الإخوة والأخوات أعضاء المنتدى الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام ىوأنتم بخير
يسعدني أن أقدم لكم أولى مشاركاتي في هذا القسم
وهي قصة قصيرة عن مشهد واقعي رآه أحد أصدقائي فأثر في نفسه بالغ الأثر
فكانت هذه القصة أعجبتني كثيرا فأردت أن أرفعها إليكم
وأرجو أن تحوز رضاكم ، وبانتظار أرائكم
مع خالص شكري وإليكم القصة :
كان عقرب الساعة يشير إلى الثانية عشرة ظهرا ، حينما وقعت عليه عيناي وقد أحاطت بيده اليسرى أغلال حديدية الصنع ، فولاذية الوقع على يده الرقيقة ، وكأن مؤشر الساعة يشهد الزمان على حدث جلل أو خطب جسيم ، وكانت الشمس قابعة في كبد السماء وكأنها تتلصص هي الأخرى عبر النوافذ الزجاجية لتتابع – في تطلع بالغ – كيف تسير الأحداث ، وإلى أي مدى يمضي بذلك الفتى البائس قطار الأهوال .
لن أستطيع انتزاع ذلك المشهد المأساوي من أعماقي حين رأيته وقد جردوه إلا من بعض ثيابه بالقدر الذي يستر عورته .
كان يرتدي سروالا أبيضا رقيقا ، وقميصا أبيضا من نفس نوع السروال ، وكان له وجه أبيض كبياض ثيابه ، مشرق الطلعة كتلك الشمس القابعة فوقه ، وكأنما اتحدت لديه كل الأشياء ... سرواله ... وقميصه ... ووجهه ... وطلعته الناضرة ... بياض يقسم للعالم أجمع بأنه طاهر النفس ، شريف الأصل ، ناضر القلب ، زكي الفؤاد ، لم يشذ عن ذلك سوى عينيه الزائغتين ، وخاطره الحائر , وحركته المضطربة التي تكشف لمن يراه – ومن الوهلة الأولى أن هذا الفتى حديث عهد بتلك المصائر وهذه المحن والخطوب0
لن أنسى ذلك المشهد المؤثر ولن أستطيع كف ذلك النقر المتزايد الذي يطرق على فؤادي بمطرقة فولاذية من نفس المعدن الذي صنعت منه أغلال ذلك الفتي البائس 0
هنالك ... في الردهة الواسعة حيث عبر به الحارس نحو ذلك الممر الطويل وقد اقتسم معه أغلاله فوضع يده في حلقة ووضع الحلقة الاخري في يده هو ، ورغم ذلك فقد كان هو الأخر مرتديا حلة بيضاء ! وكأني به شاهدا هو الآخر علي نقاء ذلك القلب الذي يجره نحو الزنزانة السحيقة ، فمضي به وكأنه الأسد مطبق علي فرسيته التي لا تجد من قبضته مفرا ، ولا من أسره خلاصا 0
وفجأة .. هرولت نحوه فتاة في مقتبل الشباب لا تقل في حسنها عن ما وهب الله هذا الفتي ، هرولت نحوه وكأن الأرض لا تحملها فلا تكاد قدماها تصلان إلي أرض هذا البناء المهيب إلا تهربان منها سريعا وهي تنادي عليه بصوت خنقه البكاء : إبراهيم........إبراهيم ...... انتظر يا إبراهيم 0
فالتفت إليها كلاهما وهي تقول : بالله عليك أيها الحارس ، أسألك بالذي وهبك نعمة الحرية أن تنتظر لحظات ، ثم قالت وقد انهمرت من مقلتيها دموع غزيرة : أي أخي لا تتركني في خضم الحياة وحدي و لا تدعني أعاني فراقك 0
كيف أقاوم تلك الرجفة التي تكاد تنزع روحي كلما خطرت لي خاطرة بأنك لن تكون إلي جواري أطمأن عليك وتطمأن عليّ ، أمازحك وتدللني ... فلم يعد لي في هذا الكون سواك بعد رحيل والدينا ..... آه يا إبراهيم .... ما الجرم الذي اقترفته كي تكبل بهذه الأغلال كالسفاحين والقتلة ؟
ألانك قلت كلمة حق في وجه مسئول لا يرعى لحقوق الناس عهدا و لا ذمة ؟ تساق هكذا نحو سجنك بلا سند و لا مصير ؟! ثم أجهشت بالبكاء وأنفاسها الملتهبة تلاحق بعضها بعضا ، فامسك بيدها المرتعدة ضاغطا عليها برفق ثم تركها ومسح بيده الطليقة ما ينهمر من دموع علي وجنتيها ......
وهنا أخذ الحارس يجذبه ليكمل به المسير فمشت إلي جواره فأحاطها بذراعه ، وربت بيده علي كتفها ، ثم طبع علي خدها قبلة حانية ، وسقطت منه – دون إرادته – عبرة من نهر الدموع التي يجعل من شجاعته سدا يمنع مدرا رها ... وقال في حنو بالغ وبلغة الواثق وأسي المظلوم ورجاء الأسير : بل سأعود .... ثقي بأنني سأعود ، إن كانت يدي ألان مكبلة بالقيود وسكناي وراء القضبان ، فإن قلبي حر طليق ، ولي نفس لن يستطيع مخلوق حبسها ولو وضعوا أمامها ألف ألف جدار ، ثقي يا صغيرتي بان للحق صولة ويد الحق عالية إ ن طال أو قصر بي المقام ثقي بأنني ذات يوم سأعود ، وسأجدك كما أتركك ألان قوية كعهدي بك دائما ..... سأعود ... فلا تقلقي يا حبيبتي 0
قال هذه الكلمات بينما حارسه يدفعه دفعا نحو نهاية هذا الممر اللعين وودعته بنظرة أخيرة ملؤها الحزن والشقاء بينما تسمرت مكانها لا تقوي قدماها علي حملها ، تجذبها الأرض إليها وكأنها تريد أن تحتويها 0
ظلت هكذا برهة وزرفت عيناها دمعتان ساخنتان وما لبثت أن تمالكت نفسها وانتزعت من نظرات الآخرين إليها قوي حفّزتها علي رفع يديها ولملمة ما تبقي من دموعها ، وما كفت عيناها عن مراقبته وهو يختفي منحدرا نحو ذلك القبو الكئيب ، وودعته بنظرة أخيرة وعادت بخطى بائسة تجر نكبتها خلفها ... راجية من الله أن يعود 0
:nic47:الجيزة في 5/6/2000