الحمد لله الذى قسم خلقه إلى تقي أواب ، وفاجر كذاب ، أما التقى الأواب همته طلب الخيرات والإكتساب وبغيته الزلفى إلى الله والإقتراب ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب )
وأما الفاجر الكذاب همته مصروفة إلى اللهو والطعام والشراب يعمر جسمه وقلبه خراب ، فكيف إذا كشف الحجاب ، وحق عليه قول رب الأرباب ( ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب )
وأشهد ألا إله إلا الله الملك الوهاب ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( نعم العبد إنه أواب ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الآل والأصحاب .
- للعلم شرف عظيم ، وللعلماء مكانة رفيعة ، ويكفي أن الله تعالى من أسمائه الحسنى ( العليم ) ، وهو سبحانه وتعالى الذي علم آدم الأسماء كلها ، وجميع الرسل والأنبياء جاءوا لتعليم البشر أمور دينهم ودنياهم حتى يفوز من اتبعهم بالدارين الدنيا والأخرة
- - أبها المؤمنون تعالوا معي لنرى مكانة العلم والعلماء فى القرآن الكريم .
- قال تعالى ) شهد الله أن لا إله إلا الله والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لاإله إلا هو العزيز الحكيم )
- انظر ياأخي شرف أهل العلم وهذه المكانة العلية
= اسشهد الله تعالى أهل العلم مع الملائكة دون غيرهم من البشر
= أقرن شهادتهم بشهادته
= وصفهم بالقسط ( أى العدل )
=استشهدهم الله عزوجل على أمر عظيم وهو التوحيد لله عزوجل
- ولعلو منزلة أهل العلم كذلك :
= أن الله سبحانه وتعالى نفى التسوية بينهم وبين غيرهم كما نفى سبحانه وتعالى بين أهل الجنة وأهل النار ، فقال تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )
= جعل الله أهل الجهل بمنزلة العميان الذين طمست أبصارهم وبصائرهم فقال تعالى ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ..)
+ فى الباب آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تدل على علو وشرف العلم وأهله .
=حكم تعلم العلم :
- جاء عن أحمد يجب تعلم القرآن ما يجزئه فى صلاته
- وقال بن حزم فى الإجماع قبل السبق والرمي : اتفقوا أن حفظ شىء من القرآن واجب ولم يتفقوا على ماهية ذلك الشىء ، واتفقوا على أنه من حفظ أم الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم وسورة أخرى معها فقد أدى فرض الحفظ .
- - واتفقوا على استحباب حفظ القرآن الكريم كله و أن ضبط جميعه واجب على الكفاية لا متعين .
- وقال أحمد فى رواية أحمد بن الحسن وقيل طلب العلم فريضة ؟ قال : نعم لأمردينك وما تحتاج إليه من أن ينبغي أن تعلمه .
- وقال أحمد عن هذه المسألة حين سئل عنها . يجب تعلم ما يقيم به دينه من الصلاة والزكاة وذكر شرائع الإسلام
- أما حديث ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) ففيه أقوال كثيرة تدل على أنه معلول أوأنه لم يصح ، قال بن عبد البر : هذا حديث يروى عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها معلولة لا حجة فى شىء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد .
- وقال بن منصور قال لى اسحاق بن راهويه : ( طلب العلم واجب ) لم يصح الخبر فيه إلا أن معناه قائم ولابد للمسلم أن يتعلم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته ، إذا وقعت فلا حاجة للوالدين فى ذلك . وأما من خرج يبتغي علما فلابد له من الإستئذان من والديه لأته فضيلة ، فالنوافل لا تبتغى إلا بإذن الأباء
= الحث على طلب العلم :
قال عقبة بن عامر : تعلموا قبل الظانين . قال البخاري يعني الذين يتكلمون بالظن .
- ومعنى ذلك تعلما العلم من أهله المحقيقن الورعين قبل ذهابهم ومجىء قوم يتكلمون فى العلم بظنونهم التى ليس لها ميتند شرعي .
- وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار .
- وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : عليكم بالعلم قبل أن يقبض وإياكم والتنطع والتبدع وعليكم بالعتيق .
- وقال بن الجوزي رحمه الله فى روية عن عبد الرحمن بن مهدى قال : كان الرجل إذا لقي من هو فوقه في العلم كان يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه فى العلم تواضع له وعلمه ,
= هل هناك سن معين للعالم أو المتعلم ؟
والجواب .. . أنه لا يشترط سن معين للعالم أو المتعلم ، فكثيرا ما نجد أن المتعلم أكبر سنا من إستاذه ، وقد روي أن حكيم بن حزام رضي الله عنه كان يقرأ على معاذ بن جبل رضي الله عنه فقيل له تقرأ على هذا الغلام الخزرجي ؟ قال نعم إنما أهلكنا التكبر .
· معاذ بن جبل أعلم الناس بالحلال والحرام :
-كان بعض الصحابة يشبه معاذ رضي الله عنه بسيدنا إبراهيم عليه السلام أى أنه كان ( أمه ) ومعناها فاعل لخير ومعلمه والقانت والمطيع ...... وكان معاذ كذلك
-كان من الذين يتصدرون للفتوى حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : عن سهل بن أبي حتمة قال: كان الذين يُفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين – عمر وعثمان وعلي ، وثلاثة من الأنصار هم أبي بن كعب ومعاذ وزيد .
-وعن على بن رباح قال : خطب عمر الناس بالجابية فقال من أراد الفقه فليأت معاذبن جبل .
-وقال عمر : عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، ولولا معاذ لهلك عمر .
-وهناك الكثير والكثير عن معاذ في علمه وعلو منزلته وما وصل إليه .
-لكن انظر ياأخي كم كان عمر معاذ لما حصل العلم وهذه المنزلة حتى مات .
-تأمل سنه حين أسلم ، وكم كان عمره حين وافته المنية ، وكيف وصل لهذه الدرجة من العلم ؟ قال الذهبي : في سير أعلام النبلاء [ 1- 45 ] :قال عطاء : أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنه
وقد شهد العقبة الثانية وحتى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
- روى الحاكم بإسناد صحيح عن مالك بن أنس قال : إن معاذ بن جبل هلك ( مات ) وهو بن 28 سنه وهو أمام العلماء برتوة . وهو أيضا قول الذهبي
- وقال بن المسيب ( قبض معاذ وهو بن ثلاث أو أربع وثلاثون سنة
- والأشهر والأرجح كما قال الجمهور أنه مات وهو بن 28 سنة
- ومعنى ذلك كان مدة تحصيله للعلم لا تبلغ عشر سنوات ومع ذلك فهو أمام العلماءفكيف مرت هذه السنوات العشر حتى بلغ ما بلغ .
- وقد أوصى معاذ بالعلم والتعلم حتى عند مماته :
- روى بن عساكر عن يزيد بم عميرة قال : لما حضرت معاذ الوفاة قالوا : أوصنا فقال : العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما ( قالها ثلاثا ) فالتمسوا العلم عند أربعة – عويمر أبي الدرداء و وسلمان و بن مسعود وعبد الله بن سلام الذى كان يهوديا فأسلم .رضى الله عنهم أجمعين
· وهناك الكثير من أهل العلم الذين ملؤا الدنيا بعلمهم وعلومهم كانوا صغار السن حين ماتوا وهم فى سن 36
أمثال : الأسكندر – ذوالقرنين وقد ملك ما ذكره الله
أبو مسلم الخرسانى صاحب الدولة العباسية
ابن المقفع / صاحب الخطابة والفصاحة
سيبويه /صاحب التصانيف فى اللغة العربية
أبوحامد الأسفريينى / روي أن سليم الرازي قال كان أبوحامد فى أول أمره يحرس فى درب وكان يطالع دراسته على زيت الحرس ، وأنه أفتى وهو بن 17 سنة وأقام يفتي 45 سنه إلى أن مات ، ولما قربت منيته قال : لما فقهنا متنا .
= وانظر ياأخي المسلم من الجانب الأخر فهناك من العلماء من أخذ العلم وهو فى سن متقدم ومع ذلك شهد لهم العلماء بغزارة علومهم وكثرة مؤلفاتهم ومن هؤلاء
*بن حزم :
- تعلم العلم والفقه وهوبن 26 سنه
قال الإمام أبوالقاسم صاعدبن أحمد :
كان بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه فى علم اللسان ، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار .
- قال العز بن عبد السلام – وكان أحد المجتهدين – ما رأيت فى كتب الإسلام فى العلم مثل( المحلى )لابن حزم
- ولابن حزم مصنفات كثيرة وجليلة ، أكبرها كتاب ( الإيصال إلى فهم كتاب الخصال ) 15 ألف ورقة
- سبب تعلم بن حزم علم الفقه :
- قال الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد والد القاضي أبى بكربن العربي : أخبرني أبومحمدبن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة فدخل المسجد فجلس ولم يركع ركعتين تحية المسجد فقال له رجل قم فصل تحية المسجد ، وكان قد بلغ سنه 26 سنه [ ملاحظة : علق أبوزهرة على هذا السن وقال وهذا لايصح لأن بن حزم كان يتعلم علوما أخرى قبل هذا السن أمن المعقول ألا يعلم تحية المسجد ؟ ومعنى ذلك أن بن حزم لم يدخل المسجد قط حتى وصل هذا السن والراجح أن سنه كان 16 سنة والله اعلم ] قال بن حزم فقمت وركعت ركعتبن ، فلما انتهينامن دفن الجنازة ودخلت المسجد فبادرت بالركوع فقيل لي اجلس ليس ذا وقت صلاة وكان بعد صلاة العصر . قال فانصرفت وقد حزنت وقلت للإستاذ الذي رباني : دلني على دارالفقيه أبي عبد الله بن دحون ، قال فقصدته فأعلمته بما جرى ، فدلني على موطأ الإمام مالك ، فبدأت به عليه ، وتتابعت قرائتى عليه وعلى غيره نحوا من ثلاثة أعوام ، وبدأت بالمناظرة .
- فسبحان الله يبدأفى التعلم وهو فى هذا السن وأتقن الفقه فما لبث فترة من الزمن وقبل أن يقضى أجله يكتب كتاب ( المحلى ) وهذا الكتاب يحتاج إليه طالب علم وكل مجتهد .
· وشيخ الشافعية الإمام أبوبكر القفال / عبد الله بن احمد الخرساني : يطلب العلم وهو بن 30 سنه ويصير أفقه الناس في عصره
- قال الذهبي في السير [ 17ج / 407 ] ابتدأ بطلب العلم وقد صار بن ثلاثين سنه فترك صنعته – صناعة الأقفال – وأقبل على العلم .
- وقال ناصر العمري : لم يكن في زمان أبى بكر القفال أفقه منه ، ولا يكون بعده مثله ، وكنا نقول أنه ملك من السماء فى صورة إنسان .
والله أعلم
وللموضوع بقية