طرابلس- أكد الحاج محمد الأمين سه، شيخ الطريقة التيجانية الصوفية والإمام الثالث بمسجد فيصل الكبير بغينيا، أن أجواء التعايش والاحترام المتبادل تزين العلاقة بين المذاهب في ظل استمرار نجاح اتفاقية الاحترام المتبادل التي تم توقيعها منذ 4 سنوات بين السنة والشيعة بمشاركة السلفية والصوفية، برعاية أعلى مجلس صوفي في البلاد.
وفيما يلي نص الحوار الذي أجري معه في هذا الصدد خلال زيارته لمدينة طرابلس الليبية:
* بداية.. كيف تعرفت غينيا على الصوفية؟
- ما يجب أن أقوله هو أن بلادنا الإفريقية كلّها عرفت الإسلام عن طريق رجال التصوف الذين كانوا يتاجرون وينتقلون بين الدول والأقاليم، ويقدّمون الإسلام ليس بالخطب والدروس والمواعظ، وإنما بسلوكهم الطيّب الذي يتمثّل في كل تعاملاتهم وحياتهم اليومية بالقيم والتعاليم الإسلامية؛ فكانوا قدوة ودعاة بسلوكهم لا أقوالهم كما يحدث اليوم من كثير من الدعاة.
ومع الشيخ عمر الفوتي دخلت الطريقة التيجانية إلى غينيا، وأخذت تنتشر ويزداد أتباعها ومريدوها حتى صاروا يمثلون 80% من إجمالي عدد المسلمين الغينيين، والذين هم بالأساس يمثلون 95% من السكان البالغ عددهم 16 مليون نسمة.
* 80% رقم ضخم جدا، ما سبب هذا الإقبال الكبير على الطريقة التيجانية؟
- بفضل الله تعالى للتيجانية وجود في كل أقاليم غينيا، بل لنا وزراء وبرلمانيون ومسئولون في مختلف المصالح الحكومية وغيرها؛ فنحن حركة دينية اجتماعية وليست سياسية، ونقوم بدور مهم في إقرار الأمن والسلام والمحبة بين الناس.
ولهذا السبب أيضا فإن الرئيس الحالي، موسى كمارا، نفسه يتابع أنشطتنا ودورنا في تنمية وتطوير مجتمعنا، وإذا ما تكاسلنا في فترة ما نجده يسأل: لماذا لا تتحركون؟! بل لو كانت عندي مناسبة دينية فإنه يحرص على إرسال مندوب عنه للحضور والمشاركة.
* هل يعني هذا أن المجتمع الصوفي في غينيا لا يواجه مشكلات؟
- بالتأكيد الأمر لا يخلو من مشكلات، ولكن الحمد لله نواجه أي مشكلة بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر؛ فإذا بالله عز وجل يُلهمنا الحل والخروج من أي مأزق أو مشكلة.
ومن أكبر المشكلات التي تواجهنا أنه في الآونة الأخيرة ظهرت فئات من الناس يحاربون التصوّف بشدّة وعن جهل، ويتهموننا بالانحراف وتغييب العقل وغير ذلك، ومع هذا أُقابلهم بالهدوء وعدم التعصب، وأظل أشرح لهم حقيقة التصوف، خاصة أنه توجد طرق صوفية أخرى بجانب التيجانية مثل الإدريسية والقادرية، فيقتنعون.
وأحمد الله تعالى أن كلمتي مسموعة عند جميع الأطراف، ولا أحد يستطيع الخروج عليها مهما كان منصبه أو علمه.
* وكيف تتعاملون مع المذاهب والطرق المختلفة معكم، مثل الشيعة والسلفية؟
- دائما أؤكد للجميع أننا مسلمون، سواء كنا صوفية أو غير ذلك، وأحذرهم من التيارات التي تسعي لتفريق صفنا وإثارة الفتنة باتهام إخوانهم المسلمين بالبدع أو الشرك أو خلافه والتي تصب في مصلحة أعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر.
ونتعامل مع الجميع على أننا جميعا مسلمون نعبد إلها واحدا.. ورسولنا واحد.. وقبلتنا واحدة، وأن كل فرد حر في اختيار الطريقة التي يعبد بها ربه.
هذا المنهج الذي أتّبعه ونسير عليه نحن الصوفية جميعا في غينيا جعل ملتقياتنا وتجمّعاتنا تضم أهل الشيعة والسلفية والوهابية، وكلهم يحترمون رأينا وتفكيرنا، كما نبادلهم نفس الاحترام، ويشهد على ذلك الاتفاقية التي وقعناها جميعا منذ 4 سنوات، والتي تنص على ألا ينتقد أو يهاجم أحدُنا الآخر في عبادته أو ممارسته لشعائر دينه، ولا زالت سارية لليوم بنجاح.
* في الفترة الأخيرة اتهمت بعض الأطراف التصوف بأنه بوابة التشيع، وأنه سبب التأخر والتواكل في الأمة الإسلامية.. فبماذا ترد على هذه الاتهامات؟
- نحن لا نشغل أنفسنا بمثل هذه الأمور التافهة التي تجعلنا نغيب عن القيام بدورنا في التعريف بالإسلام ونشر صورته الصحيحة؛ فقارتنا الإفريقية بحاجة ماسة إلى هذه المهمة.
ولكن بالنسبة للرد فإننا نرد عمليا بما نقوم به من حملات توعية وتثقيف وتعليم للناس بالأحكام الدينية، بل بالمعلومات والمعارف الثقافية والتربوية والبيئية وكل ما يتعلق بالحياة العامة.. والحمد لله فإن لنا دورا كبيرا نؤديه من خلال إلقاء الدروس في المساجد أو التجمعات الدينية التي تتم في المناسبات والأعياد كالمولد النبوي والعيدين والهجرة وغيرها.
هذا فضلا عن الملتقى الصوفي العالمي الذي ننظمه كل عامين بالعاصمة كوناكري وقد بدأناه عام 2002، ونستعد حاليا لعقد الملتقى الرابع والذي تشهده جموع غفيرة من الصوفية في العالم كله.
* هل صحيح أن الصوفية لها تأثيرها الكبير في صانعي القرار بإفريقيا؟
- نحن نعتز بهذا لأننا مدرسة كبيرة تخرّج منها معظم الرؤساء والوزراء والمسئولين، والتيجانية بالذات لها مريدون وأتباع في كل المناصب العليا.. وأذكر هنا أن الرئيس الراحل أحمد سيكوتوري كان من أبناء الطريقة التيجانية، وقد قال لي بنفسه قبل وفاته إن أباه سماه "أحمد" تيمُّنا بالشيخ أحمد التيجاني.
وكما أشرت فالرئيس الحالي أيضا يتابع أنشطتنا ويهتم بما نقوم به، أما الوزراء والحكّام والمسئولون الذين يتبعون الطرق الصوفية المختلفة فأعدادهم لا تُحصى.
*ما النصيحة التي تريد توجيهها إلى أتباعك ومحبيك؟
- نصيحتي ليست فقط لأتباعي، بل لكل إنسان، وهي أن يسعى لنشر قيم السلام والمحبة والتراحم بين كل البشر؛ لأننا جميعا إخوة في الإنسانية.. وهذا أمر إلهي خاصة للمسلمين؛ امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
وليدع إخواننا الذين يُريدون أن يُغيّروا معتقدات الآخرين بالقوة طريقتهم هذه؛ لأنها تُنفّر الناس منهم، ولأن الإنسان إذا كان مقتنعا ومعتقدا في شيء ما فإنه لا يُمكن لأحد أن يُغيّر فكره.. فلابد أن يحترم كل منا عقل وتفكير وعقيدة الآخر.