
1- حرمان العلم والرزق
جلس الشافعي إلى الإمام مالك يوماً , فأعجب به مالك وقال له: (إن الله قد قذف في قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية) . لكن الشافعي خالف وصية مالك يوماً فنظر إلى كعب امرأة في طريق ذهابه إلى شيخه وكيع بن الجراح فنسي وتعثر حفظه ( كان الشافعي يحفظ طباعة بل كان يضع يده على الصفحة المقابلة حتى لا يختلط حفظه ) , فأكد وكيع نصيحة مالك أن ترك الذنوب دواء ناجعاً للحفظ .
شكوت إلى وكيع سوء حفظي .... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخــــبرني بأن العــــلم نور .... ونور الله لا يهدى لعاصــــي
عجيبة
وقد تسأل وتقول: كيف أصبح اليوم أهل الفسق والعصيان في المعالي , وكثير من أهل الحق والتمسك بالإسلام يعانون الفقر والضعف والذل ؟! ويرد عليك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويقول : "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج " , ثم تلا: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكَّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) الأنعام:44 " الحديث في ص ج ص (صحيح الجامع الصغير) رقم (561).
2- القلب المستوحش
فإن الذنوب تورث القلب وحشه وحزناً يلقيان ظلالهما على القلب فور اقتراف الذنب ومقارفة الخطيئة , ونحن نتحدث هنا عن من عَمَّرَ الإيمان قلبه , فمثل هذا لا تتم له لذة المعصية أبداً ولا يكمل بها فرحه , بل لا يباشرها إلا والحزن يخالط قلبه , ولكن سُكْر الشهوة يحجبه عن الشعور به , فمن خلا قلبه من هذا الحزن فليتهم إيمانه , ولْيَبْكِ على موت قلبه ... إنّا لله وإنّا إليه راجعون .
خراب الديار
قال مالك بن دينار: " إن القلب إذا لم يكن فيه حُزن خَرِب , كما أن البيت إذا لم يسكن خرب ".
ليس الحزن ضمانا لعدم خراب القلب فحسب , بل هو سبب من أسباب دخول الجنة عند الحسن البصري الذي قال: " إن المؤمن ليذنب الذنب فما يزال به كئيبا حتى يدخل الجنة ".
يا أخي ... يا مُدَّعي الحزن بالقول , وأفعالك تكذب لسانك , لو كان في قلبك حزن ... لبدا أثره على جسدك . لظهر ... بكاء من خشية الله , لظهر ... دفنا للنفس في أحضان الصالحين , لظهر ... هجرانا لأهل المعاصي , لظهر ... توبة صادقة وعبرة نادمة وعزماً حديداً .
3- وحشة مع الصالحين
قال أبو الدرداء: " ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر , ثم قال أتدرون مِمَّ هذا ؟ قال: إن العبد ليخلو بمعاصي الله , فيلقى الله ببغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر " .
إذا وجدت من إخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثته , فتب إلى الله سبحانه وتعالى وإذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله سبحانه وتعالى .
4- تعسير الأمور
قال سبحانه وتعالى: ( وَمَا أَصَابَكُم مَّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيْديِكُمْ ) الشورى:30 .
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " حسن كما في صحيح ابن ماجه رقم (3248) .
فالمؤمن الذي يقيس أموره بمقاييس الإيمان على يقين بأنه لا يقع بلاء إلا بذنب , ولا تنزل محنة إلا بإثم .
أما الماديون الغارقون في بحر الشهوات فيتبرمون ويضجرون إذا وقعوا في شدة , أو واجهتهم محنة .
قال سفيان الثوري: " إني لأعرف ذنبي في خلق امرأتي ودابتي وفأرة بيتي " .
وهذه معرفة لا ينالها إلا من نور الله له قلبه وأضاء بصيرته وهداه سواء السبيل , نسأل الله أن نكون منهم .
5- حرمان الطاعة
يقول سفيان: حُرِمْتُ قيام الليل أربعة أشهر بذنب وابي سيرين يُعَيًّر رجلا بالفقر فيحبس في دَيْنٍ , ومكحول يُعَيَّر آخر بالرياء في البكاء فيُحْرم البكاء من خشية الله سنة .
والحقيقة أن تعجيل هذه العقوبات هو من علامات حب الله للعبد فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يواقي به يوم القيامة " صحيح كما في ص ج ص رقم (308) .
فالمقرب عند الله هو المعاقب , والمطرود من رحمة الله هو المسكوت عنه في الدنيا ليدخر له العقاب في الآخرة .
.. لحظة من فضلك ..
قد يذنب العبد ولا يشعر أن الله عاقبه , ولا يحس أن نعم الله عليه تغيرت , فما تفسير ذلك ؟!
أقول: فقدان حلاوة الخشوع ولذة المناجاة حرمان , الزهد في الإزدياد من الطاعات حرمان , إغلاق باب القبول حرمان , قحط العين وعدم بكائها حرمان , قسوة القلب وعدم تأثره عند سماع الموعة حرمان , والمحرومون كثير ولكن لا يشعرون .
أخي العاصي ....
كم نظرت عينك إلى الحرام فقل بكاؤها , وكم غبت عن صلاة الفجر فانطمس نور وجهك , وكم مرة استمتعت بلذاذة الألحان فحُرمت تلاوة القرآن , وغزا حب الدنيا قلبك فخرجت الآخرة منه !!
* لطيفة *
قال ابراهيم بن أدهم: " كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب " .
6- المعاصي تزرع المعاصي
ومناط ذلك هو أن الرجل إذا عمل بمعصية الله ابتدره الشيطان وابتعد عنه الملك , فلا يدل الشيطان إلا على شر ومعصية وإثم ومهلكة , لذلك صدق سهل بن عاصم حين قال: " عقوبة الذنب الذنب " .
والطاعات مثل ذلك
إذا عمل العبد بطاعة الله ابتدره الملك وابتعد عنه الشيطان فلا يدله الملك إلا على طاعة وخير وتزكية وبر ولذلك قالوا:" الطاعة وَلُود , وثواب الطاعة ... الطاعة " .
7- شؤم على الخلق كلهم
ليت العاصي يضر نفسه فحسب , لكنه يضر كل من حوله .. الإنس والجن والحيوان والشجر والحجر , فذنبه متعدي الضرر وإن بدا في ظاهره أنه لم يؤذ غيره ولم يصب أحد بسوء .
صحح أبو هريرة هذا الفهم الخاطئ حين سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يظلم إلا نفسه . قال أبو هريرة:" كَذَبْتَ , والذي نفسه بيدي إن الحبارى (نوع من الطيور) لتموت في وكرها من ظلم الظالم " .
وليس أبو هريرة وحده من يؤكد هذا , فهذا أنس بن مالك يقول:" كاد الضب يموت في جحره هزلا من ظلم بني آدم " .
* لطيفة *
قال فقيه العراق ابن شبرمة: " عجبت للناس يَحْتَمون من الطعام مخافة الداء , ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار " .
إيقاظة نبوية
ولا شيء يوقظ العقل من سكرته , وينبه من نومه مثل ذكر النار , لذا عمد النبي (صلى الله عليه وسلم) في حالات فساد العقل , وغياب الوعي إلى ذكر هذه الكلمة (النار) .
* ففي حالة التخلف عن صلاة الجماعة يقول (صلى الله عليه وسلم)" لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب , ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها , ثم آمر رجلا فيؤم الناس , ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم " صحيح كما في ص ج ص رقم (7072) .
* وفي حالة لبس الرجال الذهب يقول: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده " صحيح كما في ص ج ص رقم (8109) .
* وفي حالة أكل أموال الناس بالباطل يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إنكم تختصمون وإنما أنا بشر , ولعل بعضكم أن يكون أعلم بحجته من بعض فأقضي له بما أسمع منه , فأظنه صادقا فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنها قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها " صحيح كما في ص ج ص رقم (2342) .
كل هذا لأنه (صلى الله عليه وسلم) بنا رؤوف رحيم يلفح وجوهنا بكلامه عن (النار) بدلا من أن تلفح وجوهنا غدا ألسنة النار .