السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات اعمالنا، واشهد ان محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))آل عمران:102.
أيها الأحبة في الله
إن كثيراً من الناس يجترئ على الذنوب والمعاصي، ويتهاون في الواجبات ويتساهل بها، وإذا فعل أكبرالكبائر كأنما ذباب وقع على أنفه، فقال به: هكذا وطار، وكأن الأمر هين وسهل.. إذاترك الصلاة ضحك، وإذا ارتكب الحرام فرح، وإذا تهاون بالواجبات كأنه لم يفعل شيئاً،أما إن خالف غيره من البشر فالأمر شديد، والهول كبير، ويخاف أن تصدر عليه عقوبة؛فلا ينام الليل، وأما أن يتذكر عذاب الله عز وجل فلا.
أخوتى الأحبه فى الله
إن المقام الذي ينقصنا ..هو مقام الخوف من الله جل وعلا .. فقد قلَّ في كثيرٍ من المسلمين و المسلمات -إلا من رحم الله- فتجدينها ترتكب المحرمات، ثم تقولها وبكل سهولة: أستغفر الله وهي تضحك، القلب لا يندم، والعين لا تدمع، والخوف لا يوجل في قلبها ولا يدخل قلبها،
ما السبب ؟ إنها لا تخاف من ربها جل وعلا.
شدة خوف اسلافنا من الله
قال الله جل وعلا واصفاً عباده المؤمنين
((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ))النور:6-37
أتعرفون لماذا؟ لأنهم كانوا يجلسون في بيوت الله، ويحافظون على الصلوات الخمس، ويؤدون الفرائض، قال( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِا لْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ))[النور:37].
كان ابن مسعود -رضي الله عنه- جالساً، فسمع أحد أصحابه يقول: ما أود أن أكون من أصحاب اليمين، إنما أود أن أكون من المقربين -لأنهم أعلى درجة من أصحاب اليمين- فقال ابن مسعود أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أما أن هاهنا رجلاً يود أنه إذا مات لم يبعث -يعني: نفسه- أود أنني إذا مت لا أبعث، وددت أنني شجرة تعضد ] شجرة ثم تزول وتهلك كما تهلك الأشجار، ولا أبعث عند الله عز وجل يوم القيامة،(( يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)) [النور:37].
هذا اليوم الذي كان يبكي منه أسلافنا، حتى كان أحدهم إذا أراد أن ينام لا يستطيع النوم(( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً ًوَطَمَعاً))[السجدة:16]
يقول بعضهم: ما رأيت مثل الحسن -أي: البصري - وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما".
وبكى بعضهم قبل الوفاة بكاء شديداً فبكت أمه، قال: ولم تبكين؟ قالت: لبكائك يا بني!
قال: أما إني أبكي لخوف المطلع عند الله جل وعلا في ذلك اليوم.
كلمة فى ودنك اختى فى الله
ما بالنا -يا إماء الله- الواحدة منا ترتكب المحرمات إلا من رحم الله، وبعضنا ترتكب المنكرات العظام بل أكبرالكبائر والأمر عندها هين، والخطب سهل.. لماذا؟
لأن الخوف من الله جل وعلا لم يخالط قلبها.
أمة الله! أراك لا تصلين الفجرإلا في كسل وتؤخرين العصر إلابعض الأحيان، وأراك تستمعين بعض الأغاني، وتقعين في غيبة بعض الناس، ثم لو سئلت قلت: إن ربي غفور رحيم.
اسمعي إلى سلفنا كيف كانوا يخافون من الله جل وعلا: قال الحسن البصري : " سمعت أن هناك رجلاً يخرج من النار بعد ألف سنة " يقول الحسن : (قيل لي، وروي، وسمعت): أن رجلاً يخرج من النار بعد ألف سنة أي: بعد أن
يمكث في النار، قال: " وددت أنني ذلك الرجل" أي: أود وأتمنى أني أمكث في النار فقط ألف سنة.
أمة الله! هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟ أم أن الواحدة منا قد ضمنت نفسها مع الله .
بعضهم يا أمة الله! كان يقوم الليل فيبكي بعدالقيام حتى الصباح يستغفر الله تعالى على تقصيره، وَبِالْأَسْحَارِ هُم ْيَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18].
كانوا يستغفرون من تقصيرهم في قيام الليل، لا من عدم قيامهم لصلاة الفجر، ولا من ارتكابهم للمحرمات، ولا من سهرهم على الأغانيوالمسلسلات، لا والله، يقومون الليل ثم يستغفرون الله ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) [المؤمنون:60] بعضكم يقول: هؤلاء الزناة، وهؤلاء شاربو الخمور، يجب أن يخافوا من الله، وقد قالت عائشة : هم الزناة؟ هم شاربو الخمور؟ وهم الذين يفعلون ويفعلون؟ فقال النبي : (لا يا بنة الصديق ! هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم ) يخافون من الله جل وعلا أن يأتي يوم القيامة فيجعل أعمالهم هباءمنثوراً،
صلاتي يا رب .. صيامي .. صدقتي .. حجي وعمرتي جعلها الله هباءمنثوراً؛ لأن للأعمال محبطات، لا تظني أنك إذا عملت العمل انتهى كل شيء! لا والله،المشقة كل المشقة في المحافظة على هذا العمل، كيف تحافظي عليها حتى تلقى الله؟
محبطات الأعمال
ألاتعلمين -يا أمة الله- أن هناك أعمالاً تحبط هذا العمل، منها: أن تختلي بمحارم الله؛قال : (فيجعلها الله هباء منثوراً ) أي: الصيام والصلاة والصدقةوالحج والبر كله، يجعلها الله هباء منثوراً.
رأى عمر رجلاً من الرهبان عليه أثرالعبادة، انقطع عن الدنيا لا يعرف غير الله -الرهبان من النصارى وغيرهم يعبدون الله جل وعلا طوال حياتهم لكن على ضلال- فبكى عمر ، فقيل له: وما يبكيك يا أميرالمؤمنين! قال: [تذكرت قوله جل وعلا: ((عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراًحَامِيَةً)) [الغاشية:3-4] ] عاملة في الدنيا وتنصب، وتشقى في العبادة، ثم تلقى يوم القيامة عذاباً أليماً خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].
قال ابن عمر لأبيه بعد أن تصدق بدرهم: [تقبل الله منك يا أبي! قال: يا بني! لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة بدرهم، لم يكن غائبٌ أحب إلي من الموت ] لو أن الله تقبل مني درهماً، أو سجدة كان أحب شيء إلي من الموت.
أمة الله: لنكن صادقات مع أنفسنا، لنضع أعمالنا في الموازين .. طاعاتنا وطاعاتهم و نقيسها ، ثم لنضع خوفنا من الله وخوفهم من الله جل وعلا في الميزان، من منا يخاف من الله أكثر؟(( وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [آلعمران:175].
كان مالك بن دينار عليه رحمة الله يقوم الليل قابضاً على لحيته وهو يبكي ويقول: "يا رب! يا رب! قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين مالك ؟" يصلي ويبكي ويقبض على لحيته وهو يقول: " ففي أي الدارين مالك يا رب " وكأنه يتمثل قوله تعالى( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)) [السجدة:16] لا يستطيع النوم، بل لا يهنأ له بال، خوفاً من الله.
انظرن إلى كثير من المسلمين .. قطْعٌ للأرحام، وعقوقٌ للوالدين وهي من الكبائر، وربا، ونظر، واستماع للحرام، ثم سلي عن طاعاتهم لا ترين منهم إلا القليل،ثم بعد هذا إن حادثتها قالت: إن ربي غفور رحيم، غفلة وأي غفلة، ويخبر الله عز وجل عن الناس إذا لقوا ربهم جل وعلا، قال( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].
يا أمة الله! كوني صادقاً مع نفسك، حاسبيها قبل أن تحاسب، لا تنظري إلى من حولك فأكثر الناس في غفلة، لا تنظري يمنة ويسرة، حاسبي نفسك قبل أن تحاسبى، ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [الحشر:18].
إن الله خبير بتلك الليلة عندما أذنبت ثم بكيت، وقلت: يا رب! أستغفر الله،يا رب! تبت إليك، يا رب! عاهدتك، إن الله خبير بتلك اللحظة عندما أصبت بالمصيبة،فقلت: يا رب! يا رب! لئن كشفت عني الضر لأومنن لك، ولأستجيبن لك، ولأعملن وأعملن،أين أنت الآن؟ تظنين أن الله ينسى؟(( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)) [طه:52] تظنين أن الله عز وجل غافل؟ لا والله،(( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)) [إبراهيم:42] إذاً ما الذي جرأك على الله؟ ما الذي جرأك على عقوبة الله؟
كوني صادقة، وحاسبي نفسك قبل أن يحاسبك الله جل وعلا، واعلمي أن اللهتعالى بعد التوبة ((غفارٌ لمن آمن وعمل صالحاً ثم اهتدى. ))
اسألك ياالله العفو والعافية واسألك رضاك والجنة
واجعلنا ممن يستمعون الى القول فيتبعون احسنه