إن الحمد لله تعالى أحمده وأستعين به وأستهديه وأستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا
..... وبعد .....
التيسير والتخفيف سمة أصلية في دين الله , وهي واضحة في الصيام وفي سائر العبادات
يقول تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }
قال مجاهد والضحاك : اليسر الفطر في السفر , والعسر الصوم في السفر
وواضح من عموم اللفظ أن التيسير في جميع أمور الدين , وقد بين سبحانه أنه إنما رخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر , وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم .
وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت بالحنيفية السمحة ) , وعن محجن ابن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي فتراءاه يبصره ساعة , فقال : " أتراه يصلي صادقا ؟ " قال : قلت يا رسول الله , هذا أكثر أهل المدينة صلاة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسمعه فتهلكه ) وقال : (إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر ) ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن مردوية .
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن : ( بشرا ولا تنفرا , ويسرا ولا تعسرا , وتطاوعا ولا تختلفا) وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا )وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن خير دينكم أيسره , إن خير دينكم أيسره)
وخرج يوما يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلى فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن دين الله في يسر ) ثلاثا يقولها .
واليسر من السهولة , ومنه اليسار للغنى , وسميت اليد اليسرى تفاؤلا , أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى .
ورب العزة جل وعلا لا يكلف عباده ما طاقة لهم به , ومن القواعد التي اتفق عليها العلماء : رفع الحرج , وهي مستفادة من مئات النصوص مثل قوله تعالى :{ وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وقوله : { يريد الله أن يخفف عنكم } وقوله : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال :
( من هذه ؟ ) قالت : فلانة تذكر من صلاتها , قال : (مه , عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا , وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه )
وعن حنظلة الأسيدي قال : لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت : نافق حنظلة , قال : سبحان الله , ما تقول ؟ قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين , فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا , قال أبو بكر : فوالله إنا لنلقى مثل هذا , فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نافق حنظلة يا رسول الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما ذاك ؟ ) قلت : يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين , فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم , ولكن يا حنظلة ساعة وساعة , ثلاث مرات )
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ برجل قائم فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل , نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل , ولا يتكلم , ويصوم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه )
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أحاديث تدل على شفقته التامة بأمته , وخشيته أن يجلب عليها ما يعنتها أو يشق عليها , منها ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب فقال : (إني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون شققت على أمتي )
وفي قصة صلاة التراويح : صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس , ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم , فلما أصبح قال : ( قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ) وفي رواية (فتعجزوا عنها )
وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ( إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه )
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك )
وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالتخفيف وينهاهم عن التعمق والتشديد وينكر ذلك عليهم توجيها لهم إلى طريق اليسر والاعتدال
ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبى مسعود الأنصاري قال (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا , يقول أبو مسعود رضي الله عنه فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال : " يا أيها الناس إن منكم منفرين , فأيكم أم بالناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة )
وقال لعبد الله ابن عمرو ـ لما أخبر أنه يصوم النهار ويقوم الليل ـ قال : (فلا تفعل , صم وافطر , وقم ونم , فإن لجسدك عليك حقا , وإن لعينك عليك حقا , وإن لزوجك عليك حقا )
وحينما نهى عن الوصال قال له رجل من المسلمين فإنك تواصل يا رسول الله , قال : ( وأيكم مثلي ؟! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ) فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم رأوا الهلال فقال : ( لو تأخر لزدتكم ) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا .
فالسهولة والرفق والأخذ بالأيسر ومراعاة الأحوال دينه صلى الله عليه وسلم , وكل ذلك ما لم يكن إثما , فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما )
ولابد من الانتباه إلى أن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والتوسط فلا إفراط ولا تفريط , فالتنطع والتشدد حرج في جانب عسر التكليف , والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح وعدم تحقيق مقاصد الشرع و قال تعالى :{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا } فالتوسط هو منبع الكمالات , والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقية هو في سلوك طريق الوسط والعدل , وبالتالي فلا التفات لقول من يقول شدد أو خفف بل الواجب أن ندور مع نصوص الشريعة حيث دارت , وخصوصا وقد رأينا في أوقات الغربة هذه من يعتبر اللحية وتقصير ثوب الرجل ونحو ذلك من السنن ثقلا وقيدا وعنتا ومشقة ولا يسعنا أن نعطي الناس رخصا من جيوبنا ولا أن نغير ونبدل في دين الله " قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي " كما ينبغي أن نعلم أن رفع الحرج واليسر في الإسلام وإن كان شاملا لجميع أحكام الشريعة وفي كافة مجالاتها إلا أنه ليس غاية في ذاته , وإنما هو وسيلة واقعة في طريق الامتثال لأوامر الله تعين على تحقيق الغاية , فالإسلام هو الاستسلام لأوامر الله والانصياع لشرعه , فالمطلوب هو الطاعة وتحقيق العبودية لله وحده , وتحقيق مراد الشرع كذلك من جلب المصالح ودرا المفاسد , والذي يتلمس التخفيفات ويتتبع مواطن الرخص بعيدا عن الغاية الحقيقية من تمام العبودية وخالص الخضوع والطاعة لله وحده في جلب المصالح ودرا المفاسد , وإنما غايته أن يأخذ بالسهل من الأمور التي قد تؤدي إلى الانسلاخ من الأحكام والابتعاد عن الشرع والتهاون في مسائل الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات المالية وغيرها مدعيا ألا حرج في الدين فقد أخطا وضل السبيل , وقد بين العلماء أن تتبع رخص المذاهب يتجمع فيه الشر كله , فكيف بمن يصنع دينه من زلات العلماء ؟!
وقديما قالوا : وما كل خلاف جاء معتبرا .
وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يكون عند المسلم من المانع ما يثنيه عن الإقدام على مواطن الرخص والأخذ بالأيسر وهو ممن لا يسوغ له ذلك , أو أن يلبس على المفتي أو القاضي فيحكي غير الواقع وقد علم أنهما يجيبان على نحو ما يسمعان .
فـ { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }واشكروه سبحانه على نعمه يزدكم , اللهم لك الحمد على تيسيرك وتخفيفك .
أمرنا بالصيام لتهذيب النفس والوصول بها إلى مراقي التقوى , وجعل ذلك المقصود من تشريعه , وليس العسر والمشقة بالإمساك عن الطعام والشراب والشهوة , وصيام شهر في العام ليس خارجا عن حدود الوسع على الصحيح المقيم البالغ العاقل , والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس , بل الإنسان يطيق صيام أكثر من شهر .
ثم إذا نظرت في مباحات الصيام وكيفية قضائه وجدت تيسيرا وتخفيفا , فإذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق كما يقول الشعبي , واعلم أن العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة , فأما التشدد فيحسنه كل أحد كما قال الثوري , فاللهم يسر وأعن يا كريم .