47*
الحمد لله الذي بعث النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد هو سبحانه وتعالى أنه {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختم به أنبياءه وهدى به أولياءه ونعته بقوله في القرآن الكريم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة وأفضل تسليم.
اما بعد ، ابتليت بطفل كذاب،فهو -على سبيل المثال-:قد يكسر احيانا كاسا او طبقا من اطباق الطعم ثم يتهم اخاه.وتراه احيانا راي العين يفعل الفعلة ثم اذا نبهته او انبته عليها انكر انه الفاعل.
ورجع يوما من المدرسة،وهويحمل لعبة من لعب الاطفال،ودخل البيت تبرق اساريروجهه من الفرح والسرور،وزعم لنا انها جائزة استحقها من معلمته،مكافاة على اجتهاده وتفوقه،وتبين لنا انه التقطها {،او قل سرقها}.من سقط بعض الطلاب الفائقين.
واكتفي بهذا القدر،وهذه المشكلة يعاني منها اولاد كثر،وتكوي بنارها الاسرة والمجتمع وقبل ذالك صاحبها نفسه،ولعل المشكلة قد اتضحت الان،سنحاول في هذه العجالة ان نبين الاسباب الداعية للاطفال على الكذب وكيف نتعامل معها؟ثم البحث عن الحلول المناسبة على ضوء الشريعة الاسلامية وعلوم السلوك الحديثة.
:7:
بادئ ذي بدء،ينبغي ان نعلم فبل كل شيء ان الصدق والصراحة والوضوح هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها،وان الكذب والنفاق والمراوغة هو تبديل لخلق الله،ولذالك فان الاطفال لا يكذبون ،لانهم يولدون على الفطرة،لكنن نحن الكبار الذين نعلمهم الكذب.
وعليه فان الكذب يعد سلوكا اجتماعيا سلبيا مكتسبا من البيئة المحيطة،ومن هنا تنبع ضرورة القدوة الصالحة وضرورة التزام الابوين بفضيلة الصدق خاصة،لينشا عليه اولادهم،كما يقول المعري:
وينشا ناشئ الفتيان منا ---------على ما كان عوده ابوه
،ومن الاهمية بمكان ايضا التزام اصول التربية الصحيحة واساليبها التي تنشئ الطفل تنشئة سليمة،وتحميه من الانحراف.
عوامل نشوء الكذب
لكل سلوك دوافع تقف وراءه،وهذا من المسلمات في علم النفس التربوي،ويسوق علماء السلوك والتربية عدة عوامل،تفسر نشوء الكذب وتبين انواعه،وتساعدنا على فهم ءاليته وكيفيته تكونه لكنها تفسره فقط ولا تسوغه ولا تعتبر مبررا للاباء لاهمال سلوك الكذب والمراوغة عند اطفالهم.
فمن العوامل التي تفسر نشوء الكذب تعلمه من الكبار وخاصة الابوين والاخوة الكبار والمعلمين،وهنا تظهر اهمية القدوة الحسنة،روى احمد في المسند،عن ابي هريرة-رضي الله عنه-عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-انه قال:من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة.جاء في سنن ابي داود،عن عبد الله بن عامر انه قال:دعتني امي يوما ورسول الله-صلى الله عليه وسلم-قاعد في بيتنا،فقالت:ها تعال اعطيك.فقال لها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:وما اردت ان تعطيه.قالت:اعطيه تمرا.فقال لها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:اما انك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة.ومن العوامل ايضا رضا الكبار واستحسانهم وتعزيزهم لكذبة الطفل من حيث لا يشعرون،وكثيرا ما نرى بعض الاباء او المعلمين يضحكون-لسذاجتهم وغفلتهم-من كذبة الطفل،ويعجبون له،ويتغنون بقدرته على نسج حكايات من خياله،وبعض الاهل يقبلون تبريرات الابناء لبعض المواقف،بل الادهى والامر من ذالك ان الاسرة قد تلقن الكذب للطفل،وانا اذكر ان جارة لنا كانت في منزلها،فاتتها احدى قريبتها لزيارتها،لكنها لما طرقت الباب،خرجت اليها ابنة جارتنا وقالت لها:قالت لك امي:انا لست هنا،وقد تضحكون من هذا الموقف لكنه في الحقيقة مؤسف جدا،وما راء كمن سمعا.
استخدام الابوين او المعلمين اساليب قاسية لمعاقبة الاولاد،فيلجا الطفل مضطرا للتخلص من العقوبة،وهو اسلوب من اساليب الدفاعلاعن النفس،ثم اذا تكرر ذالك السلوك صار له عادة.
وهناك من يكذب للتهرب من الواجبات والتكاليف.فيدعي المرض والعجز ونحوه من الاعذار،كالذين زعموا ان بيوتهم عورة،قال تعالى: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا .
وكذا عامل الشعور بالدونية والمنبوذية والنقص:ويكون الكذب هنا بهدف التعويض وسط الاخوة او الاقران او الفريق،فعندما يضمه مجلس يتباهى فيه اقرانه ببطولاتهم ومواهبهم ،فيلجا حينئذ الى الكذب واختلاق القصص والانجازات،لتفخيم الذات امام الاخرين،فقد يدعي ان اباه لديه شركات وعقارات وما ذاك الا لاجل اظهار انه ليس فقيرا بل هو غني،وهنا ينصح الخبراء بتعزيز ثقة الطفل بنفسه حتى لا يحس ينقص يضطره الى ان يتشبع بما لم يعط.
:12:
" الحلول المقترحة للمعالجة"
ولا باس بذكر قصص بعض الناجحين الذين تخرجوا من اسر فقيرة،ومن الضروري ايضا محاولة فتح حوار مع الطفل لمعرفة ءاماله واحلامه وتدعيم ثقته بنفسه وقيمته وانه يمكنه تحقيق بعض ما يحلم به عن طريق العمل والجد والمثابرة،وتفهيمه ان الله خلق الخلق متفاوتين في القدرات والامكانات ومايز بينهم في المواهب،ليتعاونوا فيما بينهم،وليكمل بعضهم بعضا،ولتحقيق غاية واحدة خلقوا لها،واعلامه بان افتقاره او افتقار اسرته الى بعض وسائل الترفيه او الكماليات لا يضيره ولا ينقصه بل ربما كان ذالك دافعا له لمضاعفة الجهد،وتذهب شعوره بالنقص بل تحل محله الشعور باهميته ودوره ورسالته.قد تقول:هذا كلام كبير على طفل صغير. . .نعم ينبغي ان تنقل هذه الافكار والخبرات باسلوب ميسر سهل مبسط مع استخدام فن الاقناع والتاثير،وتطعيم رسالتك اليه بالقصص الهادفة والامثلة للنماذج الناجحة من الصادقين المناسبة.
فهذا الإمام ابن شهاب الزهري يقول: [[ والله! لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت ]] .
وقد ظهر لنا ان معظم اسباب نشوء الكذب لدى الاطفال يكون باسهام من الاسرة: [عدم العدل بين الاولاد-عدم الثقة بهم-الاهمال-اساليب العقاب القاسية-القدوة السيئة-تعليمهم الكذب بشكل فج مباشر-عدم وجود جو من الحرية يسمح للطفل بالتعبير عن انفعالاته ومشاعره واشواقه وميوله. . . ].ولذالك فان الاسرة هي المسؤولة عن الوقاية اولا والمسؤولة عن العلاج ثانيا.
ويؤكد الخبراء ان معظم العلاج يقع على عاتق الاسرة،فهي الاكثر قدرة على ملاحظة سلوك الطفل وما يطرا عليه من تغييرات،وتنفيذ اساليب وجراءات خاصة ينصح بها علماء السلوك والتربية وربما احتاج الامر الى علاج عائلي يركز على فهم نظام الاسرة وطبيعة علاقتها وانماط معيشتها واساليب التربية فيها،بهدف التخلص من بعض العلاقات الاسرية التي تسهم في نشوء الكذب لدى الطفل وابدالها بعلاقات واساليب تنمي وتشكل السلوك البديل،وهو هنا الصدق بمفهومه الشامل.
ومن اهم الحلول اولا وءاخرا:تعزيز الوازع الديني لدى الطفل بتعليمه ان الله لا يحب الكاذبين،ويستحسن سرد بعض الايات القرءانية والاحاديث النبوية،قال سبحانه وتعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَت اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
،"فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ".وفي مصنف ابن ابي شيبة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ".عن مصعب بن سعد عن سعد قال : المؤمن يطبع على الخلال كلها غير الخيانة والكذب . عن عبد الله بن عمروقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه فهو منافق خالص ، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها : اذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) .ولا باس بذكر القصص التي تتناول الكذب واضراره وءاثاره السلبية وعاقبته في الدارين،مثل:قصة عبد الله بن عمر مع الراعي،وقصة الثلاثة الذين خلفوا،وقصة زيد بن ارقم مع عبد الله بن ابي بن سلول،وقصة يوسف الصديق،وينبغي ان يتناول المربي كل هذه الاشياء بشكل ميسر يتناسب مع مستوى الطفل ومدى قدراته العقلية والنفسية.
واخيرا:الدعاء،عليكم بالدعاء ايها الاباء الكرام،فهو الاول من حيث قيمته واثره واهميته،فتلجا الى الله ايها الاب الكريم وايتها الام الرحيمة بالدعاء والضراعة والمناجاة بان يصلح الله ويبارك في ذريتك ويصلح ولدك،وان يطهر قلبه من النفاق ولسانه من الكذب،وان يهديه ويسدده.
:17:
ولنعلم انه ما عاش المجتمع الإسلامي الأول في ظل الأمن والاستقرار والسعادة إلا لأن أفراده كانوا يتحرَّوْن الحقَّ، ويتصفون بالصدق في علاقاتهم وعباداتهم ومعاملاتهم؛ بل في كل حياتهم الخاصة والعامة، والمؤمنون كذلك صُدُق في كل زمان ومكان.
ألا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أمرتم بالصلاة عليه: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى أهله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين.
اللهم أصلح من بصلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.
رباه! إن حالنا لا يخفى عليك، وذلنا ظاهر بين يديك، والمسلمون عبيدك وبنو عبيدك، وحملة كتابك وأتباع رسولك وحبيبك؛ قد تمزق شملهم، وتفرق جمعهم، وذهبت هيبتهم، ونال منهم عدوهم، وطمع فيهم الأذلاء، وسلط عليهم بذنوبهم من لا يخافك ولا يرحمهم.
اللهم فالطف بهم بلطفك الخفي والجلي، اللهم الطف بهم بلطفك الخفي والجلي، اللهم لا تعاملهم بما فعل السفهاء والكبراء منهم يا رحيم يا منان.
اللهم ارحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة عامة شاملة يعز فيها أولياؤك، وينصر جندك، ويذل فيها أعداؤك وأعداء دينك وشريعتك وكتابك العظيم.
اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الطيب الطاهر المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمت نسألك فرجاً عاجلاً للمضطهدين والمستضعفين من المسلمين، وهلاكاً للطغاة والظلمة المجرمين، تباركت أسماؤك وتقدست صفاتك ولا إله غيرك.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا على من بغى علينا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا.
اللهم احفظ شباب هذه الأمة الذي آمن بك رباً وبنبيك قائداً وبدينك منهاجاً وطريقاً.
اللهم احفظهم من كيد الكائدين وحقد الحاقدين من أعداء دينك وصراطك المستقيم.
اللهم ثبتهم على الحق، وانصر بهم دينك، واجعلنا وهم من الصادقين والصابرين والمجاهدين في سبيلك يا أرحم الراحمين!
اللهم وأقم دولة القرآن في كل مكان، وأحينا بها سعداء كرماء أو أمتنا دونها شهداء، واجعلنا من أهل الصلاح والفلاح والنجاح يا سميع الدعاء.
اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، اللهم وأهلك الكفرة الفجرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك وعبادك الصالحين.
اللهم أنزل عليهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم يا قريباً لمن دعاك! يا مغيثاً لمن لاذ بحماك! يا معيذاً من استعاذ بك، نسألك أن تعيذنا من النار ومن دار الخزي والبوار.
اللهم حقق رجاءنا، واقبل دعاءنا فإنك أنت القائل: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60] .
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، وأنت الرحيم الرحمن الحليم المنان يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم فلا تردنا خائبين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .
:30:
كاتبه عبد ربه،الفقير الى عفوه عبد البارئ