استطاع بديع الزمان سعيد النورسي أن يجدد في علم الكلام من صفا ت وغيرها وأن يبني نظرية جديدة في الاستدلال على وحدانية الله عز وجل ويؤسس لبرهان منطقي على النبوة ويستدل على وقوع الحشر وفق أمثلة يقبلها العقل ويطمئن لها القلب، هذا ما أراد " كتاب بديع الزمان النورسي وتجديد علم الكلام" بيانه.
صدر مؤخرا كتاب للمؤلف الدكتورالمصطفى الوضيفي(استاذ في جامعة القاضي عياض- مراكش) تحت عنوان:"بديع الزمان النورسي وتجديد علم الكلام" في طبعته الأولى من المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات مراكش.
يقع الكتاب في 172 صفحة، ويتكون من خمسة فصول.
يتطرق المؤلف في الفصل الأول إلى الحديث عن طرق الاستدلال على واجب الوجود عند النورسي وذلك بالنظر إلى ملكوت السموات من فضاء وسماء، والعالم الأرضي من بحار وأشجار، وعالم الإنسان، معززا ذلك بشهادة كل من القرآن الكريم والملائكة والأنبياء والأولياء ، ثم يعرض دليل الحدوث والامكان من حيث كونه متجليا في الكون من خلال التبدل والتغيرالذي يطرأ عليه، انطلاقا من قول النورسي "إن ما يعرّف لنا ربنا لا يعد ولا يحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة". مع الإشارة إلى طرقها عند المعتزلة وذلك من خلال البرهانين الأساسيين : الجوهر الفرد والممكن الواجب.
ثم يتطرق في الفصل الثاني إلى عرض الاستدلال على وحدانية الله من الصفات واضعا مقارنة بين النورسي الذي لم يتطرق نهائيا إلى قدم أو حدوث الصفات قيامها بالذات أم أنها غير ذاتية ولم ينفها بل أثبتها، بحيث إنها متجلية في الكون، خلافا للمعتزلة الذين أطنبوا في الأمر واختلفوا إلى فريق يقول أن لله صفات، وفريق عطلها تنزيها له سبحانه.
أما البرهنة على وحدانية الله فكل من النورسي وعلماء الكلام ينطلقان من تفسير الآية الكريمة:" لو كان فيهما آلهتان إلا الله لفسدتا" غير أنهما يختلفان اختلافا شاسعا في طرق تفسير هذه الآية، فبينما المعتزلة نهجوا طريق الافتراضات الكلامية المعقدة والجدل الكلامي الذي لا يفيد، نجد النورسي قد نحى منحى آخر مخالف وسهل مستساغ وهو تجلي أسماء الله الحسنى في الكون وذلك من خلال أمثلة رائعة تصور شخصا مفترضا يدعي الألوهية، فتخرس كل الكائنات لسانه داحضة إياه وموعزة له عجزه عن ذلك.
أما الفصل الثالث؛ الاستدلال على النبوة فقد تطرق فيه إلى فهم النورسي ضرورة ايجاد النبوة خلافا لما عليه شيوخ المعتزلة الذين أحلوا العقل محل النبوة، لأن العقل قوة في الإنسان قادرة على معرفة واجبات الإنسان قبل ورود السمع، انطلاقا من قولة النورسي بلزوم أن يكون لمثل هذا الكون البديع ولصانعه القدوس مثل هذا الرسول الكريم كلزوم الضوء للشمس، لأنه كما لا يمكن للشمس إلا أن تشع ضياء كذلك لا يمكن للألوهية إلا أن تظهر نفسها بإرسال الرسل الكرام عليهم السلام.
وفي الفصل الرابع يعرض أمامنا طرق الاستدلال على الحشر من خلال خلود الروح واندثار الجسد وكذا استدلال النورسي على وقوعه من خلال أمثلة واقعية حية والبرهنة العقلية، اقتضت ذلك الظرفية التي عاش فيها وطبيعة عصره ونوعية مخاطبيه، وإلا لما كان لخطابه تلك الفاعلية وذلك التأثير. فالبرهنة على الحشر اقتضت من النورسي تقديم البرهان العقلي على النص ليس تقليلا من قيمته وإنما ترويضا للأذهان لتتقبل النص النقلي.
أما الفصل الخامس فإنه يبين قدرة النورسي على نقل علم التوحيد من نظريات فكرية مجردة يفهمها الخاصة ايمانا عقليا مجردا إلى سلوك في الحياة ينفعل به العقل ويتحول إلى ممارسة يومية، مع بيان منهجية النورسي في التغيير الفردي وكذا منهجيته في الاستدلال.
ذيل المؤلف كتابه بخاتمة داعيا فيها إلى احياء علم الكلام وتجديده وفق نظريات لها علاقة بعمق ثقافتنا الاسلامية المعاصرة مشيرا إلى كوننا في أمس الحاجة إلى إعادة النظر في ثراتنا القديم.
ولعل الله سبحانه وتعالى استجاب للنورسي فصدر هذا الكتاب وسيصدر في المستقبل أمثاله الكثير إذ يقول في المثنوي العربي النوري في ص 206 في ذي الحباب:
يا أيها الناظر في رسائلي العربية الثمان! 1
إني أول ما كتبتُها، ما كتبتُ إلاّ لنفسي، ثم تخطرتُ أن هذه النعمة من شُكرها نشرُها، لعل أن ينتفع بها أناسٌ. ثم بعد تكرار النظر فيها تفطنت فيها سراً ترددتُ في إظهاره من زمان ، ولكن أحسّ في قلبي الآن سائقاً لإظهاره، وهو:
أنه أرى مسائل تلك الرسائل وسائلَ وسلالم.. للصعود إلى الزنابيل النورانية المتدليّة من عرش الرحمن التي هي الآيات الفرقانية. فما من مسألةٍ منها إلاّ ويماسّ رأسُها قدمَ آيةٍ من الفرقان. فمسائلها وإن حصلت لي أول ما حصلت شهودية وحدسية وذوقية، لكن لدخولي في صحراء الجنون مع رفاقة عقلي مفتوح الجفون -فيما يغمض فيه ذوي الأبصار- لفّ عقلي على عادته ما رآه قلبي في مقاييسه ووزنه بموازينه واستمسكه ببراهينه.. صارت مسائل هذه الرسائل من هذه الجهة كأنها مبرهنة استدلالية.
فيمكن لمن ضلّ من جهة الفكر والعلم أن يستفيد منها ما يُنجيه من مزالق الأفكار الفلسفية.
بل يمكن أن يستخرج منها بالتهذيب والتنظيم والإيضاح عقائد إيمانية وعلم كلام جديد في غاية القوة والرصانة لردّ ضلالات أفكار هذا الزمان.
بل يمكن لمن اختلط عقلهُ بقلبه، أو التحق قلبهُ بعقله المتشتت في آفاق الكثرة أن يستنبط منها طريقة كسكة الحديد متينةً أمينة يسلك فيها تحت إرشاد القرآن الكريم..كيف لا، وكل ما في رسائلي من المحاسن ما هو إلاّ من فيض القرآن..
ولله الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذا الطريق.
نعم! مَن استمسكَ به استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.