الْعِلْمُ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ وَكَرَّمَ، وَرَزَقَ وَأَنْعَمَ، وَعَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، سُبْحَانَهُ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ وَالْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْعِلْمَ نُوراً لِلْبَصَائِرِ، وَطَهَارَةً لِلضَّمَائِرِ، وَطَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الْهَادِي إِلَى الْحَقِّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ، الْمُجَاهِدِينَ بِالسَّيْفِ وَالْبُرْهَانِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمٍ يَكُونُ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وِقَايَةً مِنَ النَّارِ وَجُنَّةً.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ وَاسْلُكُوا سَبِيلَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَاحْذَرُوا الْغُرُورَ بِالأَمَانِيِّ وَالأَمَلِ؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( [الحشر:18].
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مَجْدَ الأُمَمِ وَعِزَّهَا، وَعُنْوَانَ الْحَضَارَةِ وَفَخْرَهَا، الَّذِي قَامَتْ بِهِ شُعُوبٌ وَأُمَمٌ، وَبِضِدِّهِ انْدَثَرَتْ مَعَالِمُ وَقِيَمٌ، تَعَلُّمُهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبُهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتُهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ جِهَادٌ، الأَنِيسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَلْقِ قَادَةً، وَيُعِزُّهُمْ بِهِ حَتَّى يَكُونُوا فِي الْخَلْقِ سَادَةً، بِهِ يُطَاعُ اللهُ وَيُعْبَدُ، وَيُذْكَرُ سُبْحَانَهُ وَيُمَجَّدُ، وَبِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَيُعْرَفُ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ، وَتُعْلَمُ الشَّرَائِعُ وَالأَحْكَامُ، وَهُوَ تَرِكَةُ الأَنْبِيَاءِ وَتُرَاثُهُمْ، وَأَهْلُهُ عَصَبَتُهُمْ وَوُرَّاثُهُمْ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ: إِنَّهُ الْعِلْمُ يَا عِبَادَ اللهِ، الْعِلْمُ الَّذِي يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَصْحَابَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الدِّينِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ( [المجادلة:11].
عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ أَعْلَى الإِسْلاَمُ شَأْنَ الْعِلْمِ، وَرَفَعَ مَنْزِلَةَ الْعُلَمَاءِ، وَحَسْبُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ آيَاتٌ تَحُثُّ عَلَى الْتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ)اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( [العلق:1-5].
فَنَحْنُ أُمَّةُ )اقْرَأْ(، أُمَّةُ الْعِلْمِ وَالْحَضَارَةِ، أُمَّةُ الْمَجْدِ وَالتَّارِيخِ. وَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، فَالْعِلْمُ فِي الإِسْلاَمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]. وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ وَسَيِّدٌ عَلَيْهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ t لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: «الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالإِنْفَاقِ، وَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْمُجَاهِدِ».
وَهُوَ حُجَّةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَنُورُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَفَضْلُ أَهْلِهِ عَلَى الْعِبَادِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. وَأَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ r أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: )وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا( [طه:114].
وَهُوَ الَّذِي يُبْقِي اللهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَثَرَهُ، وَيَجْنِي صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ثَمَرَهُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ tأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِهَذَا الشَّرَفِ وَتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ: فَإِنَّ شَرَفَ أَهْلِهِ مِنْ شَرَفِهِ، وَمَنْزِلَتَهُمْ مِنْ مَنْزِلَتِهِ، وَيَكْفِي أَهْلَهُ شَرَفاً وَفَضْلاً أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَشْهَدَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَقَرَنَ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَتِهِ؛ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( [ آل عمران:18].
وَمِنْ فَضْلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَضَعُ لَهُمْ أَجْنِحَتَهَا رِضاً بِمَا يَصْنَعُونَ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ؛ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي بَحْرِهَا، وَالنَّمْلُ فِي جُحْرِهَا؛ فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَهُوَ عَلَى الْفَضْلِ دَلِيلٌ، وَإِلَى الْجَنَّةِ سَبِيلٌ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَالْعُلَمَاءُ هُمْ أَهْلُ خَشْيَتِهِ، وَالْفَائِزُونَ بِقُرْبِهِ وَمَوَدَّتِهِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ( [فاطر:28].
أُمَّةَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ:
إِنَّ ذَلِكَ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ لِلْعِلْمِ، وَتِلْكَ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ لِلْعُلَمَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِلْعِلْمِ النَّافِعِ فِي الدِّينِ، وَلِلْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الْمُخْلِصِينَ، فَقَدْ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ وَأَهْلِهِ، وَذَمَّ الْعِلْمَ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ كَمَا ذَمَّ أَهْلَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ( [الزمر:9]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: )مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( [الجمعة:5].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: «أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلاَّ ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ t أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ، لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]، وَلِلْعِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ أَثَرُهُ فِي حَيَاةِ الأُمَمِ وَالشُّعُوبِ، وَهُوَ حَبْلٌ لِلسَّعَادَةِ وَالرِّيَادَةِ، وَسَبِيلٌ إِلَى الْعُلاَ وَالسِّيَادَةِ؛ فَمَا كَانَ بَيْنَ أَيْدِينَا مِنَ آلاَتٍ مُرَكَّبَةٍ، وَلاَ سَارَتْ بِنَا فِي الأَرْضِ مَرْكَبَةٌ، وَلاَ مَخَرَتْ عُبَابَ الْبَحْرِ بَاخِرَةٌ، وَلاَ أَقْلَعَتْ فِي الْجَوِّ طَائِرَةٌ؛ إِلاَّ كَانَتْ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى ثُمَّ بِفَضْلِ الْعِلْمِ. وَكَمْ مِنْ وَسَائِلَ حَدِيثَةٍ قَرَّبَتْ لَنَا الْبَعِيدَ، وَأَرَتْنَا كُلَّ جَدِيدٍ، وَصَغَّرَتْ لَنَا الْكَبِيرَ، وَكَبَّرَتْ لَنَا الصَّغِيرَ!؛ فَكَانَتْ – بِحَقٍّ- ثَوْرَةً عِلْمِيَّةً هَائِلَةً، فَمَا أَحْرَى الْعِلْمَ بِالتَّقْدِيسِ!، وَمَا أَجْدَرَهُ بِبَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ!.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْبَيَانِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْعِلْمَ هَادِياً إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالْجِنَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخِيرَةُ خَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَازُوا الْفَضْلَ وَالرِّضْوَانَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمٍ يَقُومُ النَّاسُ فِيهِ للهِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ وَتَفْتَحُ الْمَدَارِسُ وَالْمَعَاهِدُ وَالْكُلِّيَّاتُ أَبْوَابَهَا لِلدَّارِسِينَ، وَهِيَ تَسْتَعِدُّ لاِسْتِقْبَالِ الآلاَفِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْمُتَشَوِّقِينَ، وَهَذِهِ رَسَائِلُ أُوَجِّهُهَا إِلَى أَرْكَانِ النَّجَاحِ وَأُسُسِ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ: الطَّلَبَةِ، وَالْمُعَلِّمِينَ، وَأَوْلِيَاءِ الأُمُورِ.
فَيَا أَيُّهَا الطَّلَبَةُ الْكِرَامُ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ، وَأَنَّ الْجَهْلَ ظَلاَمٌ، وَأَنَّ الْعِلْمَ يَبْنِي بُيُوتاً لاَ عِمَادَ لَهَا، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ يَهْدِمُ بُيُوتَ الْعِزِّ وَالْمَجْدِ، فَكُونُوا طَلَبَةً جَادِّينَ لِهَذَا النُّورِ؛ لِتَنَالُوا الْفَوْزَ وَالْفَلاَحَ وَالسُّرُورَ، حَافِظُوا عَلَى أَوْقَاتِكُمْ مِنْ أَنْ تَضِيعَ عَلَيْكُمْ هَبَاءً مَنْثُوراً بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالتَّسْوِيفِ، وَوَاظِبُوا عَلَى الْمُذَاكَرَةِ أَوَّلاً بِأَوَّلَ؛ حَتَّى لاَ تَتَجَمَّعَ عَلَيْكُمُ الدُّرُوسُ وَالْوَاجِبَاتُ، وَتَزْدَادَ الأَعْبَاءُ وَالْمَسْؤُولِيَّاتُ؛ فَلاَ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَسْتَدْرِكُوا مَا فَاتَ. وَاسْمَعُوا لِكَلاَمِ النَّاصِحِينَ مِنْ آبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ وَمُحِبِّي الْخَيْرِ لَكُمْ، وَوَقِّرُوا مُعَلِّمِيكُمْ وَأَسَاتِذَتَكُمْ، وَتَحَلَّوْا بِالأَخْلاَقِ، وَتَجَمَّلُوا بِالآدَابِ؛ إِذْ لاَ يَنْفَعُ الْعِلْمُ وَحْدَهُ بِدُونِهَا.
الْعِلْمُ كَالْغَيْثِ وَالأَخْلاَقُ تُرْبَتُهُ إِنْ تَفْسُدِ الأَرْضُ تَذْهَبْ نِعْمَةُ الْمَطَرِ
وَلَنْ يُؤْتِيَ الْعِلْمُ ثَمَرَتَهُ الْمُرْجُوَّةَ وَبَرَكَتَهُ الْمُبْتَغَاةَ حَتَّى يُخْلِصَ الطَّالِبُ، وَلاَ يُعْطِيكَ الْعِلْمُ بَعْضَهُ حَتَّى تُعْطِيَهُ كُلَّكَ، فَاحْرِصْ- وَفَّقَكَ اللهُ- عَلَى أَسْبَابِ الْعِلْمِ وَوَسَائِلِهِ:
أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّةٍ سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٍ وَحِرْصٍ وَاجْتِهَادٍ وَبُلْغَةٍ وَصُحْبَةِ أُسْتَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ
وَيَا أَيُّهَا الْمُعَلِّمُونَ:
أَنْتُمْ ذُخْرُ الأُمَّةِ وَعِمَادُهَا، وَعَلَيْكُمْ – بَعْدَ اللهِ- اسْتِنَادُهَا، فَأَدُّوا الَّذِي عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ رِسَالَتَكُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ رِسَالَةٌ عَظِيمَةٌ، إِذِ الْعِلْمُ تُرَاثُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَأَنْتُمْ عَصَبَتُهُمْ وَوَرَثَتُهُمْ؛ مَااسْتَقَمْتُمْ وَعَلَّمْتُمْ بِصِدْقٍ وَإِخْلاَصٍ، فَاحْرِصُوا عَلَى هَذَا الْجِيلِ؛ تَرْبِيَةً وَتَعْلِيماً، وَتَدْرِيساً وَتَفْهِيماً؛ لِتَنْعَمَ الأُمَّةُ بِجُهُودِكُمْ، وَتَنْتَفِعَ الأَجْيَالُ بِعُلُومِكُمْ. وَكُونُوا قُدْوَةً لِتَلاَمِيذِكُمْ؛ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَازْرَعُوا فِي نُفُوسِهِمُ التَّفَاؤُلَ وَالأَمَلَ، وَاغْرِسُوا فِيهِمْ حُبَّ الْعِلْمِ وَالتَّفَوُّقِ بِلاَ كَلاَلٍ وَلاَ مَلَلٍ؛ فَقَدْ كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولاً.
وَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ:
إِنَّ أَوْلاَدَكُمْ؛ ثَمَرَاتُ أَفْئِدَتِكُمْ وَأَكْبَادِكُمْ؛ فَاحْرِصُوا - بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ - عَلَى أَنْ تَكُونُوا عَلَى قَدْرِ الْمَسْؤُولِيَّةِ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّوْجِيهِ، وَالنُّصْحِ وَالتَّنْبِيهِ، أَرْشِدُوهُمْ إِلَى السُّلُوكِ السَّوِيِّ وَالْفِعْلِ الرَّضِيِّ؛ مَعَ مُعْلِّمِيهِمْ وَزُمَلاَئِهِمْ، وَمُرُوهُمْ بِاللُّطْفِ وَالْمَوَدَّةِ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَوْقَاتِهِمْ، وَيَحْرِصُوا عَلَى وَاجِبَاتِهِمْ، وَفِّرُوا لَهُمْ أَجْوَاءَ الْمُذَاكَرَةِ، وَكُونُوا لَهُمْ عَوْناً عَلَى الْمُثَابَرَةِ، وَبِقَدْرِ ذَلِكَ - مَعَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ مَعَ الْمَدْرَسَةِ وَالْمُعَلِّمِ - سَيَكُونُ التَّفَوُّقُ حَلِيفَ أَوْلاَدِكُمْ، وَسَتُؤَدُّونَ الأَمَانَةَ الَّتِي فِي أَعْنَاقِكُمْ؛ إِذْ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].
اللَّهُمَّ اهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً، وَعَمَلاً صَالِحاً مُتَقَبَّلاً. وَنَسْأَلُكَ - اللَّهُمَّ - عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَالشُّكْرَ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَالصَّبْرَ عَلَى الْبَلاَءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَاشْرَحْ صُدُورَنَا، وَاخْتِمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.