عندما تتعامل مع صراع تواصل ودام لوقت طويل جدا، فمن الحكمة ألاَّ تستشف وتستنتج الكثير من لقاء وحيد بين رجلين ما زالا جديدين في عملهما.
لكن القادة والزعماء الجدد عادة ما تكون لديهم فرصة أفضل للتغيير، وذلك مقارنة بما يمكن أن يفعلوه بُعيد إمضائهم بضع سنوات في مناصبهم، أي بعد أن تكون تجربتهم قد ضعضعتهم وأصابهم خلالها ما أصابهم من كدمات وجراح. ومن هنا، فلا ينفع بشيء أن نكون مشككين بالأمر أكثر مما ينبغي.
فقبل اللقاء بين الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، بنيامين نتانياهو، كانت هناك ثمة توقعات بحدوث شرخ بين الرجلين.
سوابق
بوين: أرسى أوباما ونتانياهو الأسس لفرصة الاصطدام في علاقتهما الجديدة
وهنالك سوابق لذلك. فعندما كان نتانياهو رئيسا لحكومة بلاده خلال الفترة الممتدة بين عامي 1996 و1999، كانت العلاقة بينه وبين الرئيس الأمريكي حينذاك، بيل كلينتون، صعبة وشاقة.
لكن، إن كان هذا هو فعلا ما سيحصل مع الرئيس أوباما، فلربما يكون من المبكر حدوث ذلك، كما أنه من غير المحتمل أن نسمع بمثل هذا الأمر (أي بالخلاف بين أوباما ونتانياهو) في المستقبل القريب.
ولا يحتاج قائدان أو زعيمان أن يكونا أفضل رفيقين أو زميلي سلاح ليتمكنا من الدخول في تحالف فيما بينهما.
ولا ننسى أن هناك صلات هامة ووثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذه الصلات ثابتة وغير قابلة للتغير، وذلك أكثر من أي شيء آخر في الشؤون والعلاقات الدولية.
دعم حيوي
فمنذ أن قدم الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان دعمه الدبلوماسي الحيوي ليهود فلسطين عندما كانوا بصدد إقامة دولة إسرائيل في عامي 1947 و1948، أخذت هذه العلاقة تتوثق شيئا فشيئا.
كانت العلاقة بين كلينتون ونتانياهو بين عامي 1996 و1999 صعبة وشاقة
إن أوباما ونتانياهو متفقان الآن على أنهما لا يريدان أن تحصل إيران على أسلحة نووية. وقد كان ذلك واضحا منذ بعض الوقت.
وتنفي إيران أنها بصدد تطوير مثل هذا السلاح، لكن حججها لم تؤدِّ إلى أن تكسب طهران إلى جانبها العديد من المشككين بصحة مزاعمها.
ثقة الإسرائيليين
وليس للحكومة الإسرائيلية الكثير من الثقة بخطة إدارة أوباما بشأن التحدث إلى إيران وإقناعها بالتخلي عن عملية تخصيب اليورانيوم، وإن كان من الصعب على الإسرائيليين أن يقولوا للرئيس الأمريكي بألا يمضي قُدما في مسعاه ذاك.
ويرغب نتانياهو بأن يجري وضع موعد نهائي صارم لأي محادثات (تُجرى مع الإيرانيين)، وذلك عندما تبدأ مثل تلك المحادثات مع طهران بشكل مناسب.
وعوضا عن ذلك، فقد وعد الرئيس أوباما بالنظر في نهاية العام الجاري بالطريق الذي يتعين سلوكه بشأن تلك المحادثات، وهذا بحد ذاته ضرب من المواعيد.
كسب الوقت
ليس لدى إسرائيل الكثير من الثقة بخطة أوباما بشأن التحدث إلى إيران
ولكن، ألا يقدِّم ذلك تحذيرا للإيرانيين بأنهم يحتاجون أن يجدوا في شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل طريقة جديدة للَّعب على عامل الزمن من أجل كسب المزيد من الوقت؟
وعلى الجبهة الفلسطينية، فقد جدد الرئيس أوباما اعتقاده بأن الفرصة الأفضل للتوصول إلى إحلال السلام في المنطقة تكمن في إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.
وقدد شدد أوباما على الالتزامات الإسرائيلية والفلسطينية.
فعلى سبيل المثال، قال إن إسرائيل تكون على حق عندما لا تتغاضى عن أمر قصف مواطنيها بالصواريخ من غزة.
حصار وإحباط
ومضى الرئيس الأمريكي بعدها إلى القول إن إسرائيل بحاجة إلى تخفيف الحصار الذي تفرضه على غزة، لإن الإحباط في القطاع سيء بالنسبة لكل من عملية السلام والأمن الإسرائيلي.
يريد الإسرائيليون وضع حد للبرنامج النووي الإيراني
من جانبه، فإن نتانياهو لا يؤمن بالاستقلال الفلسطيني. فهو يتحدث عن خطة للسلام الاقتصادي والحكم الذاتي المحدود، والذي يقول إنه ضروري لأن إسرائيل ستعرِّض نفسها بدون تلك الخطة لمخاطر لا داع لها.
ويحذر نتانياهو في الوقت ذاته من أن الاستقلال الفلسطيني في القدس الشرقية والضفة الغربية قد يشكِّل قاعدة متقدمة لحماس وإيران لإطلاق صواريخهما منها على إسرائيل.
أسس الاصطدام
وتعني وجهات النظر المتباينة إلى درجة كبيرة بشأن قيام دولة فلسطينية بأن الرئيس أوباما ورئيس الوزراء نتانياهو قد أرسيا الأسس لفرصة الاصطدام في علاقتهما الجديدة.
ومن المُتوقع أن يعلن الرئيس أوباما عن خطة سلام جديدة في خطاب سيلقيه في العاصمة المصرية القاهرة في الرابع من شهر حزيران/يونيو المقبل.
ففي حال كانت تلك الخطة جادة، فسوف تتضمن تفاصيل أكثر إلى درجة أن نتانياهو وتحالفه اليميني الرئيسي سيجدان من الصعوبة بمكان أن يبتلعا تلك الخطة، وخصوصا في مجال التوسع بالمستوطنات اليهودية في المناطق الفلسطينية المحتلة، تلك المستوطنات المخالفة للقانون الدولي.
تذليل الصعاب
يرى أوباما أن الإحباط في قطاع غزة سيء بالنسبة لكل من عملية السلام والأمن الإسرائيلي
ويتحدث المسؤولون الذين يرافقون نتانياهو (إلى الولايات المتحدة) بشكل سري إلى الصحفيين الإسرائيليين المسافرين معهم، موحين بأن أية صعاب أو مشاكل تبرز في المستقبل سيجري تذليلها عبر لجان عمل إسرائيلية-أمريكية مشتركة يتم تشكيلها في الوقت الراهن.
وقد لا يكون الأمر بمثل تلك السهولة.
إن إسرائيل والولايات المتحدة حليفان طبيعيان. لكن الخلافات بين الطرفين في اللهجة وفي المضمون، والتي جرى تغليفها بشكل جزئي فقط من خلال تبادل المجاملات الثنائية بينهما في البيت الأبيض، لم يكن ليمكن تصورها في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش.
وإذا كان الرئيس أوباما جادا بشأن صنع السلام في الشرق الأوسط، فسوف يتطلب الأمر مواجهة خيارات قاسية عدة من قبل كافة الأطراف، وذلك يعني أنه قد يوجد بعض اللحظات العصيبة والمناطق الوعرة في العلاقات بين إسرائيل وأفضل أصدقائها.