بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا نص إجابة عن سؤال فقهي للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالنسبة لظل النبي (صلى الله عليه وسلم)
رقم الفتوى (4884)
الأول: أنه لا ظل له صلى الله عليه وسلم واستدل هؤلاء على ذلك بأدلة ومنها:
1- ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا واجعل لي نورا)
2- قول ابن عباس رضي الله عنهما : لم يكن لرسول الله ظل، ولم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوؤه على ضوء السراج، قال الإمام الزر قاني رحمه الله في شرح المواهب اللدنية رواه ابن المبارك وابن الجوزي) أي في الوفا بأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وعزاه الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى إلى الحكيم الترمذي وقال: قال بعضهم يشهد له حديث:" واجلعني نورا".)
وذكر المقريزي في "إمتاع الأسماع بما للنبى من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع" بأن ابن العاقولي نقله عن الحكيم الترمذي، ونقله عنه أيضا الشيخ الخيضري في -اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم-. والعلامة الصالحي في - سبل الهدى والرشاد- والحافظ المحدث ابن الملقن في كتابه -غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم-.
وهو موجود في الجزء الذي طبع مؤخرا من مصنف عبدالرزاق عن ابن جريج قال أخبرني نافع أن ابن عباس قال: فذكره وهذا السند صحيح لو صحت نسبة القطعة المطبوعة مؤخرا إلى المصنف.
وقال الشيخ الحافظ ملا علي القاري في -جمع الوسائل في شرح الشمائل- عند شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ)، قال: (وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، لَوْ رَأَيْتَهُ لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظِلٌّ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَ شَمْسٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوْؤهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَقُمْ مَعَ سِرَاجٍ قَطُّ إِلَّا غَلَبَ ضَوْءُهُ ضَوْءَ السِّرَاجِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى أَحْسَنِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَجْهَ بِذَلِكَ: لِأَنَّهُ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ الْمَحَاسِنُ: لِأَنَّ حُسْنَ الْبَدَنِ تَابِعٌ لِحُسْنِهِ غَالِبًا).
3- حديث مرسل في سنده ضعف عن ذكوان رحمه الله: أن رسول الله لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر. عزاه السيوطي في الخصائص الكبرى للحكيم الترمذي عن ذكوان.
4- سئل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر، رواه البخاري، أي فيغلب نوره فلا يكون له ظل، هكذا قال بعضهم في هذا الحديث وأمثاله مما سيأتي.
5- وسئل جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا، رواه مسلم.
6- وقال هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر،رواه الترمذي وغيره.
7- وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تخرج من وجهه، رواه ابن الجوزي.
8- ويروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أخيط الثوب فسقطت الإبرة فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبينت الإبرة بشعاع وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الديلمي وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر وفي سنده ضعف.
وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي في -كشاف القناع- : لم يكن له صلى الله عليه وسلم فيء أي ظل في الشمس والقمر، لأنه نوراني، والظل نوع ظلمة.. ويشهد له أنه سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورا، وختم بقوله: واجعلني نورا"، قالوا وليس هناك ما يمنع من أن لا يكون له ظل مع كونه جسما تكريما وتخصيصا له صلى الله عليه وسلم عن غيره.
وذكر هؤلاء ثلاث علل في سبب عدم رؤية ظله:
الأولى: أنه نور علَّلَه جماعة ومنهم ابن سبع رحمه الله.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}[المائدة:15] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "واجلعني نورا" رواه مسلم، وهذا لتعليل ضعيف لأن النور غير محسوس والنبي صلى الله عليه وسلم بعد تكوينه بشرا صار جسما محسوسا.
الثانية: أن قوة نوره تغلب قوة نور الشمس والقمر فلا يظهر له ظل بسبب ذلك وبه علل العلامة رزين وغيره وهذه أقوى العلل.
الثالثة: صيانة لظله عن أن يطأه كافر وهذا التعليل بعيد لأن المشركين قد تمكنوا منه بأكثر من ذلك ولم يعد نقصا كحبسه في شعب أبي طالب، وإلقاء سلى الجزور عليه وهو يصلي وإخراجه من مكة وقتل عمه حمزة وشج رأسه وكسر رباعيته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
القول الثاني: أن له ظلا كغيره من الناس:
واستدلوا على ذلك بأدلة ومنها:
1- كونه بشرا كما أخبر الله جل جلاله بذلك في كتابه فقال: {قل إنما أنا بشر مثلكم}[الكهف:110].
والبشر لهم ظل لكونهم أجساما كثيفة وهو جسم عليه الصلاة والسلام فهو إذن مثلهم في هذا لأن الأصل عدم الخصوصية ولا يصار إلى خلاف ذلك إلا بدليل ولم نجد دليلا صحيحا صريحا بذلك وما ذكره أصحاب القول الأول إما ضعيف سندا وإما ضعيف دلالة.
2- ثبوت الدليل بأن له ظلا ومن ذلك حديث عبد الله بن جبير الخزاعي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يمشي في أناس من أصحابه فستر بثوب فلما رأى ظله رفع رأسه فإذا هو بملأة قد ستر بها، فقال له:" مه". وأخذ الثوب فوضعه، فقال:" انما أنا بشر مثلكم". قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
ولا دلالة في الحديث لأصحاب هذا القول لأن الظل الذي رآه هو ظل الثوب الذي رفعه الصحابة فوق رأسه ليظله لا ظله هو عليه الصلاة والسلام.
3- ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في سفر ونحن معه فاعتل بعير لصفية وكان مع زينب فضل ظهر، فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إن بعير صفية قد اعتل فلو أعطيتها بعيرا لك! فقالت: أنا أعطي هذه اليهودية فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهجرها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وأياما من شهر ربيع الأول حتى رفعت متاعها وسريرها فظنت أنه لا حاجة له فيها فبينما هي ذات يوم قاعدة بنصف النهار ورأت ظله قد أقبل فأعادت سريرها ومتاعها قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو داود باختصار، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سمية روى لها أبو داود وغيره ولم يجرحها أحد وبقية رجاله ثقات.
والدلالة فيه ليست صريحة لأنه يحتمل أن الظل هنا هو الذات لأنها قالت: "ظله قد أقبل" والظل لا يوصف بالإقبال إنما يوصف به صاحبه ويعبر بالظل عن صاحبه مجازا ولأنها رأته من بُعْدٍ بدليل أنها قامت بإصلاح سريرها ومتاعها أي قبل وصوله ولأن الظل غالبا لا يرى من بُعْد.
صلوات ربي وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله