لا بد من تعريف للموت، ومعرفة علاماته وكيفية تشخيصه. ورغم أن ملايين البشر قد أتوا إلى الدنيا، ثم ماتوا، ورحلوا عنها دون الحاجة إلى طبيب لتشخيص ذلك، إلا أن كثيرًا من الحالات تم فيها تشخيص الموت خطأ، وأدى ذلك إلى دفن بعض الأحياء، ثم تبين أن هؤلاء لم يموتوا بعد، وقد كتب ابن أبي الدنيا كتابًا فيمن عاش بعد الموت: وكذلك كتب (إدجار آلان بو) مجموعة من القصص تحكي حوادث لأشخاص دفنوا وهم أحياء، وكتب (الكونت كارنيس كارنيكي) مجموعة من الاقتراحات والتوصيات، مثل أن يوضع في النعش أعلام وأجراس، وتفتح كوة من القبر بحيث يستخدمها الشخص إذا دفن أثناء غيبوبته وهو لم يمت بعد.
وإذا كان تشخيص الموت لمن عاش ثم فقد الوعي أمرًا عسيرًا في بعض الأحيان، فإن تشخيص الموت في المولود أكثر صعوبة. وقد كان القدماء يُعِدّون الطفل المولود ميتًا، ما لم يستهل صارخًا، وكم من المواليد ينزلون دون أن يبدأوا حياتهم بالصراخ؟! وقد أدى هذا الإجراء إلى دفن آلاف الأطفال المواليد الذين كانوا يعانون من صعوبة ما في التنفس، وبالتالي لم يبدأوا حياتهم بالصراخ.
يقول فضيلة مفتي تونس الشيخ محمد مختار السلامي موضحًا آراء الفقهاء الأقدمين في المولود الذي لم يستهل صارخًا: (يقول خليل بن اسحاق: ولا سقط ما لم يستهل صارخًا، ولو تحرك أو بال، أو رضع). إن هذه الفقرة تجعل مقياس الحياة الصوت. وقد فصل اللخمي ما تكون به الحياة، فقال: اختلف في الحركة والرضاع والعطاس، فقال مالك: لا يكون بذلك حكم الحياة. قال ابن حبيب: وإن أقام يومًا يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك حتى يسمع له صوت، وإن كان خفيٌّا، قال إسماعيل: وحركته كحركته في البطن لا يحكم له فيها بحياة. قال عبدالوهاب: وقد يتحرك المقتول. وعارض هذا المازري وقال: لا معنى لإنكار دلالة الرضاع على الحياة، لأنا نعلم يقينًا أنه محال بالعادة أن يرضع الميت. وليس الرضاع من الأفعال التي تكون بين الطبيعة والاختيارية، كما قال ابن الماجشون: إن العطاس يكون من الريح، والبول من استرخاء المواسك(4)، لأن الرضاع لا يكون إلا من القصد إليه، والتشكك في دلالته على الحياة يطرق إلى هدم قواعد ضرورية، والصواب ما قاله ابن وهب وغيره أنه كالاستهلال بالصراخ).
وقد زعم بعض الفقهاء الأقدمين أن عمر - رضي الله عنه - لما طُعِن كان معدودًا في الأموات، رغم أنه كان يتكلم ويعهد. وذلك لأن الطبيب سقاه لبنًا فخرج اللبن من الجرح من بطنه. وقال ابن القاسم: إنه لو قَتل رجل عمر آنذاك لما قُتل به، لأن القاتل هو الأول، وهو أبو لؤلؤة المجوسي، غلام المغيرة بن شعبة، ولو مات مُورِّث لعمر آنذاك لما وَرِثَه لأن عمر نفسه كان معدودًا في الأموات!!.
وهذا كله يدل على شيئين: أولهما: أن الطب كان متأخرًا في تلك الأزمنة، بحيث يعد عمر -رضي الله عنه - في الأموات. ولو حدث مثل ذلك في العصر الحديث لأمكن إنقاذه بسهولة. والثاني: أن تعريف الموت ينبغي أن يترك إلى الفئة المختصة بذلك، وهم الأطباء، والله - سبحانه وتعالى ـ يقول: (فَسْئَلُوآ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل 43).
ولا شك أن تشخيص الموت أمر قد تكتنفه الصعوبات، ولذا فإن تُرِكَ للعامّة فإن احتمال حدوث خطأ في التشخيص سيؤدي إلى الحكم على العديد من الأشخاص بالموت، وهم لا يزالون أحياء.
1 ـ تعريف الموت:
إن تعريف الموت مثل تعريف الحياة، أمر تكتنفه كثير من الصعوبات، رغم أن العلامات الفارقة بين الموت والحياة، وبين الكائن الحي والجماد، أمر يدركه الإنسان بفطرته، كما يدركه بمعارفه. فالكائن الحي يتنفس، ويتغذى، وينمو، ويتكاثر، ويتحرك، ثم تختلف بعد ذلك طرق التنفس والغذاء والنمو، والتكاثر والحركة بأشكالها المتعددة التي لا تعد ولا تحصى، وأصعب تلك الكائنات تحديدًا هي الفيروسات، فهي كالجماد لا تتحرك ولا تنمو ولا تتنفس ولا تتغذى خارج الكائنات الحية، بل تتبلور مثل بعض الجمادات، فإذا ما دخلت إلى جسم الكائن الحي، تحكمت في سِرِّ السِّرِّ فيه، وجعلته عبدًا لها، لا يتحرك إلا بمشيئتها، ولا ينقسم إلا حسب أوامرها، وكل انقسام في الخلية المصابة بالفيروس ينتج فيروسات جديدة، تخرج لتهاجم خلايا أخرى، ولولا أن الله يهب الأجسام الحية القدرة على مقاومة هذا الغزو الفيروسي، لأبادت الفيروسات جميع الكائنات الحية ابتداء من البكتريا، وانتهاء بالإنسان، وما هو أصعب وأشد من الفيروسات مجموعة البرايون التي تسبب جنون البقر وأشباهه فهي مجرد بروتينات ولا يوجد فيها حامض نووي على الإطلاق. ومع هذا تتم العدوى والتكاثر. وقد سببت صدمة لعلماء البيولوجيا.
وفي جسم الكائن الحي المتعدد الخلايا مثل الإنسان أو الحيوان أو النبات تموت ملايين الملايين من الخلايا كل يوم، ويخلق الله بدلاً عنها ملايين أخرى، ويبقى الكائن الحي على قيد الحياة، ما دامت عملية البدء والإعادة مستمرة فيه.
2 ـ المفهوم الديني للموت:
تقرر معظم الأديان والفلسفات الأدبية أن موت الإنسان هو خروج الروح من بدنه، ومغادرته إلى حيث لا نعلم.
وهذا المفهوم موجود لدى الأمم القديمة مثل المصريين القدماء والبابليين والآشوريين والصينيين والهنود والإغريق.
وهو موجود إلى اليوم لدى المسلمين واليهود والنصارى والهنادكة والبوذيين وعقائد الشنتو (اليابان).
ويعتقد البوذيون والهنادكة والشنتو أن الروح تظل حبيسة في الجسد وبالذات في الجمجمة، وأنها لا تنطلق إلا بعد حرق الجثة وانفجار الجمجمة.
ثم إن الهندوك والبوذيين يعتقدون بتناسخ الأرواح، وأن الروح الشريرة تعاد في جسد حقير مثل الكلب أو الخنزير، وتظل في تلك الدورات حتى تتطهر، وأن الروح الصالحة والخيرة تظل تتنقل في الأجساد الخيرة، حتى تصل مرحلة النرفانا، وهي السعادة الأبدية المطلقة في الروح الطليقة المتصلة بالأزل والأبد.
وفي الإسلام يُعدّ الموت خروج الروح من الجسد، وقد وكّل الله ملائكة يقومون بإخراج الروح.
قال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ).
وقال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ).
وقال سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ).
وقال: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُوآ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوآ أَنفُسَكُمْ).
والآيات بعد ذلك كثيرة في الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكلها تصرح بأن الموت هو خروج النفس (الروح) من الجسد بواسطة الملائكة.
وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضح كيفية إخراج الملائكة لروح المؤمن وروح الكافر. وما في الأول من تيسير، حتى تسيل مثل الماء من فم السقاء، وما في الثاني من تنكيل، حتى تخرج كما يخرج السّفُّود المبلل من كومة من الصوف.
والموت هو انتقال الروح من الجسد إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب، والروح مخلوقة مربوبة، خلقها الله - سبحانه وتعالى - ثم هي خالدة، والمقصود بالموت مفارقتها الجسد، قال ابن القيم في تعريف الموت: (والصواب أن يقال إن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار).
وقد ذكر الإمام الغزالي: (أن الموت معناه تغير حال فقط، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعمة، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه، بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات الروح، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها)، وانتهى إلى القول بأنه: (لا يمكن كشف الغطاء عن كُنه الموت، إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة).
وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: (ونؤمن بِمَلَكِ الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).
قال الشارح: (والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قد استفاضت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب، ويقال لها: اخرجي أيتها الروح الطيبة).
وذكر الدكتور أبو زيد في بحثه القيم: (أجهزة الإنعاش وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والأطباء):
(أن حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح البدن. وأن حقيقة المفارقة خلوص الأعضاء كلها عن الروح، بحيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية).
3 - أمارات الموت عند الفقهاء:
إذا قررنا أن الموت هو مفارقة الروح الجسد، فإننا نقرر أيضًا أن هذا مفهوم ميتافيزيقي (أي من وراء الطبيعة)، ولا نستطيع أن ندركه نحن بحواسنا، إذ إننا نجهل أمر الروح وكنهها، لا نعرف دخولها وخروجها إلا بعلامات تدل عليها.
وقد استدل الفقهاء على الموت ببعض الأمارات، وببعض الأحاديث النبوية، ونذكرها كما جاءت في بحث الدكتور بكر أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي بشيء من الاختصار:
1 - عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الروح إذا قبض أتبعه البصر)(أخرجه مسلم).
2 - عن شداد بن أوس يرفعه: (إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت) (أخرجه أحمد في مسنده).
فشخوص بصر الميت علامة هامة على قبض روح الميت ومفارقتها لجسده، وقد ذكر الفقهاء علامات الموت عندهم وهي: انقطاع النفس، واسترخاء القدمين وعدم انتصابهما، وانفصال الكفين، وميل الأنف، وامتداد جلدة الوجه، وانخساف الصدغين، وتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة وبرودة البدن.
ولا شك أن هذه العلامات كلها ليست علامات مؤكدة على الموت، ما عدا توقف النفس الذي ينبغي أن يستمر لفترة من الزمن، وقد تنبه بعض الفقهاء إلى احتمالات الخطأ في تشخيص الوفاة؛ قال النووي في روضة الطالبين(16): (فإن شك بأن لا يكون به علة، واحتمل أن يكون به سكتة، أو ظهرت أمارات فزع أو غيره، أُخّر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره