علمنا فيما سبق أن الكسل هو الذى يمنع صاحبه من أداء ما عليه من واجبات ، ويصده عن معاناة المشاق إيثارا للراحة .
ولكن قد يصيب بعض الأخيار نوع من الفتور فيكسلون عن أداء ما تعاهدوا به أنفسهم من نوافل الطاعات على الوجه الأكمل ، فلا يتركون هذه الطاعات ، وإنما ينتقلون من حال الكمال فى أدائها إلى حال أقل كمالا ، حتى لا يشقواعلى أنفسهم ويعطوها حظها من الراحة ، كى يعود إليها نشاطها وقوتها ، وهذا من حسن سياسة النفس وجودة قيادها . ومما يدل على ذلك أن عبد الله بن قيس روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : ( لا تدع قيام الليل ، فإن رسول الله عليه وسلم كان لا يدعه ، وكان إذا مرض أوكسل صلى قاعدا ) – صححه الألبانى .
قال الراغب الأصفهاني فى كتابه الذريعة : من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية ، بل من الحيوانية ، وصار من جنس الموتى .
وذلك أنه إنما خُص الإنسان بالقوىالثلاث ليسعى فى فضلها .
- فإن فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التى تنميه .
- وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدات التى تحميه .
- وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التى تهديه .
فحقه أن يتأمل قوته ويسير قدر ما يطيقه ، فيسعى بحسبه لما يفيده اليعادة ... فإن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة ، فحب الهوينا يكسب النصب .
- وقد قيل : إن أردت ألا تتعب ، فاتعب لئلا تتعب .
- وقيل : إياك والكسل والضجر ، فإنك إن كسلت لمتؤد حقا ، وإن ضجرت لم تصبر على الحق .
- إن التوانى أنكح العجز بنته ***
وساق إليها حين أنكحها مهرا
- فِراشا وطيئا ثم قال لها اتكى ***
فقصرا كما لا شك أن يلدا الفقرا
- وقال يزيد بن المهلب : ما يسرني أن كفيت أمر الدنيا لئلا أتعود العجز .
- ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية ، فكل هيئة ، بل كل عضو تُرك استعماله يبطل ، كلعين إن غمضت ، واليد إذا عطلت ، ولذلك وضعت الرياضات فى كل شىء .
- ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك ، لم يجعل له رزقا إلا بسعى منه ، لئلا تتعطل فائدة ما جعل له من قوة التحرك .
- وتأمل حال مريم عليها السلام ، وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤنة الطلب ، وفيه أعظم معجزة ، فإنه لم يُخلها من أن يأمرها بهزها فقال تعالى : ( وهزي إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) مريم .
- وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل ، كذلك النفس يترك النظر والتفكر ، تتبلد وتتبله ، وترجع إلى رتبة البهائم .
- قال الحجاج : إن امراً أتت عليه ساعة من عمره ، لم يذكرفيها ربه ، أويستغفر من ذنبه ، أو يفكر فى معاده ، لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة .
حتى لا أطيل على القارىء أكتفى بهذا القدر ولى معكم عودة فى نفس الموضوع الذى أراه مهما فى هذا الوقت من الزمن .