
لماذا ضرب الله لنا الأمثال في القرآن وما فائدتها ؟؟؟
ضرب الله الأمثال للناس في القرآن ليبرز لهم المعاني في صور حسية متمثلة في أشخاص بعينهم ، و إخراج الألفاظ الخفية إلى الجلية ،
و تقريبها إلى الأذهان في صورة قريبة ، كتحقيق أمر أو إبطاله ، أو تأتي مشتملة على بيان تفاوت الأجر
بالمدح و الذم ، و الثواب و العقاب ، فتزيد المعاني دقة و وضوحاً في الأذهان .. و قد عدّ الشافعي معرفة الأمثال في القرآن مما يجب
على المجتهد معرفته من علوم القرآن . و لا أدلَّ على ذلك مما رواه البخاري في
صحيحه في كتاب التفسير أن عمر رضي الله عنه قال يوماً لأصحاب النبي : فيم ترون هذه الآية نزلت "
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ
ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ " ؟ قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر، فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال
ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ! قال عمر: يابن أخي قل ولا تحقر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت
مثلاً لعمل ، قال عمر: أي عمل؟ قال : لعمل . قال عمر: " لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل ، ثم بعث الله
له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ." و هذه ابرز هذه الفوائد :
- 1- إن الأمثال تكشف عن الحقائق ، وتعرض الغائب في معرض الحاضر كما في قوله تعالى
{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق }
الأنبياء فهنا صوّر القرآن للذهن الحق بقذيفة ثقيلة تُرمى على الباطلِ الهشِّ الواهي فيرديه جثة هامدة .
- 2 و القرآن يستعمل أسلوب التشبيه للترغيب أو الترهيب ، و ذلك ليقرر الأمر المرغب فيه كي تُقبل النفس عليه ،
و يبين المرهب منه كي تنفر النفس منه ، استمع إليه و هو يرغب المؤمنين كي تلتئم و تلتحم صفوفهم في الجهاد
( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ، و لم يكتف بذكر كلمة " بنيان " فحسب ،
و إنما هو بنيان قد رُصّ بعضه فوق بعض ، لئلا تبقى فيه ثغرات تتسلل من خلالها الأهواء ، و تعشش في داخله
الحيّات .
- 3 -استقباح صفة في الممثل به ، كما جاء في ذم اليهود ، واستقباح صفاتهم الخسيسة كما في قوله تعالى
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } سورة الجمعة ، و المقصود بها هنا صورة
من يُتعب نفسه ، و يجهدها بكل نفيس دون أن يحصل من ذلك على طائل ، كما جاء كذلك في دقة تمثيل القرآن لذلك
الرجل الذي انسلخ عن آيات الله ؛ بالكلب اللاهث .
- 4 – و الأمثال أبلغ في الوعظ ، وأوقع في النفس ، وأقوى في الزجر ،وأقوم في الإقناع ، فإنك عندما تعظ وتريد أن تكون
موعظتك بليغة فإنك تستخدم مثالاً ليكون مؤثرا في النفس فتقول لمن أردت زجر ه عن ارتكاب المعاصي : لا تكن
" كالسائمة " التي تهيم على وجهها ثم تُعلق في المسمط لكي تُذبح و هي لا تدري ؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى زاجراً
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} سورة الفرقان
أما آن لنا إن نتأمل ، ونتدبر أمثاله التي لم تأت لمجرد التلاوة ، أو لمجرد المعرفة، و التسلية ! و إنما جاءت لتحقيق أغراض
معينة ؛ كالتفكر ، و الاعتبار ،والاستماع : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ..} سورة الحـج …" وتلك الأمثال نضربها
للناس وما يعقلها إلا العالمون .."أم تُرانا فقدنا الملكة اللغوية التي كانت عند أسلافنا ، التي بها ذاقوا طعم هذا القرآن ، فقطعوا
من أجل تبليغه الفيافي و القفار ، فنالوا بذلك أعلى الدرجات ؟! أم أننا اكتفينا بالسباحة أمام سواحله و تغافلنا عن الغوص
في محيطاته المليئة بالآلئ و الصدفات ، فضاعت منا بالتالي نعمة التدبر في آياته المبثوثة في الأنفس و الآفاق ، و ضاع منا
العيش في ظلاله الوافرة ؟
