الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا, أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له، هو خير ثوابا وخير عقبا, وأشهد أن محمدًّا عبده ورسوله، صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولم يرد زينة الحياة الدنيا, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربهم وعمل صالحًا ولم يشرك بعبادة ربه أحدا وسلم تسليما.
خطبت في الفترة الماضية عن قصة صاحب الجنتين والدروس المستفاده من هذه القصة التى حثنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأها في كل أسبوع يوم الجمعه ضمن سورة الكهف لما فيها من منهجيات إصلاحيه في سلوك الإنسان ومجتمعه.
الخطبة الأولى
http://www.youtube.com/watch?v=05-uyV0rsCs&feature=plcp&context=C497c9c7VDvjVQa1PpcFPdGMcMVqq_O3tq8mh3E8xdsgzdzLJKT2U%3D
الخطبة الثانية
http://www.youtube.com/watch?v=BCjtYJchfa8&feature=plcp&context=C40135ceVDvjVQa1PpcFPdGMcMVqq_O-Xpjin0boj6owD9mmCK17g%3D
مضمون الخطبتين
يقول الله عز وجل (( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا )) أي مثالاً آخر عن الفتن التى تعرض على الناس في كل يوم أو في كل أسبوع أو على مدار أعمارهم عموما .. فإذا كانت الفتنة الأولى فتنة الدين ، فالفتنة الثانية هي فتنة المال ومثالها (( رَجُلَيْنِ )) كانت تجمع بينهما صحبة وصداقه منذ الصغر وقد ورثا مالاً عن أبويهما فجعلاه في شراكه دامت لسنوات طويله وبعد فترة فضوا هذه الشراكه لإختلافات بينهما
فالشريك المؤمن كان كثير الصدقه جواداً على الفقراء واليتامى والمساكين
والشريك الآخر كان بخيلاً شحيحاً يحب أن يجمع المال على المال ولا يرى حقاً للفقراء فيه
فلم يتفقا في الرؤى والتوجهات فانفصلا وهذا حال الشركاء غالبا كما وصفه الله قائلاً (( وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ )) وأقام كل منهم بماله تجارة منفصلة ومستقله يديرها برؤاه وتوجهاته ؛ ولكن المؤمن لم يزد ماله بالصورة التي زاد بها مال صديقه!
فقد نمى مال صديقه نمواً سريعاً فاشترى بستانا واسعا ثم صار البستان بستانين فضلاً عن العقارات والشركات والسيارات والاموال الطائلة التي في البنوك
(( جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ))
ولكن لا تنسوا أن الله هو الذي جعل له الجنتين وهو الذي حفهما بالنخل وأمر الحب أن ينبت زرعاً بل وجعل الزرع كله يخرج ثماراً ولم يتلف منه شيئا .. وزاد المال وكان حتى أصبح له ثمر (( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ )) أي أموال طائله في أكثر من مشروع
وفي يوم دارت الأيام واحتاج الأقل غنى لصديقه الأكثر منه غنى وثراء فجاءه ليشترى منه ثماراً يتاجر فيها بما أنه أصبح أكبر تاجر فواكه ومحاصيل زراعيه وقتها
وبعد حوار بينهما عرف الغني أن صديقه أصبح أقل منه غنى وثراء لكثرة نفقته على الفقراء والمساكين ، فظل يشمت فيه ويوبخه ويتعالى عليه ويقول (( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا )) لأنني لم أنفق مالى على هؤلاء الرعاع كما تفعل أنت فجمعت مالى وحافظت عليه حتى صار كل الناس تحتاج إلىّ أنا ولا أحتاج أنا إلى أحد ، فلماذا لم تسمع كلامي يا صديقي وتفعل مثل فعلى ؟!!
فبدأ المؤمن ينصحه ويقول له يا أخي الذي جعل عندك كل هذا هو الله وإذا كنت لا تحتاج إلى أحد من البشر الآن فقد تحتاج لهم يوماً ما ، وعلى كل حال فأنت لن تستغني عن ربك أبداً ، وأما الفقراء الذين تظن أنهم أفقروني بكثرة نفقتي عليهم فهؤلاء أصحاب حق في مال الله الذي آتاني إياه وجعلني مستخلف عليه ((وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)) وقال الله أيضاً (( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ )).
فقال له صديقه قم بنا إلى جنتي لتشتري ما تريده فلا وقت لدي لأسمع منك هذا الهراء فذهبا إلى هناك سويا
(( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ )) دخلها مستكبراً متعاليا على عمالها ومزارعيها وصديقه ينظر إليه ويتعجب لماذا يفعل كل هذا ولماذا يتعالى بهذه الصورة على هؤلاء المساكين الذين يعملون عنده !!
ولكن هنا لطيفة جميلة جدا .. الله عز وجل قال (( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ )) ولم يقل الله هنا ودخل جنتيه .. ليبين لنا أن هذه هي متعته وهذه هي حياته
فياترى أيها الأحبه أين حياتنا ومتعتنا هل عندنا نصلى ركعتين في غرفتنا يقول الله عنا (( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ )) هل عندما نذهب إلى المسجد لصلاة أو لاعتكاف أو لمجلس علم يقول الله عنا (( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ))
أم جنتنا هي أموالنا وبيوتنا وأعمالنا الدنيويه ؟؟!!
(( وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ )) أي متناسيا حق نفسه عليه فالإنسان قد يغذي جسده بمتع مثل ملابس جميله وطعام شهي وشراب لذيذ وعلاقة يقيمها مع زوجته
لكن روحه مظلومه بداخله لأن هذه الحياة وإن تغذى عليها جسده لكن لا تنفع روحه .. روحه تصرخ .. أين غذائي ؟!
الجسد خلق من تراب الأرض فغذاءه من متع الأرض مأكل ومشرب ..
أما الروح التى هي نفخة علوية من السماء .. غذاؤها عند ربها في السماء بسجده بين يديه .. بمناجاة له .. بصيام وقيام وصدقه .. بدون هذه الأشياء يكون الإنسان ظالم لنفسه كما كان هذا الرجل يفعل
صديقه لاحظ كل هذا عليه فبدأ ينصحه مرة أخرى ويقول له يا أخي هؤلاء المساكين الذين تتعالى عليهم لولا أن سخرهم لهم لك لما نمى مالك ولنزلت تزرع أرضك بنفسك ، ولرفعت القمامة من مكتبك بنفسك ، ولحملت هذه الثمار على ظهرك بنفسك
هؤلاء المساكين الذين تتعالى عليهم أنت محتاج لهم كما هم محتاجون لمالك وجنتك التى بكلمة واحده من الله تذهب وتبيد وتصير أنت أفقر منهم فتخسر الدنيا بذهاب مالك وتخسر الآخرة بقلة حسناتك
فقال له الغني مقاطعاُ (( قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً )) ولئن قامت الساعه وكان هناك جنة ونار كما تقول فالذي أعطاني في الدنيا وحرم هؤلاء العمال سيعطيني في الآخرة جنة أوسع أوكبر وأجمل من هذه لأنني أستحق ولو أنني لا أستحق لما أعطاني (( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ))
فقاطعه صاحبه قائلاً له .. اسكت اسكت .. ما هذا الذي تقوله يا مسكين (( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا )) علام تتكبر أنت مخلوق ضعيف .. خرجت من مجرى البول مرتين .. مرة من ذكر أبيك ماء مهينا .. ومرة من رحم أمك طفلاً جنينا .. علام تتكبر .. فبرقه ترهبك .. وبقه تقلقك .. وعرقه تنتنك ..
ومع هذا كله ربي أكرمك وأعطاك ليخبر إيمانك وثقتك فيه (( لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ )) حتى يبارك الله لك فيها إنسب ما فيها من خير لله .. فبغير فضله عليك لم تكن فيما أنت فيه الله وثق يا أخي أن الذي أعطاك وأغناك قادر على أن يعطينا مثلك وأكثر ففضله واسع (( إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ ))
ثق في هذا الكلام وتعقله قبل أن يغضب الله عليك (( وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ))
وتركه وانصرف بعد هذه المواعظ البليغه مؤملاً من الله أن يتوب ويعود إليه ويشكر نعمه ويتواضع لخلقه
ولكن سياق الآيات يوضح أنه لم يفعل هذا كله ولم يتعظ فغضب الله عليه (( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ )) ويترك الله لك الخيال لتسرح به بعيد منطلقاً من واقعك الذي تعيشه لتتخيل كيف سيحاط بثمره أي كيف سيخسر كل أمواله هل يا ترى احترقت جنتيه ومخازنهما بسبب إنفجار أنبوبة غاز فاحترقوا
هل بسبب حشرة معينة انتشرت في محصوله
هل بسبب فايروس معين انتشر في ماشيته
هل بسبب إنهيار البورصه
هل وهل وهل ...
اسرح بخيالك بعيدا كما تشاء المهم أنه أحيط بكل ما جمعه من أموال (( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ))وحينها لم تنفعه أنفاره الذين تباهى بكثرتهم ، ولم ينفعه حرسه ولا خدمه ولا مستشاريه الزراعيين ولا مستشاريه القانونين ولا أي أحدا (( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ))
ويسدل الستار على القصة التى لا نعرف مكانها ولا زمانها ولا أسماء أصحابها لا لعلة غير أن الله يريد أن يقول لنا المكان ليس مهما لأنها قد تحدث بمصر أو قطر ، أو الكويت أو أي دولة
والزمان ليس مهما لانها قد تحدث في أي وقت
والأسماء ليست مهمة لأنها حدثت لرجال أعمال وأصحاب نفوذ كثر واسألوهم وهم الآن خلف القضبان في السجون او في المستشفيات وهم يعالجون من أمراض خطيرة جدا أضاعت بكل ثرواتهم
هذا ما هديت إليه والحمد لله رب العالمين