زوج وامرأة وبعل :-
وقد جاء لفظ زوج في القرآن الكريم ليدلَّ على صنوف الكائنات الحية المقترنة ، والذي يعنينا من ذلك هو مجيء لفظ الزوج للدلالة على المرأة والرجل .
ولو أننا أقمنا الفرق بين المرأة و الزوج؛ لترجح لفظ الزوج للدلالة على قيام الزوجية ، وما يصاحبها من حكمةٍ وآيةٍ وسر تشريع .فحكمة الزوجية في الإنسان وسائر الكائنات الحية من حيوان ونبات - هي اتصال الحياة بالتوالد ، وفي هذا السياق يكون المقام لكلمة زوج وزوجين ، وأزواج من ذكرٍ وأنثى
(قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ )( هود: من الآية ٤٠) وقال (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)الرعد: الآية ٣.وقال(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) يس: الآية 36
أما عند خطاب القرآن الكريم للبشر خاصة فالناظر في الكتاب العزيز يجد أول وهلة تعبيرين لا يقوم أحدهما مقام الآخر ، فترى البيان القرآني يستعمل كلمة زوج حيثما تحدث عن آدم وزوجه :(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)البقرة آية 35 وفي ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ,قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ...)الأحزاب 28 وفي مقابل ذلك نجد القرآن يستعمل امرأة )) في مثل : امرأة العزيز ، وامرأة نوح ، وامرأة لوط ، وامرأة فرعون)
ولو أننا أقمنا مقامهما لفظ زوج فقلنا: زوج العزيز ، أو قلنا امرأة آدم, لاختلَّ سياق النظام القرآني, وأصاب الدلالة القرآنية التحريف.
قال تعالى (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)يوسف ,الآية 30.(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص ,الآية9 .(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ)التحريم , الآية10 .
وسر التفريق القرآني بين حال الرجل وزوجه والرجل وامرأته ، أنّ التزويج علاقة شرعية ,تدل على قوة ارتباط بين الزوجين ، وهو من أمر الدين توارد ذكره في مواطن إثبات صحة العلاقة الزوجية ، لا تنقضي حتى بعد الموت ؛ لأن الزوجية تمتد إلى الآخرة, فأشارت الآيات إلى تلك الزوجية : مقترنة بآدم وزوجه ,والنبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ، فإذا تعطلت تلك العلاقة بسقوط مقوماتها: من الوحدة النفسية ، والسكن ، والمودة والرحمة ، بخيانةٍ :كامرأة نوح ، وامرأة لوط , وامرأة العزيز ، أو تباينٍ في العقيدة : كإيمان امرأة فرعون – فيكون التعبير حينذاك بلفظ " امرأة " دون لفظ " زوج"
أما إذا كان مساق الكلام في ذكر الولادة والحمل فيترجح حينئذٍ لفظ"امرأة " على الزوج ، وإن كانت الزوجية متحققة بينهما ؛ وذلك لأن صفة الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع ،وهي متأتية من حيث كونها امرأة لا من حيث إنها زوج فضلاً عن أن الزوج يقع فيه اللبس؛لعمومه في الذكر والأنثى ، أما المرأة فليس يشركها في لفظها الرجل ،قال تعالى (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) مريم ,الآية 8.
وفرقت بنت الشاطئ بين آيات الطلاق وآيات الوفاة, فذكرت أنَّ آيات الطلاق تثبت فذكرت أنَّ آيات الطلاق تثبت تعطُّل الزوجية من حيث إنهاء تلك العلاقة بين الزوجين ؛ لذا يأتي حكم العدة متعلقاً بالنساء لا بالأزواج ، (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)البقرة 236,
ومثله الإيلاء (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)البقرة ,الآية 226, أما عدة الوفاة ، فيتعلق حكمها بالأزواج ؛ لأننا كما قلنا سابقاً : إن الموت لا يكون به انقطاع الزوجية ، وهو الذي ذهب إليه السهيلي,قال تعالى(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا)البقرة 234,
وذُكِر الزوج مرادًا به الرجل في قوله تعالى(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)المجادلة ,الآية 1, وهو لا يخرج في معناه عما تقدم من إثبات العلاقة الزوجية ، والآية وردت في معرض ذكر الظهار، وكان الحكم القرآني بأنَّ الظهار لا يبطل الزوجية , فقال تعالى(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)المجادلة ,الآية2.
أما البعل مرادًا به الزوج فيرد في القرآن ليعبر عما يكون بين الزوجين من الجماع ،وملاعبة الرجل أهله ، وهو مأخوذ من المباعلة والبعال كنايةً عن الجماع والملاعبة,
ولما كانت العبرة من ذكر لفظ ) البعل ( تلك الغاية ذكرها القرآن الكريم في موضع خوف المرأة من إعراض الزوج عنها أو نشوزه ؛ إذ تتعطل تلك الصفة ، قال تعالى :
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا)النساء: 128 , فكان خوفها من تعطل تلك الصفة بالنشوز والإعراض ، ومثل ذلك تعطلها بالشيخوخة ؛ لذا نجد زوجة إبراهيم عليه السلام تعرض بذلك(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)هود :72, والمعنى أنني كيف ألد وأنا عجوز ذلك من جهتها ، وزوجي شيخ لا يقوى على المباعلة ؛ لذا قال القرطبي( ت ٦٧١ ه ) في معرض تفسيره الآية : (( أنها عرضت – أي تكلمت بالتعريض وليس بالتصريح- بقولها هذا عن ترك غشيانه لها, وقال تعالى(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) ( النور: من الآية ٣١.
المصدر :كتاب دقائق الفروق اللغوية في البيان القرآني, محمد یاس خضر الدوري, وهي جزء من متطلبات درجة دكتوراه فلسفة في اللغة العربية / لغة
وهذا رابط الكتاب
http://www.upnow.us/download.php?file=718eb05c06306b715c45ffdddddc9c68