ستر العيوب
رُوِي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس عيوبهم، وأدركت قومًا كانت لهم عيوب، فكفُّوا عن عيوب الناس فنُسِيت عيوبهم.
فوائد النخل
قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت أعرابيًا في مكة فاستفصحته فقلت: ممن الرجل؟ قال: أسدي. يريد أزدي. قلت: أين بلدك؟ قال: عمان. قلت: صف لي بلدك. فقال: بلد صلدح (أي عريض)، وكثيب أصبح (أي أبيض فيه حمرة) وفضاء صحصح. قلت: ما مالك؟ قال: النخل. قلت: أين أنت من الإبل؟ قال: إن النخل ثمرها غذاء، وسعفها ضياء وكربها صلاء وليفها رشاء (حبال)، وجذعها بناء، وقروها (القرو أسفل جذع النخلة) إناء. قلت :أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنا ننزل حجرة لا نسمع فيها ناجخة (صوت الماء) التيار.
لما بكى هارون الرشيد!!
قال هارون الرشيد للفضيل بن عياض: عظني.
فقال : يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي. فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة!
فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.
وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقَّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. وإني لأقول لك هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف في يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك - رحمك الله- مثل هؤلاء من يشير عليك أو يأمرك بمثل هذا؟
فبكى هارون بكاءً شديدًا حتى غشي عليه.
فقال له الفضل بن الربيع وكان حاضرا: ارفق بأمير المؤمنين، قال : يا ابن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا.
أنا أعرف نفسي
مر يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزًا فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ قال: ثمان مائة دينار، قال: فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجال، ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهي بعد لا تعرفك. قال: إن كانت ترضى باليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فإني أعرف نفسي، ادفعها إليها.
إن الخليفة ليس بالمحتجب
وفد هانئ بن قبيصة على يزيد بن معاوية فاحتجب عنه أياما، ثم إن يزيد ركب يومًا يتصيد، فتلقاه هانئ فقال: إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي المتنحي، ولا بالمتطرف المتنحي ولا الذي ينزل على العدوات والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات، وقد وليت أمرنا، فأقم بين أظهرنا، وسهل إذننا واعمل بكتاب الله فينا، فإن كنت عجزت عما هاهنا، واخترت عليه غيره، فاردد علينا بيعتنا، نبايع من يعمل بذلك فينا ونقمه، ثم عليك بخلواتك، وصيدك وكلابك. قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسن بالشام سنة العراق لأقمت أودك. ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيرًا مما كان عليه.
حسن الأدب في بلوغ الطلب
وفد من العراق وفد ٌعلى سليمان بن عبد الملك فقام خطيبهم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أتيناك رهبة ولا رغبة. فقال سليمان: فلِمَ جئت، لا جاء الله بك؟ قال: نحن وفود الشكر. أما الرغبة فقد وصلت إلينا في رحالنا، وأما الرهبة فقد أمناها بعدلك، ولقد حببت إلينا الحياة، وهونت علينا الموت. فأما تحبيبك الحياة إلينا فبما انتشر من عدلك وحسن سيرتك. وأما تهوينك علينا الموت فلما نثق به من حسن ما تخلفنا به في أعقابنا الذين تخلفهم عليك. فاستحيى سليمان وأحسن جائزته.
نأتي بفرس ونصفه
قال أبو عبيدة: أدخلني الفضل بن يحيى على الرشيد، فقال لي: يا معمر، بلغني أنك وضعت كتابًا في الخيل حسنًا، وأنا أشتهي أن أسمعه، قال (وكان عنده الأصمعي): يا أمير المؤمنين، وما تصنع بكتاب؟ نجيء بفرس الساعة فنصفه، فقال الرشيد: هاتوا فرسًا، فما كان أسرع أن جيء به، فقام الأصمعي فأخذ بأذنها ثم قال: هذا كذا وقال فيه الشاعر كذا، وهذا كذا وقال فيه الشاعر كذا، قال: فأقبل عليّ الرشيد فقال: ما تقول يا معمر فيما قال؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أصاب في بعض، وأخطأ في بعض، فأما ما أصاب فيه فمني تعلّمه، وأما ما أخطأ فيه فلا أدري من أين جاء به، والرشيد يضحك.

لماذا سمي أبو العباس بالمبرد؟
سئل أبو العباس المبرد: لمَ سميت المبرد؟ قال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت ذلك، فدخلت يومًا إلى أبي حاتم السجستاني، فجاء رسول الوالي يطلبني، فقال لي أبو حاتم: ادخل في هذا، يعني غلاف مزملة فارغًا، فدخلت فيه، وغطى رأسه، ثم خرج إلى الرسول، فقال: ليس هو عندي، فقال: أُخبرت أنه دخل إليك، قال: فادخل الدار وفتشّها، فدخل وطاف في كل موضع من الدار، ولم يفطن للغلاف ثم خرج، فجعل أبو حاتم يصفق ويقول: المبرد المبرد، وتسامع الناس بذلك فلهجوا به.
لا بد مما هو كائن
كان للنعمان بن المنذر إخوة ثلاثة يقال لأحدهم: مالك، وللآخر عمرو، والثالث علقمة، وكان مالك ذا فضل بيّن، ورأي جزل، فهلك مالك فأعظم ذلك عمرو وكربه -وكان عمرو مرجوًّا عند عامة مملكته لبوائق الدهر وحوادث الأيام- فلما رأى المنذر بن النعمان بن المنذر ما بعمه عمرو من الوجد على مالك أفظعه ذلك وكربه، وكسف باله وغير حاله، ودخل عليه من ذلك ما كاد أن يكون شبيهًا بموت مالك، فسأل المنذرُ بن النعمان أباه أن يجمع له رؤساء أهل مملكته وعلماءهم وخطباءهم وحلماءهم وذوي الشرف منهم، ثم يأذن له في الكلام والقيام في أمر مالك، والتعزية بعمه. فأجابه أبوه النعمان إلى ذلك، وأعجبه ما دعاه إليه، فلما توافت الرجال احتفل النعمان -يعني حفّل المجلس وحشدهم وأنزلهم على قدر منازلهم- فلما أخذوا مجالسهم قام المنذر بن النعمان -وهو كبير المتكلمين في جسيم الأمور- فرفع صوته فقال: يا عمرو، يا ابن ثمرة الرأي ومعدن الملك، إنما الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن.
شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك
دخل عمر بن ذر على ابنه وهو يجود بنفسه فقال: يا بني إنه ما علينا من موتك غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله حاجة، فلما قضى نحبه، وصلى عليه، وواراه، وقف على قبره فقال: يا ذر، إنه قد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك؛ لأنا لا ندري ما قلت وما قيل لك، اللهم إني قد وهبت له ما قصّر فيه مما افترضت عليه من حقي، فهب لي ما قصّر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه له، وزدني من فضلك إني إليك من الراغبين.
المستشار مؤتمن
حُكي أن سابور استشار وزيرين كانا له، فقال أحدهما: "لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدًا إلا خاليًا به، فإنه أصْوَن للسر، وأحْزَم في الرأي، وأدْعى إلى السلامة، وأعْفى لبعضنا من غائلة بعض؛ لأن الواحد رهنٌ بما أفشي إليه، وهو أحرى ألا يظهره رهبة للملك، ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين فظهر، دخلت على الملك الشبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئًا بجناية مجرم، وإن عفا عنهما عفا عن واحد لا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة عليه".
دعاء.. متعلق بأستار الكعبة
قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول وهو معلق بأستار الكعبة: إلهي! من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفًا، إلهي! من أولى بالعفو عني منك، وقضاؤك نافذ، وعلمك بي محيط، أطعتك بإذنك، والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك، والحجة لك علي، فبثبات حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، إلا غفرت لي ذنوبي.