النورسي الصخرة التي تحطمت عليها رياح الإلحاد
بقلم : المهندس حسين الحياري- الأردن
هبت رياح الإلحاد وعواصفه الشديدة على تركيا بعد سقوط الخلافة وقيام الجمهورية، وحاولت هذه الرياح اقتلاع الإسلام من جذوره بحيث لا يبقى له أثر في حياة الناس، مستغلة ومستخدمة ما تملكه من قوة ونفوذ داخلي وتأييد غربي، وعملت هذه الرياح على تغيير وجه تركيا الشرقي المسلم إلى وجه علماني غربي، قاطعة كل صلة لها بماضي البلاد وحضارتها الإسلامية العتيدة. واستخدمت كل وسائل القمع والإرهاب والظلم لتحقيق مآربها.
وشاء الله أن يهيئ رجلا ليقف بكل شموخ وصلابة في وجه هذه الرياح العاتية ويحطم شدتها وأعاصيرها على صخرته الصلبة ،كان هذا الرجل لا كباقي الرجال ، كان رجل عركته الحياة فعركها ، رجل مليء بالإخلاص والإيمان والغيرة الشديدة على الإسلام ورسالته الخالدة وكان قلبه يتفطر ألما وحزنا على ما أصاب المسلمين بعد الحرب العالمية الأولى من هزيمة و فرقة وتشرذم وتقسيم لبلادهم وسيطرة الكفار عليها . وكان هذا الرجل قد اعتزل السياسة والناس وانزوى بعيدا عنهم في كهف على جبل أرك المطل على مدينة وان في شرقي تركيا ، ابتعد عن المدن وأضوائها وعاش وحيدا في كهفه يتعبد الله ويتأمل أثره في مخلوقاته ،ويشاء الله أن تقوم رياح السموم صاحبة النفوذ المسيطرة على الحكم بأخذه من كهفه وبالقوة وتنفيه إلى مكان بعيد لا يعرفه فيه احد وتضع عليه العيون والجواسيس حتى تمنعه من الاتصال بالناس ، وهناك في المنفى البعيد في بارلا يعيش هذا الرجل السنوات الطوال وحيدا غريبا مراقبا ومضايقا عليه في كل حركاته .
كان هذا الرجل هو الأستاذ سعيد النورسي العالم الجريء والمجاهد الشجاع الذي لا يرضى بالظلم ولا يقره ولا يقبله لنفسه ولغيرة كما علمه الإسلام ، كان صاحب همة عالية وإرادة حديدية ونفس كبيرة لا يرهقها المرض ولا الشيخوخة ولا يتعبها النفي ولا السجن كان كما قال الشاعر :
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
بدا هذا الرجل الصخرة ورغم قلة الحيلة وضيق اليد وبتوفيق من الله أولا ، بالوقوف كالطود الشامخ أمام رياح الإلحاد ومخططاتها الخبيثة ، عرف بذكائه الخارق هدف قوى الإلحاد الساعي إلى قلع جذور الإيمان و الإسلام من صدور الرجال ومن المجتمع كله ليغير وجه البلاد كلها ، فعرف كيف يتصدى لكل هذه الأخطار ، بدأ بنفسه التي هذبها بالقران الذي جعله وجهته وقبلته، وأتكل على الله وحده فملأ قلبه وقوله وعمله بالإخلاص ، فوفقه الله إلى ما أراد وجعله الصخرة التي تكسرت عليها رياح الإلحاد.
كيف حصل هذا وكيف تم ، بل كيف استطاع رجل واحد غريب طريد منفي أن يقف في وجه مخططات عالمية ومحلية مدعومة بالقوة والمال والنفوذ ؟ انه الإخلاص لله الذي هو أساس نجاح أي عمل. فمن أخلص عمله لله وجعله له وحده وفقه الله إلى كل ما يريد ويبغي.
هكذا كان أمر الأستاذ ألنورسي رحمه الله ، فلم تلن في عضده السجون ولا النفي ولا مؤامرات السم شيئا ولم تفت من همته ، بل استمر في مقاومة الإلحاد ورياحه بالكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها بالسماء ، والتي أتت أُكلها بإذن ربها بأحسن ما يكون . نعم، كانت الكلمة الطيبة هي سلاح الأستاذ والإخلاص دليله والتوكل على الله طريقه وإيمانه المطلق بأن الله مظهر دينه ولو كره المشركون.
نهض هذا الرجل المعجزة رغم المرض والشيخوخة ولم يتخلّ عن واجبه الذي اختاره الله له وقام بأداء المهمة الكبيرة التي ألقيت على عاتقه ، تحمل ما لا تستطيع الجبال تحمله ، فحول الله له السجن إلى مدرسة والنفي إلى سياحة والعزلة إلى وقت ثمين يكتب فيه رسائله .
نعم في هذا الجو ، جو السجن والنفي والعزلة كتب النورسي رسائله الشهيرة ( رسائل النور ) المستوحاة من هدي
والتي كانت بحق كعصا موسى التي تلقفت أباطيل السحرة وأكاذيبهم وأظهرت كذب وضعف الفراعنة، وكسيف ذي الفقار الذي مزق وجوه أهل الكفر والشرك والإلحاد.
كانت رسائل النور هي سلاح الأستاذ القوي الذي قاوم به سلميا كل مخططات الإلحاد، ووقفت كالسد المنيع في وجه أهدافه ، إذ انتشرت هذه الرسائل وبسرعة كبيرة في كل أرجاء تركيا. وكتبتها وحملتها الأيدي المؤمنة من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة ، وتربى على أفكارها مئات الآلاف من الشباب والرجال والنساء وانتشر النور القرآني وأضاء عتمة الليل الحالك في سماء تركيا، إنه نور الله الخالد على مدى الدهر، رسالة الأنبياء والأولياء والمصلحين المخلصين، انه النور الذي لا تستطيع كل قوى الإلحاد والجاهلية مهما أوتيت من قوة أن تبدده ،انه نور الله الخالد ما بقي الليل والنهار وما بقيت الحياة على هذه الارض .
أيها الشباب : اطلعوا على سيرة هذا الرجل العجيب النادر واقرؤوا رسائله (رسائل النور) وتعلموا منه أن الإخلاص لله سبيل النجاح والفلاح وتحقيق الآمال، وتعلموا من رسائله أن الإنسان إذا ما آمن بالله وأخلص له يستطيع أن يحقق المعجزات وأن يكون رائدا لأمته وهاديا لها لطريق الحق.ولتكن سيرة هذا الرجل المخلص المؤمن مرشدا لكم في حياتكم فلا المرض ولا السجن ولا النفي ولا الشيخوخة تقف في وجه الإنسان، وتمنعه من أن يقوم بأداء رسالته الخالدة وخدمة أهدافه السامية عندما يكون الإخلاص لله رائده والفوز بالجنة هدفه وأسمى أمانيه.
أيها الشباب : اجعلوا للأستاذ الشيخ سعيد النورسي مكانا من دعائكم، واسألوا الله له المغفرة والرحمة والرضوان وأن يكثر الله من أمثاله من العلماء العاملين المخلصين الناطقين بالحق رغم كل الصعوبات والعوائق ، رحم الله الأستاذ النورسي وغفر له ورضي عنه وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء.