هذا هو الرد على الحديث المكذوب المسمى بإسراء ابن عباس
هناك شغف لدى بعض ضعاف العقول من الدعاة أو الخطباء بالأحاديث الضعيفة والموضوعة كي يدغدغوا بها مشاعر الجماهير ، ويحركوا أحاسيسهم في وقت الخطبة أو الدرس ثم لا يلبث هذا الشعاع المتوهج أن ينطفئ ويعود أدراجه إلى حياته لأن خطباء "الدَّروَشة" ودعاة "دغدغة المشاعر" صارت بضاعتهم التي يروجونها هي هذه الموضوعات أو الضعيف ، وقلّ عند هؤلاء من يقف عن آيات القرآن الكريم تدبراَ بالعقل ، وتأثرا بالقلب، وتغيرا بالنفس ، وهؤلاء يقتربون من الدجالين في عالم الصحافة الذين يعتقدون أن الخبر هو الإثارة وليس الحقيقة ، فلا يكتبون أن الكلب عض إنسانا ، بل دائما يقولون : إن الإنسان قد عض الكلب ، وهؤلاء وأولئك في الحقيقة يسيئون إلى الحقيقة الغائبة أو الحائرة .
ولما كان أمر الإسراء والمعراج مما يدخل في دائرة الاعتقاد ويترتب عليه الكثير من الجوانب الشرعية العملية فلا يجوز أن يروي فيه إلا الصحيح ليسلم لنا ديننا من هذا الدجل ، والحمد لله أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الذكر الحكيم في قوله تعالى :"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"" [الحجر : 9] ، ومن الذكر حفظ السنة مع القرآن لقوله تعالى :"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "[النحل : 44] ، ولذلك لما سئل الإمام عبدالله بن المبارك عن كثرة الأحاديث الموضوعة ، قال :" تعيش لها الجهابذة ، وقال : إن هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وقال الإمام محمد بن سيرين : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سموا لنا رجالكم ، فيؤخذ عن أتباع سنة النبي r ، ويتجنب أهل البدع ". وقد روى ابن جرير وابن عبدالبر أن النبي r قال :"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغاليين، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين".
ومن هذا الباب يلزم بيان أن أهم ما روي في الموضوعات هو ما ينسب زوراَ أنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن الإسراء والمعراج ، ويوزع منذ نصف قرن بملايين النسخ، ويتشدق كثير من الخطباء بما فيه من غث مردود، وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه تدريب الراوي أن من الموضوع الحديث الطويل عن ابن عباس رضي الله عنهما في الإسراء أورده ابن مردويه في تفسيره وهو نحو كراسين (أي عدد كبير من الأوراق).
وإذا كان لدى المسلم حس وحب ومراس ومراجعة ومطالعة لحديث رسول الله r يتكون لديه حسن إيماني عقلي مرهف يدرك به الحديث الصحيح من الموضوع، ولذا قال ابن الصلاح: إن لحديث رسول الله r نفساً به يعرف، و سوف أورد بعضا من هذا الحديث التي تفوح رائحته بالوضع :-
FONT=Times New Roman جاء في الحديث الموضوع أن البراق اضطرب عند ركوب رسول الله r وهو صحيح في الأصل ـ لكن خيال الوضاع زاد فقال : "فتقدمت لأركبه فاضطراب كما تضطرب السمكة في الشبكة"، فقال جبريل : تقدم يا حبيب الله ... "، كلمة " السمكة في الشبكة " لا يمكن أن تكون من لفظ النبي r ، ولا حتى رواة الأحاديث، بل هو كلام دارج مثل عبارة المصريين: "الكرسي في الكُلُوب" لمن يهدم الفرح عند العرس بضرب الكرسي في الكلوب وهو "السراج" ـ الذي يضيء بالزيت ـ. وكذلك تكررت عبارة "يا حبيب الله ، يا حبيبي" ، وهذا من الكلام أيضا .
FONT=Times New Roman إدعاء أن هناك ثلاثة نادوا على رسول الله r في الطريق إلى بيت المقدس باطل ، وهي نصاً :" وإذا بصائح عن يميني، وهو يقول: قف يا محمد فإني أنصح لك ولأمتك، فسرت ولم التفت إليه، وكان ذلك فضلا من الله تعالى ، ثم سرنا ما شاء الله وإذا بصائح عن شمالي وهو يقول: قف يا محمد فإني أنصح لك ولأمتك، فسرت ولم ألتفت إليه، وكان ذلك فضلا من الله تعالى ، وكان ذلك فضلا من الله عز وجل ، ثم سرنا وإذا نحن ببيت المقدس وإذا عن يميني شاب حسن الثياب طيب الرائحة فلما رآني أقبل وسلم على وعانقني وعانقته ثم غاب عنّى، فقلت يا أخي يا جبريل: أخبرني عن الصائح الذي ناداني في الطريق فقال: أما الصائح الأول فهو داعي النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك من بعدك، وأما الصائح الثاني فهو داعي اليهود ولو أجبته لتهودت أمتك من بعدك , وأما المرأة الناشرة شعرها المتزينة بالحلل فتلك الدنيا ولو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة ...." هذا كله خيال كاذب لايجوز لمن عنده بقية من عقل أن يحدّث به ، فضلا عن اعتقاده ، فالرسول rليس بالخبّ الذي يستجيب لكل صائح ولم تتعرض له امرأة قط في الحرام ،ولو أن عارفا بالله بحق لتهيبت أفجر نساء الأرض أن تتعرض له فكيف بمقام النبوّة ؟!
FONT=Times New Roman إدعاء أن هناك ملكا في السماء الأولى نصفه ثلج ونصفه نار باطل أيضا بطلانا شديدا والرواية تكذب نفسها ، كما يلي :" وإذا أنا بملك نصفه من ثلج ونصفه من نار فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، له ألف رأس في كل رأس ألف وجه، في كل وجه ألف فم في كل فم ألف لسان يسبح الله تعالى بألف لغة لا يشبه بعضها بعضا، ومن جملة تسبيحه أنه يقول سبحان من ألف بين الثلج والنار وألف بين قلوب عباده المؤمنين، والملائكة تقول: آمين فقلت من هذا يا أخي يا جبريل فقال هذا الملك الموكل بأكناف السموات وهو أنصح الملائكة لبنى آدم" ما قيمة الجمع بين الثلج والنار؟ وما قصة الآلاف المؤلفة من الألسنة واللغات؟
size=xx-large وصف ملك الموت وكيفية قبضه الروح ليس إلا من الوضع الرخيص المجافي لكل عقل ومنطق ويبدو ذلك في نص الحديث الموضوع فيما يلي :
أ- في وصف عزرائيل :" ثم رأيت ملكا عظيم الخِلقة والمنظر قد بلغت قدماه تخوم الأرض السابعة، و رأسه تحت العرش ،وهو جالس على كرسي من نور والملائكة بين يديه وعن يمينه وعن شماله ينتظرون أمر الله تعالى عز وجل ، وعن يمينه لوح وعن شماله شجرة عظيمة إلا أنه لم يضحك أبدا، فقلت: يا أخي يا جبريل من هذا ؟ قال: جبريل هذا هازم اللذات، مفرق الجماعات، ومخرب البيوت والدور، ومعمر القبور، وميتم الأطفال، ومرمل النساء، ومفجع الأحباب، ومغلق الأبواب، ومسود الأعتاب، وخاطف الشباب ، هذا ملك الموت عزرائيل فهو ومالك خازن النار لا يضحكان أبدا".
ب- في وصف قبض الأرواح :" فإذا بلغ العبد أجله استوفى رزقه وانقضت مدة حياته أرسلت إليه أربعين ملكا يعالجون روحه فينزعونـها من العروق والعصب واللحم والدم، ويقبضونها من رؤوس أظافره حتى تصل إلى الركب، ثم يريحون الميت ساعة ثم يجذبونها إلى السُرة ثم يريحونه ساعة ثم يجذبونها إلى الحلقوم فتقع في الغرغرة فأتناولها وأسلّها كما تسلّ الشعرة من العجين، فإذا انفصلت عن الجسد جمدت العينان وشخصتا لأنهما يتبعان الروح ، فأقبضها بإحدى حربتي هاتين وإذا بيده حربه من نور وحربة سخط ، فالروح الطيبة يقبضها بحربة النور ويرسلها إلى عليين، والروح الخبيثة يقبضها بحربة السخط ويرسلها إلى سجين ، وهى صخره سوداء مدلهمة تحت الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار والفجار، قلت : وكيف تعرف حضر أجل العبد أم لم يحضر؟ قال يا محمد ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يصعد إليه عمله وهذه الشجرة التي عن يساري ما عليها من ورقة إلا عليها اسم واحد من بني آدم ذكور أو إناث فإذا قرب أجل الشخص اصفرت الورقة التي كتب عليها اسمه، وتسقط على الباب الذي ينزل منه رزقه، ويسود اسمه في اللوح فأعلم أنه مقبوض فأنظر إليه نظرة يرتعد منها جسده ، ويتوعك قلبه من هيبتي فيقع في الفراش فأرسل إليه أربعين من الملائكة يعالجون روحه".
هذا كله دجل لم ترد به آية صريحة ولا سنة صحيحة، ولا يشبه حكايات العجائز للصبيان قبل النوم.
FONT=Times New Roman تصوير أهل النار جميعا أنهن من النساء اللاتي يطلبن الطلاق بلا سبب أو تخون زوجها أو... ، وتصويرهن معلقات من شعورهن وأثدائهن وأرجلهن إلى ألسنتهن، ويخرج من دماغهن ومناخريهن نار مثل الدهن.... وأخرى في صورة الكلب . هذا يصدر من نصوص موضوعة كثيرة تنبع من كراهية المرأة، والحط من شأنهن، وتصويرهن أدوات الشياطين للإغواء والفتن، وقد رويت روايات موضوعة في هذا الإطار أن رسول الله r ،قال:" شاورهن وخالفوهم فإن في خلافهن بركة" ، ونسب زورا إلى الإمام علي بن أبي طالب t أنه قال: "المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها"، وهذا كله من الافتراء على رسول الله r أو الإمام الجليل علي بن أبي طالب t الذي كان زوجاً لخير نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء.
size=xx-large لم يفت القصَّاص الذي وضع الحديث أن يسترسل مع خياله الخصب في الباطل أن يصف كل سماء كما يلي :-
أ- السماء الأولى من دخان.
ب- السماء الثانية من ذهب .
ج- السماء الثالثة من نحاس.
د- السماء الرابعة من فضة.
ه- السماء الخامسة من ذهب أحمر.
و- السماء السادسة من ياقوتة خضراء.
ز- السماء السابعة من درة بيضاء .
هذا كله مخالف للقطعي من العلوم الكونية والفلكية، ومناقض تماما لأصول هذا العلم، ولا يجوز أن نشيع ذلك على الناس لأننا قد نصد عن سبيل الله ،ونستعدي العلم الذي لا يعارضه أبدا نص صحيح، فالقطعي من الحقائق العلمية لا يخالف نصا صحيحا صريحا أبدا ، ولا يوجد إلا التوافق التام بينهما .
هذه فقط بعض النماذج من الحشو الكثير الذي يصل إلى كتاب تزيد صفحاته عن مائة صفحة من القطع المتوسط، وهو مما اختلط فيه القليل الصحيح بالكثير الموضوع ،ولا صحة أبدا لنسبته لابن عباس، ولا يعرف رواته حتى يمكن وضعهم على مختبر علماء الحديث في الجرح والتعديل ، وبالتالي لا تجوز روايته، بل يجب التنبه دائما على وضعه عند من شاع لديهم وانتشر بينهم .
ولله أعلم