافت كمن تتمنى أن يوافقها , بل ترجوه أن يفعل , حتى لو كان كاذبا ، فيقول إنه يمزح ، لكنه أطرق قليلا ثم قال بهدوء : لم أكن جادا من قبل كما أنا الليلة .
استشاطت غضبا ، وطرحت نفس السؤال الذي كان هو يوجهه لنفسه , كان يعلم يقينا أنها ستطرحه ويحاول تحضير إجابة ما تقنعها أو تقنعه ، كان سؤالها المتوقع : وماذا ينقصك لتتزوج من امرأة أخرى ، حار في أمره ، فسألت سؤالا أخرا ، بماذا قصرت معك ؟ ازداد حيرة ، وسؤال ثالث كررته كثيرا في مرارة وألم : لماذا ؟؟! أخذ يدها وقال محاولا تهدئتها : يا عزيزتي ... ثارت ثائرتها ونزعت يدها من يده وهي تقول في تهكم وأسى : عزيزتك ؟! قاطعها محاولا الاحتفاظ برباطة جأشه وهو يقول : هل قلت أنك قصرت معي في شئ ؟ لم أقل ذلك أبدا , كما لم أقل بأني ينقصني شئ ! صرخت قائلة : فلماذا إذا ، لماذا ؟ أخذ يتلفت حوله كأنه لم يطرح هذا السؤال على نفسه عشرات المرات , وكأنه لم يحضر إجابات منمقة فيها اعتراف بفضل زوجه ووقوفها معه دائما في السراء والضراء , وفيها شكر عميق على حسن اهتمامها بالأولاد وتربيتهم التربية المثلى ....... سكت حيرة فهو يعلم أنه لن يقنعها بشيء ، مهما حدثها عن دوافعه و مقاصده , واستمدت هي من سكوته قوة وعادت تطرح نفس الأسئلة لماذا ؟ حاول جاهدا استيعاب ثورتها , وأكد لها حرصه الشديد على استمرار العلاقة بينهما وأنها ستحتفظ دائما بمكانتها من قلبه وحياته , وأخذ يشكر فضلها على ما قدمت في السنوات ا لطويلة التي قضياها معا , لكن ثورتها كانت تتجدد مرة بعد مرة , كأنها لا تسمع شيئا مما يقول , وتعود لطرح أسئلتها ثانية وثالثة ، أدرك أنه لن يستطيع إرضاءها أبدا ، إلا إذا تراجع عن نيته وهو لا ينوي التراجع مطلقا مهما كانت النتيجة , ولذلك قال في حزم : لقد فكرت طويلا , وقد عزمت على ما أبلغتك به , وهأنا أخبرك بنفسي , فلأن تعلمي مني خير من أن تعلمي من غيري , فانظري أمرك , وقام يغادر المكان حتى لا يسمع أسئلتها من جديد .
لكنها لحقت به وسألت سؤالا آخر هذه المرة وقد أدركت أن الأمر جدٌ لا هزل , قالت : فمن هي تلك المرأة ؟ سكت مليا ثم قال : هذه ليست قضيتك . قالت : أهي أجمل مني ؟ هل هي أصغر مني ؟ هل هي .......
قاطعها قائلا : وهذه ليست قضيتي , حدق في عينيها مكررا : تعلمين جيدا أن هذه ليست قضيتي , وغادر الغرفة ولم يلتفت .
أما هي فقد قضت ليلتها تبكي حتى الصباح , وتجتر ذكرياتها ما حلا منها وما مرّ , وأرقها بشكل خاص ما سيقوله الناس في شأنها , سوف يتساءلون , سيلوكون قصتها بلا شك , وسيقولون الكثير , فماذا وراء الناس غير الكلام في الناس ؟
في صباح اليوم التالي , دعت صديقتها المقربة سحر لزيارتها في منزلها , وخفت الأخيرة إليها وقد أقلقتها هذه الدعوة الصباحية المفاجئة , فتحت الباب لصديقتها وما أن رأتها حتى أكبت عليها وأخذت تبكي , حاولت سحر التماسك , لاشك أن داهية حلت بصديقتها الليلة الفائتة , ساعدتها حتى أجلستها على أريكة قريبة , وهي تقول : خيرا إن شاء الله , ما الذي حدث ؟ تنظر يمنة ويسرة لعل أحدا يخبرها لماذا انخرطت صاحبة الدار ببكاء يكاد يقطع نياط قلبها حتى لا تستطيع الكلام , أمسكت بكتفي صديقتها وهزتهما بشيء من العنف وهي تقول : أخبريني ماذا حدث ؟ هل حدث مكروه لأحد الأولاد لا سمح الله ؟ ردت : بل لأبيهم يا سحر لأبيهم , ربتت سحر على كتف رباب وهي تحوقل وتسترجع , ولكن متى حدث ذلك وكيف ؟ قالت رباب : لم يحدث بعد ولكنه سيحدث , سيحدث .
حارت سحر وقالت : ماذا تقولين ؟ ما هذا الذي سيحدث ؟
ردت وهي تظن أنها تفجر قنبلة : سيتزوج بامرأة أخرى .
ارتخت سحر في جلستها , وقالت وهي تحاول التقليل من حجم المسألة : سامحك الله يا رباب , أهكذا تفعلين بي ؟ تأتين بي على وجهي قبل موعد المدرسة وأتي إليك وأنت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار كل ذلك لأنه سيتزوج ؟!! وماذا إذا تزوج ؟! أهي نهاية العالم ؟؟
ردت : نهاية عالمي أنا على الأقل , نهاية حياتي , نهاية نجاحي , نهايتي أنا . تبلع سحر غصتها , هي حزينة جدا لحزن صديقتها , لكنها تتجلد أمامها , لئلا تزيدها لوعة , قالت محاولة التخفيف عنها : فليتزوج , فماذا سيحدث ؟! هو وحده من سيتحمل مسئولية جديدة , بيت آخر وأسرة أخرى ومسئولية العدل في النفقة والمبيت , أما أنت فستبقين سيدة بيتك ولديك أولادك وعملك , وأضافت مازحة : بل ستقل مسئولياتك و سيكون لديك فراغا أكبر مع الوضع الجديد وستنتجين أكثر , هنا غضبت رباب وقالت : أتسخرين بي ؟ كنت أظنك ستشاطريني مصيبتي وتبكين معي , أقول لك سيتزوج , سأخسر كل شيء , كل شيء .
تصنعت سحر مزيدا من الجدية وقالت : حسن , هذا قرارك أنت , إن شئت استسلمت وخسرت كل شيء , زوجك وبيتك وأولادك وأحلامك وأذهبت نفسك حسرات . هدأت رباب وأخذت تستمع لكلام صديقتها , ثم قالت متسائلة : وإن شئت ؟ قالت : وإن شئت صمدت وحافظت على مكانتك , وأسرتك بل واستثمرت ما تسمينه مصيبة في صالحك , في أن تعملي شيئا لنفسك .
إنه حديث جديد يا سحر , كيف ؟ ماذا تقصدين ؟
أنت معلمة ناجحة ولغتك الإنجليزية قوية , هل فكرت في عمل بحث في تخصصك ؟ هل فكرت في ترجمة بعض الكتب المفيدة ؟ هناك الكثير لتفعليه , وأنت لديك إمكاناتك , قلت لك ذلك مرارا لكنك كنت دائما تقولين : الزوج والبيت والأولاد ......... وضيق الوقت .
قالت معترضة : هل كان خطأ اهتمامي بالبيت والزوج والأولاد ؟ قالت سحر : من قال ذلك ؟ فكرت مليا ثم قالت , بل ربما كان هناك خطا ما , أضافت كمن تحدث نفسها : هو خطأ وهو صواب , المسألة نسبية .
قالت رباب : بدأت تتحدثين بالألغاز , أي خطأ وأي صواب ؟ أليست كل واحدة منا غاية أحلامها أن يكون لها بيت وزوج وأولاد ؟
قالت كأنها عثرت على ضالتها : هذا هو الخطأ بعينه ، نعم الطبيعي أن نحلم بأن يكون لنا ما ذكرت لكن الخطأ أن نعتبره المحطة الأخيرة في أحلامنا فيكون هو كل حياتنا فإذا ما هدد بشيء كانت نهايتنا ، ألا تظنين أنه ينبغي أن يكون إحدى محطاتنا على الطريق ؟؟ ردت الأخرى : ربما كنت على حق ! شدت سحر على يد رباب وقالت وهي تودعها : اصمدي أرجوك ولتكن هذه بداية جديدة .
تجاوزت سحر محنتها واستفادت من نصائح صديقتها ، بل وأعادت النظر في كل شؤونها ، ومضت ترقى في وظيفتها وتزيد إنتاجها مع الفراغ الجديد الذي أتاحه زواج زوجها من أخرى ، حتى لقد قال لها زوجها مداعبا ومباركا بطباعة كتابها الأول : هل كان يجب أن أتزوج لتعرفي إمكاناتك ، وتحسني استغلالها ؟ قالت : تنسب الفضل في نجاحي لنفسك ؟ قال : أبدا لكني سعيد بنجاحك ، وأبارك لك من كل قلبي .
بعد عدة سنوات من زواجه جاء إليها زوجها في ليلة تشبه كثيرا تلك الليلة التي صعقها فيها بنبأ زواجه ، يظن أنه إنما يزف إليها نبأ سعيدا ، أخبرها أن زوجته حصلت على بعثة دراسية وسوف تسافر لإكمال تعليمها مع بعض أهلها ، ردت في غير مبالاة : وما علاقتي أنا بهذا الأمر ؟ قال : كل العلاقة لك, ألا ترين أن سفرها سوف يجعلني متفرغا لك وحدك كما كنا في السابق ؟ ابتسمت وقالت : أنا قد رتبت أمري على ما تعلم , ليلة لك وليلة لعملي وإنتاجي وتحقيق طموحي ولا أرغب بالتغيير ، فانظر أمرك : قال : فماذا أفعل إذن ؟ ابتسمت في ثقة وقالت : الأمر إليك , ربما تستطيع أن تتزوج بأخرى .
منى العمد
الندوة العالمية للشباب الإسلامي