التَّنْبِيهَاتُ الحِسَانُ عَلَى بِدَعِ شَهْرَيْ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ
الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، والصّلاةوالسّلام على نبيّه المختار، وعلى آله وصحبه الأطهارالأبرار.
قال الله ـ عزّ وجل ـ: "وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُمَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [القصص : 68]. فهو ـ سبحانه ـ الذي خلق السماوات واختار منها السابعة، وخلقالجنات واختار منها الفردوس، وخلق الملائكة واختار منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل،وخلق البشر واختار منهم الأنبياء الرسل، واختار من الأنبياء والرسل أولي العزم،واختار من أولي العزم الخليلين، واختار من الخليلين محمداً ـ صلى الله عليه وسلم،وعليهم أجمعين ـ، وخلق الأمكنة واختار منها مكة والمدينة وبيت المقدس، وخلق الأزمنةواختار من شهورها شهر رمضان، ومن أيامها يوم الجمعة، ومن لياليها ليلة القدر، ومنساعاتها ساعة الجمعة، ومن عشرها عشر ذي الحجة.
ومن فضل الله ـ عزّ وجل ـورحمته بعباده أن شرع لهم عبادات تتكرر بتكرر الأوقات، ومواسم يستكثرون فيها منالخيرات والبركات، وقد جعل الله ـ سبحانه ـ فيما شرع كفاية المتعبد، وبلغة المتزهد "قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌمِّمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس : 58]، ومع هذا لم تطمئن قلوب المحسِّنين للبدعلاختيارات وتفضيلات الشرع، فعمدوا على إحداث مواسم يعبدون الله فيها من عنديّاتهم،ضاهوا فيها المواسم الشرعية التي لم ترو غليلهم، ولم تشف عليلهم، ومن هذه المواسمالتي حظيت بكثير من البدع والمحدثات؛ ـ والتي ربا فيها الصغير، وهرم فيها الكبير،واتخذها الناس سنة ـ شهرا رجب وشعبان؛ ففيهما يقع الناس في كثير من المحدثات التيما أنزل الله بها من سلطان، ولزاماً علينا ونحن على أعتاب هذين الشهرين أن نُبيّنللناس ما أُحدث فيهما من البدع المحدثات "وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَأُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُوَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران : 187]، فدونك هذا البيان.
بدع شهررجب:
أولاً:تخصيص شهر رجب بدعاء دخول دون غيره من الأشهر:
وذلك اعتماداً على حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كانرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل شهر رجب قال: "اللّهم بارك لنا في رجب،وشعبان، وبلِّغنا رمضان" رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند"(2346)، وابنالسّني في "عمل اليوم والليلة"(660)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(3815)، وغيرهم؛ إلاأن الحديث ضعيف عند أهل الصنعة الحديثية؛ فقد ضعفه جملة من أهل العلم: كالحافظ ابنحجر العسقلاني في "تبيين العجب"(ص19)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(3/375)، والنوويفي "الأذكار"(1/491)، والهيثمي في "المجمع"(2/165)، وأحمد شاكر في تخريجهللمسند(3/70)، والألباني في "ضعيف الجامعالصغير(1369و4395).
ثانيًا:تخصيص شهر رجب بصلوات خاصة:
أ) صلاةالرغائب؛ وهي اثنتا عشرة ركعة بست تسليمات، تصلى بين المغرب والعشاء ليلةَ أولِجمعة من رجب!! يسبقها صيام يوم الخميس!! وهذه الصلاة مما أحدث بعد المئة الرابعة!! فأصل هذه الصلاة وارد في حديث موضوع عند أهل العلم ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/124)، والشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الضعيفةوالموضوعة(1/74).
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ في "لطائفالمعارف"(ص228): "فأماالصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاةالرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب و باطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عندجمهور العلماء، ومن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيلالأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي،وغيرهم، إنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة؛فلذلك لم يعرفها المتقدمون، ولم يتكلموا فيها".
وقد أنكر هذه الصلاة وقال ببدعيتها جمع من الأئمة المهديين، والسادة المتقين؛فمنهم: أبو شامة المقدسي، وأبوبكر الطرطوشي، والنووي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني،والألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم كثير، وكثيرجدًّا.
ب) صلاة "أم داود"؛ وهي صلاة مبتدعة تصلى في وسط رجب، وقد ذكر هذه الصلاة شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم"(ص403).
ج) صلاة ليلة المعراج؛ وهي صلاة لا أصل لها في دواوين السنة، وقد ذكر هذه الصلاة العلامة علي القاري ـ رحمه الله ـ في "الأدب في رجب"(ص47).
ثالثًا:تخصيص شهر رجب بالصيام لأيامه، أو لبعضها:
فمن الناس من يحرصعلى صيام اليوم الأول والثاني والثالث منه،ومنهم من يصوم اليوم السابع منه فقط، ومنهم من يصوم الشهر كلَّه، وهذا كله اعتماداعلى أحاديث لاتصح إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وشهر رجب كغيره من الشهوريُشرع أن يصام منه الإثنين، والخميس، والأيام البيض، لمن عادته الصيام كغيره منالأشهر؛ أما إفراده بذلك فلا. ومما ينبغي أن يعلم في هذا المقام أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهـ كان ينكر أشد الإنكار على صوّام رجب؛ وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(9846) بسند صحيح إلى خَرَشة الحُرّ قال: رأيت عمر يضرب أكُفَّ الناس في رجبحتى يضعوها في الجفان [الأوعية التي يوضع فيها الطعام]، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهلالجاهلية. وانظر "إرواء الغليل"(957) للعلامة الألباني ـ رحمه اللهـ.
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب"(ص6): "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلةمخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة".
رابعًا:تخصيص شهر رجب بالعمرة؛ وهي ما يسمى بـ "العمرةالرجبية":
وهذا ممّا يحرص عليه كثير من الناس مع مخالفته للسنة؛ فقد روىالبخاري(1775)، ومسلم(1255) عن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلىحجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تسْتَنّ [تَسْتَاك]، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن أَعْتَمَرَالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رجب؟ قال: نعم. فقلت لعائشة: أي أمّتاه! ألاتسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ـ صلى اللهعليه وسلم ـ في رجب. فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، ومااعتمر من عمرة إلا وإنه لَمَعَه.
قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم. سكت.
قال النووي ـ رحمه الله ـ في "شرحه على مسلم"(8/232): "وأما قول ابن عمر: إن إحداهن في رجب، فقد أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته. قال العلماء: هذا يدل على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو شك؛ ولهذا سكت عن الإنكار علىعائشة ومراجعتها بالكلام؛ فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعين المصيرإليه".
وممّا يؤيد ما ذهبت إليه أمّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما رواهالبخاري(1778)، ومسلم(1253) من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى اللهعليه وسلم ـ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة؛ إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبيةـ أو من زمن الحديبية ـ في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةمن جِعْرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة معحجته.
قال ابن العطّار ـ رحمه الله ـ كما نقل ذلك عنه الإمام الألباني ـرحمه الله ـ في كتاب "مساجلة علمية"(ص56): "ومما بلغني عن أهل مكة ـ زادها الله شرفاً ـاعتياد كثرة الاعتمار في رجب؛ وهذا مما لا أعلم له أصلا، بل ثبت في حديث أن الرسولـ صلى الله عليه ـ قال : عمرة في رمضان تعدل حجة".
خامسًا:تخصيص شهر رجب بذبيحة؛ وهي ما يسمى بـ "العتيرة":
وهذه الذبيحة "العتيرة" مما كان يتقرب به المشركون في الجاهلية،وأقرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زمناً، ثم نُسخ حكمُها ـ بما قرره جماهير أهلالعلم ـ بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا فرع، ولا عتيرة" متفق عليه، أو نسختخصيصها بشهر رجب فقط بما رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا الترمذي من حديث نبيشة ـ رضيالله عنه ـ قال: نادىرجل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فماتأمرنا؟ قال: "اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا الله ـ عزّ وجل ـوأطعموا". فانظر "صحيحسنن أبي داود"(2830).
قال الشيخ العلامة الإمام محمد بن إبراهيم ـرحمه الله ـ في "الفتاوى"(6/165 ـ 166): "المراد بـ "لا فرع، ولا عتيرة" نفي كونهماسنة، أي: خلافاً لما يراه بعض أهل الجاهلية من أن ذلكسنة, لكن النفي يفيد البطلان كـ "لا عدوى،ولا طيرة"؛ أفلا يكون "لا فرع، ولا عتيرة" إبطال لذلك؟!
فالأصل سقوط ذلك, ولا حاجة إلى تأويل, بل هو ساقطبالإسقاط النبوي, سقطسنة وفعلاً.
هذا مع دلالة: "من تشبه بقوم فهو منهم"،مع دلالة أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـمنع من مشابهة الجاهلية. ثم إن هذا منباب العبادات, والعبادات توقيفية, فلو لم ينفها النبي ـ صلى اللهعليه وسلم ـ كانتمنتفية, فإن أمور الجاهلية كلها منتفية, لا يحتاج إلى أن ينصص علىكل واحد منها".
سادسًا:تخصيص شهر رجب دونغيره بإخراج الزكاة، والإكثار من الصدقات، والإطعام:
قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ في "لطائف المعارف"(ص231 ـ 232): "اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك فيالسنة، ولا عُرِف عن أحد من السلف.... وبكل حال: فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول علىالنصاب، فكل أحدٍ له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تم حوله، وجب عليه إخراجزكاته في أي شهر كان".
وقال ابن العطّار ـ رحمه الله ـ: "وما يفعلهالناس في هذه الأزمان من إخراج زكاة أموالهم في رجب دون غيره من الأزمان لا أصل له،بل حكم الشرع أنه يجب إخراج زكاة الأموال عند حولان حولها بشرطه، سواء كان رجباً أوغيره". فانظر "مساجلةعلمية"(ص55 ـ 56).
سابعًا:الاحتفال بليلة السابع والعشرين من رجب، واعتقاد أنها ليلة "الإسراءوالمعراج":
وهذه البدعة مما ينبغي إخراجه في بحث مستقل، فلعلي ـإن كان في العمر بقية ـ أن أتناولها، وألمّ ما تفرق في بطون الكتب من كلام جهابذةأهل العلم حولها، فتكفينا في هذا المقام الإشارة إلى بدعية هذا الاحتفال وعدممشروعيته؛ فإن صاحب الحق يكفيه دليل، وصاحب الباطل ليس لنا عليهسبيل.
إن مما ينبغي أن يُعرف أن العلماء اختلفوا اختلافاً كبيراً ـ يزيدعلى عشرة أقوال، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "الفتح"(7/286) ـ في تحديد ليلةالإسراء والمعراج؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما نقل ذلك عنهتلميذه ابن القيم ـ رحمه الله ـ في "زاد المعاد"(1/57 ـ 58):".... هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها؛ فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها،ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شُرعللمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلةالقدر".
قلت: لا شك أن حادثة الإسراء والمعراج من أعظم فضائله ـ صلى اللهعليه وسلم ـ؛ بل إنها من الآيات الباهرات العظيمات التي أيّد الله ـ سبحانه ـ بهانبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظم تأييد، ومع هذا لم يحتفل بها أصحاب النبي ـ صلىالله عليه وسلم ـ، ولا التابعون، ولا أتباع التابعين؛ لا لعدم علمهم بتأريخها، ولكن لتعظيمهم هدي نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي حذر من البدع والمحدثات في الدين،قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ: "وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديثالصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبيـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناسلها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أنيحتفلوا بها؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ لميحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول ـصلى الله عليه وسلم ـ للأمة، إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعُرفواشتهر، ولنقله الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلينا؛ فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليهوسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين". "مجموع فتاوى ومقالاتمتنوعة"(1/183 ـ 184).
فهذه ـ أخي القارئ الكريم ـ كبريات البدع المقامة في شهر رجب، وهناك بعض البدع الأخرى نكتفي بالإشارة إليها؛ لتحذرهاوتتجنبها؛ فاللبيب تكفيه الإشارة؛ فمن هذه البدع: زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ،والبقيع، وشهداء أحد، والصمت عن الكلام، واعتقاد أن شهر رجب حدثت فيه حوادث عظيمة،واختراع أدعية مخصوصة يلهج بها كثير من الناس في هذاالشهر.
بدع شهرشعبان:
اعلم ـ رحمني الله وإياك ـ أن شهر شعبان لم يَسلم كغيره من الشهور منالابتداع فيه، مع ما فيه من الفضائل الحميدة، فمن فضائله:
1) أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكثر الصيام فيه؛ لأنه شهرترفع فيه الأعمال؛ وذلك لما جاء عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ قال: قلت يا رسول الله! لمأرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهر يغفُل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأناصائم". "صحيح سنن النسائي"(2221).
2) أن الله ـ عزّ وجل ـ يطلع إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان؛ فيغفر لجميع خلقه، إلا المشرك والمشاحن؛ كما ثبت ذلك عن النبي ـ صلى اللهعليه وسلم ـ من طرق مختلفة يشد بعضها بعضاً. فانظر غير مأمور "سلسلة الأحاديثالصحيحة"(1144و1563)، و"حسن البيان فيما ورد في ليلة النصف من شعبان" لشيخنا أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ـ حفظه الله ـ.
فهذا أعلى ما ورد في فضائل شهرشعبان، وبالرغم من ذا كله، لم يكتف أهل البدع عن بدعهم وضلالاتهم؛ فأحدثوا وغيرواوبدلوا؛ فمما أحدث في شهر شعبان، وبخاصة في ليلة النصف منه:
أولاً:اعتقاد أن ليلة النصف من شعبان هي الليلةالتي يبرم ويقدّر فيها ما يكون في العام؛ وأنها الليلة التي ذكرها الله ـ تعالى ـفي كتابه بقوله: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّامُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" [الدخان : 3 ـ 4]؛ وهذا من الخطأ الجسيم؛ إذ أن المقصود بهذه الآية ليلة القدر، كما قرر ذلك فحول أهلالعلم.
ثانيًا:تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة مبتدعةتُعرف بـ "الصلاة الألفية":
قال الإمام أبو شامة المقدسي في "الباعث على إنكارالبدع والحوادث"(ص124): " وأما الألفية فـصلاة ليلة الـنصف من شعبان، سمّيت بذلك: لأنها يقرأ فـيها ألف مرة "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "؛ لأنـها مئة ركعة، في كـلِّركعة يقرأ الفاتحة مرة، وسورة الإخلاص عشر مرات؛ وهي صلاة طويلة مُستثقلة، لم يأتفـيها خبر ولا أثـر؛ إلا ضعيـف أو موضوع".
ثالثًا:تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام:
قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ: "ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالبالحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيامبدعة منكرةعند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة ـرضي الله عنهم ـ. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة"(1/191).
رابعًا:صلاة الست ركعات في ليلة الـنصف بنية دفعالـبلاء، وطول العمر، والاستغناء عن الـناس، وقـراءة "يس" والدعاء بين ذلك: "السننوالمبتدعات"(145).
خامسًا:تخصيص ليلة النصف منشعبان بأدعية مخترعة لا أصل لها ـ ألبتة ـ: "الإبداع"(268).
سادسًا:اعتقاد أن ليلة النصف من شعبان مثل ليلة القدر في الأجروالفضل:
وقد قيل لابن أبي مُليكة: أن زيادا المنقري ـ وكانقاصًّا ـ يـقول: إن أجر ليلة النصف مـن شعبان مثل أجر لـيلة القدر، فقال: لو سمعتهيقول ذلك وفي يدي عصا لضربته بها. "المصنف"
وصلوات الله وسلامه على عبده ونبيّه محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين
__________________