يتميز القَصَص القرآنيّ عن غيره من سائر
القصص بخصائص يعلو بها جلالةً وقداسةً, ويزداد بها بلاغة وإعجازًا, ويعظم بها أهمية وتأثيرًا, وبهذه الخصائص استحق أن يُوسَم بأحسن القصص في قوله تعالى:" نحن نقص عليك أحسن القصص " ، فمن تلك الخصائص:
أولاً: التكرار الهادف المعجز:
ولما لهذه الخِصِّيصة من تميز وظهور، فإنما أفردنا الحديث عنها لبيان المراد بإطلاق ( التكرار) في القرآن, وبيانِ مغازيه وأهدافه التي تزيده سموًا ورفعة, وبيانِ الكتب التي ألفت خاصة في بيان تلك الروعة القرآنية.
ثانيًا: الواقعية التاريخية :
ونعني بها أن كل ما في قَصص القرآن الكريم من أخبار الأولين هي حقائق تاريخية صادقة لا يصادمها عقل, ولا يخالفها نقل, وسواءٌ في تلك المصداقية ما كان من أخبار الأنبياء مع أقوامهم, وما كان من قبيل المعجزات وخوارق العادات, كانفلاق البحر، وكلام الهدهد والنملة, وليس فيها أي نوع من التناقض أو الاختراع, ولا أي شكل من أشكال الخيال أو التصوير المجرد عن الحقيقة, ولا أي صورة من صور الرمز أو الإشارة.
ثالثًا: الشمولية المطلقة :
فقصص القرآن الكريم شاملة من عدة جهات:
أولاً: في حصر النفوس المخاطبة وطِباعها ووجهاتها ومكامن شعورها.
ثانيًا: في تنويع الأساليب والوسائل الملائمة لكل جنس وطبقة ولون.
ثالثًا: ومن حيث الزمن؛ فالقصة تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل.
رابعًا: ومن حيث شمولية موضوعاتها؛ فكما أنك تجد في موضوعات القرآن الكريم شمولاً، فكذلك تجد في قصص القرآن الكريم شمولاً لكل تلك الموضوعات, من عقائد وعبادات وأخلاق وآداب اجتماعية واقتصادية وسلطانية وغير ذلك.
فالغاية الأولى من قصص القرآن الكريم هي تأملها وأخذ العبرة منها، وتصحيح العقائد والأخلاق, حتى ينصلح الفرد والمجتمع, وليست الغاية قاصرةً على إمتاع النفوس بسماع قصص مسليِّة أو بطولات خيالية, أو إظهارَ براعة أدبية مجردة عن هدف الإصلاح - كما هو الحال في عامة الفنِّ القصصي - وليست الغاية أيضا سردًا تاريخيًا جافا, كما هي مهمة المؤرخين, فالقرآن الكريم بكل ما فيه من قصص وغيرها هو كتاب هداية وعبرة بالدرجة الأولى, قال تعالى:" لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديقَ الذي بين يديه وتفصيلَ كل شيء وهدًى ورحمة لقوم يؤمنون " .
إن القصة تمثل جزءًا كبيرًا من القرآن الكريم, وبالتالي فهي كسائر القرآن في كل خصائصه وسِمَاته العامة, ومن ذلك كونه معجزً؛ فوجوه الإعجاز التي تجدها في سائر القرآن الكريم تجدها في القصص
, لكن القصص يزيد على ذلك بوجوه أخرى من الإعجاز تميزه عن غيره.. فمن تلك الوجوه: التكرار الهادف؛ حيث تجد في كل موطن من العبر واللطائف والإشارات ما لا تجده في نفس القصة في موطن آخر, ومن وجه آخر؛ حيث يعجز إنسان مهما أوتي من البيان عن التنويع في قصة واحدة بضروب من الفصاحة, دون أن تظهر عليه علامات الضعف أو الرِّكَّة أو التفكك أو التكلف. ومنها: إخباره عن قصص ماضية دارسة صدَّقها أهل الكتاب. ومنها: إخباره عن قصص مستقبلة غيبية.. منها ما صدقتها الأيام, ومنها ما سيقع.. وغير ذلك مما هو مبسوط في مظانِّه من كتب الإعجاز