الإمام ابن الجوزي والتربية الذاتية
مدخل :
الإمام ابن الجوزي له تجربة في التربية الذاتية فصلها في كتابه " لفتة الكبد في نصيحة الولد " فقال في سبب تأليفه : " ... ثم رأيت منه توان عن الجد في طلب العلم ، فكتبت له هذه الرسالة ، أحثُّه بها على سلوك طريقي في كسب العلم ، وأدله على الالتجاء إلى الموفق – سبحانه وتعالى – مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق ، ولا مرشد لمن أضل " .
وسأقوم بعرضها كما وصفها هو من غير تصرف ، بل بنقل نص عباراته ، وسيكون دوري في عرضها الترتيب المنهجي ، ليسهل على القاريء استيعاب تجربة هذا الإمام .
* مجالات التربية الذاتية :
المجالات التي يجب الاعتناء بها في تربية الذات لدى الإمام ابن الجوزي ، تميزت بوضوح المعالم ، وشمولية التربية ، تركيز الهدف ، وصرامة قيادة الذات لاستكمالها ، وهي تشمل :
1 ) التربية على التقوى والإخلاص :
يقول : " وها أنا قد ترى ما آلت حالي إليه وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة ، وهي قوله تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) " . [ البقرة : 282 ] . ويقول : " يا بني ، ومتى صحت التقوى رأيت كل خير ، والمتقي لا يرائي الخلق ، ولا يتعرض لما يؤذي دينه ، ومن حفظ حدود الله حفظه الله ... واعلم أن أوفى الذخائر غض الطرف عن محرم ، وإمساك اللسان عن فضول كلمة ، ومراعاة لحد ، وإيثار الله – سبحانه وتعالى عن هوى النفس .. " .
ويقول : " فلا تعظن إلا بنية ، ولا تمشين إلا بنية ، ولا تأكلن لقمة إلا بنية " .
2 ) التربية على الاستعداد للآخرة :
يقول : " فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا ، فرضنا ستين سنة مثلاً ، فإنه يمضي منها ثلاثين سنة في النوم ، ونحواً من خمس عشرة في الصبا ، فإذا حسب الباقي كان أكثر في الشهوات والمطاعم والمكاسب ـ فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيراً ، فبماذا تشتري الحياة الأبدية ، وإنما الثمن هذه الساعات ؟ " .
3 ) التربية على العبادات :
ويقول : " واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم ، فمتى تعدى الإنسان فالنار النار "
4 ) التربية على الآداب :
منها : العزلة عن أصحاب السوء ، فيقول : " وعليك بالعزلة ، فهي أصل كل خير ، واحذر من جليس السوء " .
ومنها : الزهد في الدنيا ، فيقول : " واجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذل لأهلها ، واقنع تعز ... " .
ومنها : القيام بالحقوق ، فيقول : " وأدِّ إلى كل ذي حق حقه من زوجة وولد وقرابة " .
ومنها : " تأديب النفس ، فبقول : " وراع عواقب الأمور ، ليهن عليك الصبر عن كلماتشتهي وما تكره ... " .
5 ) التربية على طلب الكمال :
يقول : " وينبغي أن تسمو همتك إلى الكمال ، فإن خلقاً وقفوا مع الزهد ، وخلقاً تشاغلوا بالعلم ، وندر أقوام جمعوا بين العلم الكامل والعمل الكامل " .
6 ) التربية على الجمع بين العلم والعمل :
يقول في الجمع بينهما : " وإياك أن تقف مع صورة العلم دون العمل به ، فإن الداخلين على الأمراء والمقبلين على أهل الدنيا قد أعرضوا عن العمل بالعلم فمنعوا البركة والنفع به " .
ويقول : " وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم ، فإن خلقاً كثيراً من المتزهدين المتصوفة ضلوا طريق الهدى إذ عملوا بغير علم " .
ويقول : " ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الحجر " .
ويقول : " وعلى الحقيقة ، فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل ، فإذا حصلا رَفَعَا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق – سبحانه وتعالى – وحرّكاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه .
ويقول في التربية العلمية : " وأول ما ينبغي النظر فيه : معرفة الله تعالى بالدليل ... ثم يتأمل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ، وأكبر الدلائل : القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله ... ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات ، فإذا عرف قدر الواجب قام به ... ولا بد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو ، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة ... والفقه أصل العلوم " .
ويقول : " تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف ، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها ... " .
* أساليبه في التربية الذاتية :
كما حدد الإمام ابن الجوزي هدفه في استكمال تربية الذات في المجالات السابقة ، فقد حدد أساليبه لبلوغ تلك التربية ، وتميزت بالتنوع ، والشمول ، والصرامة في تطبيقها ، وهي تشمل :
1 ) الاشتغال بطلب العلم الشرعي :
ويشمل :
أ – حفظ القرآن والسنة :
يقول : " فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره ، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم " .
ب – حفظ وكتابة دروس العلماء ومراجعتها :
يقول : " بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير ، فأحفظ جميع ما أسمعه ، وأذهب إلى البيت فأكتبه "
ويقول : " ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ، ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر ، آخذ جزءاً ، وأقعد حُجْزَة من الناس إلى جانب الرَّقة ، فأتشاغل بالعلم " .
ويقول : " فعليك بالحفظ ، وإنما الحفظ رأس المال " .
ج – التوسع في طلب العلم :
يقول : " ولم أقنع بفن من العلوم ، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث ... " .
د – ملازمة العلماء ومسابقة الطلاب إليهم :
يقول : " ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل أبي ناصر– رحمه الله – وكان يحملني إلى الشيوخ ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار ، وأنا لا أعلم ما يراد مني ، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت ، فناولني ثبتها ، ولازمته إلى أن توفي رحمه الله ، فنلت به معرفة الحديث والنقل " .
ويقول : " ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث ، فينقطع نفسي من العدو لئلا اُسْبق "
هـ - حضور مجالس العلماء الزائرين لبلده :
يقول : " ولم أترك أحداً ممن يروي ويعظ ، ولا غريباً يقدم إلا وأحضره " .
و – إحكام العلم :
يقول : " ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله " .
ز – النفقة في طلب العلم :
يقول : " واعلم يا بني أن أبي كان موسراً ، وخلّف ألوفاً من المال ، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودارين ، وقالوا لي : هذه التركة كلها ، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم ، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم ... " .
2 ) التبكير في التربية :
يقول : " فإني أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين ، وأنا قرين الصبيان الكبار ـ قد رقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط ، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً ، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع ... " .
3 ) الاجتهاد في طلب الكمال :
يقول : " وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ، وليس كل ما يُراد مراداً ، ولا كل طالب واجداً ، ولكن على العبد الاجتهاد " .
ويقول : " ولم أقنع بفن من العلوم " .
4 ) رفع الهمة وتخليص النفس من الكسل :
يقول : " والكسل عن الفضائل بئس الرفيق ، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة ، فانتبه واتعب لنفسك " .
ويقول : " وقد عرفت بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات ، فإذا حُثّت سارت ، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فسل المنعم ، أو كسلاً فالجأ إلى الموفق " .
ويقول : " وألزمت نفسي الصبر فاستمرت ، وشمرت ولازمت ، وعالجتالسهر " .
5 ) تزكية النفس بفعل الطاعات واجتناب المعاصي :
يقول : " فلن تنال خيراً إلا بطاعته ، ولا يفوتك خيرٌ إلا بمعصيته " .
ويقول : " فالزم نفسك يا بني الانتباه عند طلوع الفجر ولا تتحدث بحديث الدنيا ... وقل ذكر الاستيقاظ من النوم ... ثم قم إلى الطهارة واركع سنة الفجر ، واخرج إلى المسجد خاشعاً ... واقصد الصلاة إلى يمين الإمام ... ثم عليك بالأذكار بعد الصلاة ... فإن صح لك فاجلس ذاكراً الله تعالى إلى أن تطلع الشمس وترتفع ، ثم صلِّ واركع ما كتب لك ، وإن كان ثماني ركعات فهو حسن " .
ونلاحظ أن التربية على العبادات تشمل المحافظة على الفرائض ، والإكثار من النوافل ذكراً وصلاة .
ويقول : " وصلِّ الضحى ثماني ركعات ... وصلِّ بعد المغرب ركعتين بجزأين ... وإذا فتحت عينيك من النوم فاعلم أن النفس قد أخذت حظها ، فقم إلى الوضوء وصلِّ في ظلام الليل ما أمكن ، واستفتح بركعتين خفيفتين ، ثم بعدهما ركعتين بجزأين من القرآن ... " .
ويقول : " وإنوجدت من نفسك غفلة ، فاحملها إلى المقابر ، وذكّرها قرب الرحيل " .
6 ) المداومة على مطالعة سير السلف :
يقول : ينبغي التشاغل " بمعرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير أصحابه والعلماء بعدهم ، ليتخير مرتبة الأعلى فالأعلى ... " .
ويقول : " وليكن جلساؤك الكتب والنظر في سير السلف ... وتَلَمَّح سير الكاملين في العلم والعمل " .
ويقول : " واعلم أني قد تصفحت التابعين ومن بعدهم ، فما رأيت أحظى بالكمال من أربعة أنفس : سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وسفيان الثوري ، وأحمد بن حنبل ، وقد كانوا رجالاً ، وإنما كانت لهم همم ضعفت عندنا ، وقد كان في السلف خلق كثير لهم همم عالية ، فإذا أردت أن تنظر إلى أحوالهم ، فانظر في كتاب ( صفة الصفوة ) ، وإن شئت تأمل أخبار سعيد ، والحسن ، وسفيان ، وأحمد رضي الله عنهم ، فقد جمعت لكل واحد منهم كتاباً " .
ويقول : " ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر " .
7 ) استغلال الوقت وتنظيمه :
يقول : " فانتبه يا بني لنفسك ... واندم على ما مضى من تفريطك ، واجتهد في لحاق الكاملين ما دام في الوقت سعة ، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة ، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة ... " .
ويقول : " واعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات ، والساعات تبسط أنفاساً ، وكل نفس خزانة ، فاحذر أن يذهب نَفَس بغير شيء ، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم " .
ويقول : " وانظر كل ساعة من ساعاتك بما تذهب ، فلا تودعها إلا إلى أشرف ما يمكن "
ويقول بعد أن ذكر الجلوس في المسجد إلى طلوع الشمس : " ثم أعد درسك إلى وقت الضحى الأعلى ... " ، و ذكر بعد صلاة الضحى : " ثم تشاغل بمطالعة أو نسخ إلى وقت العصر ، ثم عد إلى درسك من بعد العصر إلى وقت المغرب ... فإذا صليت العشاء فعد إلى دروسك "