بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
إنه رجل مؤمن ذكره الله في أكثر من موضع من القرآن الكريم كان مصاحباً للنبي موسى عليه السلام و آمن لموسى و نصر دعوته في قومه و سنذكر قصته الخالدة من البداية كما ذكرت في القرآن لئلا تغيب عن الاذهان على ان نختصر الكلام في الموضوع هنا إلا بقدر إبراز الشخصية التي قصدنا
قال تعالى في سورة الكهف : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)... إلخ الآيات
إن موسى المذكور في الآيات هو موسى بن عمران أخو هارون عليهما السلام ومن قال غيره ممن اسلم من اهل الكتاب فلا يصح ذلك لما في الحديث الصحيح انه موسى بن عمران و ليس موسى بن ميشا كما استدل بعض المفسرين بان الله لم يذكر في الكتاب غير موسى بن عمران فوجب الانصراف اليه الا ان يبين الله انه موسى آخر
و قال جمهور المفسرين إن فتى موسى هو يوشع بن نون النبي من بعد موسى و سمي فتاه لأنه كان يلازمه و يقوم بخدمته و ذكرو ان سبب لقاء موسى بالخضر ما جاء في الحديث انه خطب يوما في بني اسرائيل فسئل اي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله اليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك فكان بينهما ما ذكر الله في كتابه على أن هذا السفر من موسى لطلب العلم إنما كان زمان التيه و بعد خروج بني اسرائيل من مصر إنتهى و يوجد من الإشكال هنا ما لا يخفى و قد ذكر بعضه المفسرون لكنا سنوجزه في وجوه:
الأول: ظاهر القرآن على انما المراد من الفتى العبد المملوك حقيقة لا تجوزاً كما قال في سورة يوسف وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) و إن كان يلازمه و يخدمه لسماه الله على الحقيقة أنه صاحبه كما قال تعالى في سورة التوبة: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) فقد لازم أبو بكر الصديق النبي و قام بخدمته كذلك لكن الله يقول الحق و ما كان يوشع و لا ابا بكر الصديق ليكونا فتيين أو عبدين في كتاب الله لكن صاحبا نبيين و في لفظ القرآن ما يدل على أن الفتى عبد خادم لموسى في قوله للفتى : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) و ما يدل أيضا غلى انه ليس يوشع النبي أنه لم يلازم موسى في رحلته مع الخضر و إختفى ذكره عند ملاقاة الخضر قال : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ... إلخ الآية إنتهى
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن:قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ يَخْدُمُهُ .وَالثَّانِي : أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ .وَإِنَّمَا سَمَّاهُ فَتَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْفَتَى ، وَهُوَ الْعَبْدُ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ } وَقَالَ : { تُرَاوِدُ فَتَاهَا } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي } .
فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَبْدٌ .وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ . وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ ، فَالْوَقْفُ فِيهِ أَسْلَمُ .
الثاني: أن موسى قال لا أبرح قال الامام ناصر الدين البيضاوي في تفسيره: هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر ، و { مَجْمَعَ البحرين } ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه . وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن .إنتهى قال الامام فخر الدين الرازي في تفسيره:وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه إنتهى { أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } قال البيضاوي في تفسيره: أو أسير زماناً طويلاً ، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع ، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون .إنتهى
قلت فإن كانت القصة حدثت في زمن التيه بعد الخروج من مصر فإن الإشكال هنا أن موسى نبي بني اسرائيل فكيف يجوز لنفسه المضي زمناً طويلا و الأنبياء لا يبرحون قومهم الذين ارسلوا اليهم ليقوم دين الله على رسالتهم كما أن لموسى أهل و أولاد فهل يترك الرجل أهله و يمضي عنهم دهرا حتى نجوز ذلك في من كان من ألي العزم من الرسل
الثالث: أن موسى طلب العلم ممن دونه مكانتة و فضلاً عند الله في أواخر عمره و لقد رأى قبلها من أيات ربه الكبرى ما يخفى و كلمه الله و آتاه عليه الكتاب و الحكم و العلم و لئن قال قائل إنما يجوز ان يتعلم ممن كان دونه علماً و حكمة فالجواب أن موسى قال للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) أي علماً ذا رشد و أي رشد يطلب النبي موسى تعلمه بعد الذي مضى من نبوته و رسالته العظيمة
الرابع :أن الخبر قد غاب عن مسلمة أهل الكتاب و لو كان عندهم منه ذكر لما أخفوه بل كيف يخفى على بني اسرائيل حينذاك و هم في التيه غياب موسى من بينهم دون أن يسجلوا ذلك في كتبهم و هو الذي تتوفر الدواعي لنقله كونه أمراً غريباً حتى توهم بعض أهل الكتاب من أسلم منهم أنه يكون موسى بن ميشا و ليس موسى بن عمران إنتهى
و المقصود مما تقدم أن هذه القصة إنما وقعت لموسى مع الخضر قبل النبوة و هو في القصر الفرعوني مهد حياته الأولى و الفتى أنما هو عبد مملوك من القبط و الخدم في القصر الفرعوني و كان لموسى حينذاك شأن و خدم منها فتاه و خادمه القبطي و يبدو من سياق الأيات أنه كان ملازماً لموسى و له مكانة مميزة عنده حتى ذكره القرآن مقترناً بموسى و في قول الله تعالى عن الفتى قوله:وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أنه نسب النسيان للشيطان لعلمه أنه عدو الانسان و يفيدنا هذا و ذاك أن الفتى كان مؤمناً بفضل قربه من موسى و خوضه معه رحلة العلم هذه و في هذا
القول يتبدد جميع الإشكال الذي سبق ذكره لأنه عين الصواب و هو ظاهر القرآن الكريم كما يزول إشكال أن من بني اسرائيل من لم يعلم بلقاء موسى بالخضر لأنا نقول أن ذلك كان قبل بعثة موسى بل قبل إقامته بمدين و قبل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا إلخ الآية إذ لم يكن لبني اسرائيل الاحاطة بجميع أخبار موسى مفصلة في هذه الفترة من
حياته و يجوز أن يغيب عنهم أخباره حينئذ و أما مكان البحرين على هذا القول الذي نقول به فهو كما قال الله تعالى مجمع البحرين أي مكان يجتمع فيه نهر النيل العذب بالبحر المالح الذي يصب فيه كما قال تعالى في سورة الفرقان وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) الآية و لا نقول إنهما بحرا الروم و فارس و لا بحر طنجة و لا بحري علم هما موسى و الخضر فهذه البحار لا تلتقي و لا تجتمع فيما بينها إلا مجازاً أو في عقول من يظن ذلك
و من المحتمل أيضاً أن يكون الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليخبر موسى أن القوم ياتمرون به ليقتلوه جراء قتله لأحد الرجلين المختصمين خطأً لأن ناقل الخبر يجب أن يكون وجوده بقرب الملا المأتمرين بينهم بحيث يتيسر له سماع خبر كهذا ولربما أحيطت المؤامرة بالكنمان بل لا تدبر المؤامرة إلا بذاك و هذا محتمل و جائز انه الفتى الخادم و لسنا نؤكده ببرهان ميبن و الله أعلم به
قال تعالى في سورة غافر : وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)
قالوا هذا الرجل هو ابن عم فرعون و قيل: كان اسرائيلياً و قيل بل كان غريباً ليس من الفئتين و الأول قاله السدي و اختاره بن جرير ذكر ذلك الحافظ بن كثير في تفسيره و الله أعلم به أقول و المراد بآل فرعون أتباعه الذين هم تحت سيادته أو الذين هم على دينه لقوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) و القول انه ابن عم فرعون يعترض عليه بوجوه:
الأول: لا تقوم به حجة يعول عليها إلا أنه من آل فرعون فهو من قرابته و معنى الآل لا ينحصر في القرابة لما تقدم من الآية و أنهم يدخلون أشد العذاب و هذا لا يخص أقرباء فرعون بل يشمل أتباعه أيضاً
الثاني : أن الرجل يكتم إيمانه من جهة و يدعو القوم من جهة فما السبيل للجمع بين كتمان الايمان و الجهر بالايمان بل الجهر بالدعوة الى الايمان قيل كان يكتم ايمانه إلا ان رآهم يريدون قتل موسى فجهر حينئذ و لا يصح و إلا كان يقال كان يكتم ايمانه فالفعل يكتم مضارع دال على الاستمرار لا الماضي و معنى انه كان يكتم الايمان مقحمة و الظاهر انه لا زال يكتم ايمانه غير ان المقصود انه يكتم ايمانه عمن يخشى منه الهلاك من فرعون و
ملئه ممن هم فوقه و كان يجهر بل يدعو الى الايمان بموسى من كان لا يخشى سطوته ممن كان بمرتبته من ضعفاء القبط فكان مساند و مؤيد لدعوة موسى على مستوى الطبقة الفرعونية السفلى لكن هؤلاء المستضعفين و إن كان يرجى منهم الايمان أكثر من الجبابرة إلا انهم آثروا إتباع الذين استكبروا فكان مصيرهم الى النار يعرضون عليها غدواً و عشياً قال تعالى : وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)
الثالث : أنه لم يلق جراء دعوته إلى غير دين فرعون أي جزاء من فرعون و ملئه لأنه كما قلنا أنه يكتم ايمانه عن فرعون و ملئه لئلا يقتلوه
الرابع : أن الرجل كان عالماً متفقهاً في دين الله كما يبدو من خلال كلامه فلقد ذكر يوسف عليه السلام و ذكر قوم نوح و هود و صالح عليهم السلام و لعل هذا ما دفع بالبعض الى القول ان الرجل انما هو اسرائيلي و ليس من القبط و المقصود ان الرجل قد لازم موسى طويلا و تعلم منه ما لم يكن له من العلم و أما ابن عم فرعون لو جهر بكلامه امام فرعون لكان قتله عمه فرعون السفاح دون تردد
و المقصود مما تقدم أن الرجل المؤمن هو ذاته الفتى القبطي المؤمن الذي كان لازم موسى في رحلته الى الخضر للتعلم و قد جعله الله داعيا اليه في قومه من البسطاء الذين ربما لم يصل اليهم موسى مباشرة كما وصل الى فروعون و ملئه و دعاهم الى الله
فهذه شخصية هامة و بارزة ذكرها مخلد في كتاب الله لكنها غائبة عن أذهاننا و هل يستحق أحد من أبناء أعمام فرعون اللعين هذا الذكر الشريف إن كان ليس لفرعون ابن عم صالح و جميعهم في نار جهنم ينبغي إذن التثبت و ان لا نقحم في القرآن ما لا يقوم به الدليل الواضح و الا كان ترك علمه الى الله اولى بنا و الحمد لله رب العالمين