الدعاء
إعداد / عبد الحميد محمد الراوي
الحمد لله رب العالمين , أحمده سبحانه أنشأ خلقه وبري وقسم أحوال عباده غنا وفقرا ونزل الماء وشق أسباب الثري , أجري علي الطائعين أجرا وأسبل علي العاصين سترا , سبحانه يقبل تائبا ويعطي محروما ويغني فقيرا ويهلك ظالما , يرفع أقواما ويضع أخرين ماللعباد عليه حق واجب إن عذبوا فبعدله وإن نعموا فبفضله وهو الواسع الكريم .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له راحة القلب في لقاء الله وراحة النفس في ذكر الله .
يامن له عنت الوجوه لوجهه رهبا وكل الكائنات توحد
أنت الإله الواحد الحق الذي كل القلوب له تقر وتشهد
وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله صلاة وسلاما علي من شرف الله قدره وأيده بالمعجزات وبالحكم – سلام علي من قال للبدر في السما ألا يابدر فأنقسم نصفين فأنقسم – سلام علي من شق جبريل صدره صغيرا ولم يحس لذلك من ألم – سلام علي من سار إلي العلا ليلا وكان له جبريل من جملة الخدم – سلام علي من قال يارب أمتي أجرها من النار قال له نعم فأنت لها عز وموئل وأنت شفيع الخلق إن زلت القدم .
أما بعد
أيها الإخوة المؤمنون أسأل الله تعالي الذي جمعني وإياكم في هذا المكان الطيب أن يجمعنا في جنته ودار مقامته إنه ولي ذلك والقادر عليه
إذا نظرنا في وسط الأيات التي تتحدث عن الصيام نجد أن الله تعالي يقول (وإذا سألك عبادي عني فأني قريب .... ) وهنا يأتي لنا سؤال هل هناك علاقة بين الصيام والدعاء ؟
نعم أيها الأحبة هناك علاقة وثيقة بين الصيام والدعاء لأن للصائم عند فطره دعوة لاترد والله تعالي من أسمائه الكريم والكريم هو الذي يعطي دون أن يسأل فكيف إذا سئل ؟ .
جاء رجل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال يارسول الله أقريب ربنا فنناجيه ؟ أم بعيد فنناديه ؟ ( فنزل قول الله تعالي وإذا سئلك عبادي عني فإني قريب .... )
هذه الأيه لو تأملنا فيها نجد أن فيها معاني خطيرة , فالله تعالي يقول ( فإني قريب ) كان من الممكن أن يرد عليه الرسول صلي الله عليه وسلم , لكن الذي رد عليه هو القريب سبحانه وتعالي .
أيضا من المعاني الجميلة في الأية الكريمة يقول المولي سبحانه وتعالي ( أجيب دعوة الداعي) لم يقل دعوة المصلي – ولم يقل دعوة المؤمن – ولم يقل دعوة التقي , وإنما قال دعوة الداعي , كأن الله تعالي يقول لك لست أنا الذي اختار الوقت الذي أستجيب فيه الدعاء ولكن في أي وقت تأتي إلي وتدعوني فأهلا بك – تخيل الأمر موقوف لك أنت .
لذلك كل الأسئلة الواردة في القران الكريم لو تتبعتها بلفظ قل أي قل لهم يامحمد كذا وكذا
( يسئلونك عن الأهلة قل ... ) ( يسئلونك عن المحيض قل ... ) ( يسئلونك عن الأنفال قل ... ) الإجابة الوحيدة التي ليس فيها قل ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
منك لله مباشرة لست محتاج أن تقول يارسول الله قل هو الدعاء .
لذلك يقول الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم ( الدعاء هو العبادة ) تخيل تريد أن تعرف الدعاء أي شئ هو ؟ الدعاء هو العبادة . إذا كان الدعاء هو العبادة فأين الصلاة والزكاة والحج أليست كل هذه عبادات ؟ أقول لابد أن نعرف معني العبادة أولا , العبادة مأحوذة من العبودية والعبودية يعني أنك عبد والعبد من أهم صفاته أنه مسكين , منكسر محتاج لمولاه , من أهم صفات العبودية الذل والمسكنة وأكثر شئ يجعلك تحس بالذل والعبودية هو سؤال الله والدعاء لذلك الدعاء هو العبادة .
فلا يمكن أن تحس بالذل إلا وأنت واقف رافع يديك لله , لذلك يقول الله تعالي ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) وكان القياس في غير القران الكريم أن يقول الله تعالي إن الذين يستكبرون عن دعائي لكن الله تعالي رفع كلمة الدعاء ووضع مكانها كلمة العبادة وأعتبر الذي لا يدعوه متكبر , فلماذا لا ترفع يديك إلي الله هل أنت لست محتاج إليه ؟ لذلك لابد أن نفهم الدعاء بشكل جديد , فهذه هي عبوديتك لله ليس بإرادتك فكل فرد منا عنده مشاكل في حياته – كل واحد منا عنده أمال يريد أن يحققها – كل إنسان له طموحات يريد أن يصل إليها – هل فينا من أحد مستريح في حياته وليس محتاج إلي الله تعالي ؟ وكأن المشاكل وزعت كي تلجأ إلي الله تعالي .
يقول الله تعالي في الحديث القدسي ( ياعبادي كلكم ضال إلا من هديته فأستهدوني أهدكم , ياعبادي كلكم عار إلامن كسوته فأستكسوني أكسكم , ياعبادي لو أن اولكم وأخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ثم سئل كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر ) لو أن الناس جميعا منذ بدء الخليقه وقفوا في أرض صحراء واسعة وكل منهم رفع يديه إلي الله يطلب مسألته يارب أعطني كذا – يارب أعطني كذا تخيل مليارات البشر ما نقص ذلك في ملك الله شيئا .
أنواع الدعاء الدعاء نوعان 1- دعاء مسألة 2- دعاء عبودية
1- دعاء المسألة : إذا أردت أن تحس بقربك من الله لن يكون ذلك إلا بالدعاء وأسألك سؤالا هل فكرت في يوم أن تدعوا الله تعالي بنية القرب منه سبحانه ؟ لن ولم تتعلم العبودية إلا من خلال الدعاء وأسمع إلي حديث النبي صلي الله عليه وسلم ( ليس شئ أكرم علي الله من الدعاء) أكرم موطن لك مع الله أن ترفع يديك وتقول يارب أريد كذ وأريد كذا حتي ولو كانت الدنيا .
يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) ويقول أيضا ( إن الله حيي كريم يستحي أن يرفع العبد يديه ثم يردهما صفرا خائبتين ) .
نماذج إ ستجابة الدعاء
يضرب الله تعالي نماذج كثيرة في أمور مختلفة إستجاب فيها الدعاء , أنظر إلي سيدنا نوح عليه السلام عودي من قومه وكان عدد المؤمنين قلة في وسط هذا الهم دعا الله تعالي ماذا قال دعوة من ثلاث كلمات ( رب إني مغلوب فانتصر ) كانت الإجابة ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا ) ماء من السماء وماء من الأرض .
دعوة سيدنا زكريا لما حرم الولد وكانت إمرأته عاقر وعجوز لا تلد ولا يوجد عنده أولاد , ورجل هرم وقف يدعوا الله ماذا قال ؟ ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) لا تتركني وحدي عايز عيال كانت الإجابة ( فأستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له وزجه )
دعوة سليمان عليه السلام وهو من الأمم السحيقة قبل عصر التكنولوجيا والإنترنت والسموات المفتوحة وقف يدعوا 0 ( رب هب لي ملكا لاينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) هل سمعت بملك من ملوك الدنيا أوتي مثل ما أوتي سليمان حتي يومنا هذا ؟
دعوة سيدنا إبراهيم عليه وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام في وسط صحراء جرداء ليس فيها زرع ولا بشر قال ( رب إجعل هذا بلدا أمنا وأرزق أهله من الثمرات من أمن منهم بالله واليوم الأخر ) فمكة وهذه البلاد بما فيها من الخير اليوم ببركة دعوة سيدنا إبراهيم .
وأنظر إلي دعوة حبيبك محمد صلي الله عليه وسلم سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه كانت له أم كافرة ترفض الإسلام وتسب النبي صلي الله عليه وسلم فجاء إلي رسول الله وقال يارسول الله , أمي ترفض الإسلام أعرضه عليها فتسمعني فيك ما أكره – فماذا تريد يا أبا هريرة ؟ أدعوا الله ان يهدي أمي إلي الإسلام يارسول الله , فقال النبي اللهم أهدي أم أبا هريرة يقول فأستبشرت بدعوة النبي وعدت إلي أمي فقالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله قال فضحكت حتي بكيت فذهبت مسرعا إلي رسول الله أبكي من الفرح فقلت أبشر يارسول الله قد أستجيبت دعوتك .
فسيدنا أبو هريرة جرب الموضوع لقاه نفع فقال يارسول الله ادعوا الله أن يحببني وأمي إلي المؤمنين , هي دي الدعوة التي أريدها منك فقال النبي اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلي المؤمنين يقول أبو هريرة فلم يسمع بي أحد ولم يراني إلا أحبني ببركة دعوة النبي .
النبي يوم بدر الصحابة نائمون والنبي تحت شجرة يبكي ويقول ( اللهم أنجز لي وعدك , اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض ) ويرفع يده ويتذلل ويسقط ردائه ويظهر بياض إبطيه وسيدنا أبو بكر يقول له هون عليك يارسول الله إن الله منجز لك ما وعد فأهم شئ أيها الأحوة هو الدعاء .
النبي يوم الخندق لما حاصر الكفار المسلمون قالوا يارسول الله إنهم يحيطون بنا من كل جانب ماذا تقول ؟ قال ( اللهم أستر عوراتنا وأمن روعاتنا ) فو الله ما من يوم أو يومين إلا قذف الله فيهم الريح – لكل نبي دعوة مستجابة وأخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة .
سؤال قائم
إذا قلت هذه نماذج من دعوات الأنبياء فأين نحن منهم ؟
أقول لك تعالي معي إلي إمرأة سيدنا إبراهيم السيدة ( ساره ) ليست صحابية ولا نبية , لما سافر سيدنا إبراهيم أخذها فرعون مصر يريد أن يعتدي عليها فلما وقعت بين يديه دعت بهذا الدعاء ( اللهم إني قد أحصنت فرجي إلا علي زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر ) فشلت يده .
إنظر إلي كلمة سفيان إبن عيينة : قال ( لا يغرنك أن لا يستجيب الله لك لما تعلمه عن نفسك من السوء فإن الله قد إستجاب لشر الخلق إبليس )
يعني أنت تعرف أنك مقصر في حق الله فليس معني هذا ألا تدعوا فإن الله إستجاب لإبليس لما قال ( قال ربي أنظرني إلي يوم يبعثون قال إنك من المنظرين ) فإن الله قد إستجاب دعوة إبليس فأنت يا مسكين لا يستجيب دعوتك .
ورد في الأثر أن فرعون وهو يغرق إستجار بموسي سبعين مرة فقال له الله لقد إستغاث بك فرعون سبعين مرة فلم تجبه فلو إستغث بي مرة واحدة لوجدني قريبا مجيبا , وهو من ؟ الذي قال أناربكم الأعلي .
شروط إستجابة الدعاء
1- اليقين في الله يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ) أي أدعوا الله وأنت علي يقين أن الله تعالي سوف يستجيب لك دعائك .
يقول رسول الله ( إذا دعا أحدكم فلا يقولن الله إن شئت ) ولكن عظم المسألة اللهم أقسمت عليك أريد كذا وكذا .
2- الخشوع بين يدي الله يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( إعلموا أن الله لا يستجيب من قلب عبد لاه غافل ) لذلك يقول أحد التابعين أنا أعلم متي يستجاب لي فقالوا له متي ؟ قال إذا خشع قلبي وسكنت جوارحي ودمعت عيني .
يقول أحمد إبن حنبل أتدرون كيف يجب أن يدعوا المؤمن قالوا كيف ياإمام ؟ قال أرأيتم لو أن رجلا في بحر هائج متلاطم الأمواج وهو متعلق بخشبة فبدأ يدعوا يقول يارب انقذني فهكذا يجب أن يدعوا المسلم .
( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) فلماذا يجيب المضطر لأنه يدعوا بذل ومسكنة – إستشعر فقرك يمدك بغناه – إستشعر ذلك يمدك بعزه – إستشعر عجزك يمدك بقوته .
3- عدم الإستعجال في الإجابة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( يستجاب لأحدكم مالم يعجل ) فالله يريد أن يسمع صوتك .
4- أكل الحلال فإذا أكل الإنسان حراما فلا يستجاب له دعاءا أبدا
أشكال إستجابة الدعاء
إستجابة الدعاء يأخذ صورا ثلاثة – إما أن يأخذه كما هو يارب أريد كذا تكون الإجابة فورية –أو يؤخر لك يوم القيامة – أو يصرف عنك من السوء بمثله .
يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( مامن رجل يدعو بدعاء إلا أستجيب له إما أن يعجل له في الدنيا وإما أن يدخر له في الأخرة وإما أن يكفر عنه بمقدار ما دعا ) .
إفترض مثلا أن إنسانا يريد شيئا معينا فدعا به , من قال لك أن دعائك هذا فيه الخير لك لا يعلم هذا إلا من خلقك فمن الممكن أن تدعوا بدعوة فيها شر لك مثلا ( يارب أريد أن أتزوج فلانة من الناس)ففي علم الله سبحانه وتعالي أن زواجك منها فيه ضررلك فلا تستجاب دعوتك ولكن تؤخر لك إلي يوم القيامة , أنظر إلي رحمة الله تعالي بك أو لا تستجاب لك ولكن تصرف عنك من السوء بمثلها حتي إن الله تعالي يحضر العبد يوم القيامة فيقول له إنك مادعوتني دعوة إلا خبأتها لك أتذكر دعوة كذا ؟ يقول نعم يارب فيقول أجبتها لك في الدنيا – أتذكر دعوة كذا ؟ لم أجبها لك في الدنيا ( كنت أريد أن أتزوج فلانة بنت فلان ) ولم أتزوجها , فيقول له الله تركت لك في الجنة من الخير كذا وكذا , حتي يتمني العبد أن لم تجب له دعوة في الدنيا .
أوقات إستجابة الدعاء :
1- الثلث الأخير من الليل , يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أقرب ما يكون العبد في الثلث الاخير من الليل ) ويقول أيضا ( إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم إلا أعطاه الله ما سأل ) وجاء رجل إلي رسول الله فقال أي الدعاء أسمع قال ثلث الليل الأخير ز
2- ساعة من يوم الجمعة – بين الأذان والإقامة – عند ختم القران الكريم – دعوة الأخ لاخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل به كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل أمين ولك بمثل .
3- الدعاء علي أعداء الإسلام , خبيب بن عدي لما قتله كفار قريش ظلما وهو يموت دعا عليهم ( اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددا ولا تبقي منهم أحدا ) من كثرة خوف الكفار من دعوة خبيب ناموا علي الأرض حتي لاتصيبهم الدعوة , فكان من ضمن الناس الذين كانوا موجودين سعيد إبن عامر الجمحي أسلم بعد قتل خبيب بعشرين سنة فكل فترة من الزمن كانت تاتيه رعشة ( صرع ) ويقع علي الأرض فسيدنا عمر يأتي به ويقول ماذا يحدث لك ؟ فيقول ياأمير المؤمنين أصابتني دعوة خبيب بن عدي .
اللهم تقبل توبتنا وأغسل حوبتنا _ اللهم إجعلنا نخشاك كأننا نراك ومتعنا برؤياك .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .