يجهل الكثير من شباب الإسلام في زماننا كيفية دخول الإسلام إلى بلاد الأندلس وما ذلك إلا لابتعاد الكثير منهم عن تاريخ أجدادهم، ومآثر نظال أسلافهم الذين تعبوا لنشر الدين في ربوع المعمورة، ونصر التوحيد بين الشعوب والأمم، والعيب ليس فيهم فقط، وإنما يشاركهم فيه من كان سببا في طمس هويتهم ومسخ تاريخ آباءهم، والواجب على أساتذة التاريخ أن يعيدوا الشباب إلى الطريق الصحيح والقدوة المباركة، ألا وهو طريق الصحابة والفاتحين رضي الله عنهم أجمعين، وإن من المؤسف جدا والمؤلم حقا، أن شبابنا إذا سألتهم عن مغني ومغنية، أو ممثل وممثلة، أو لاعب و لاعبة أو راقص و راقصة يحدثونك عن أدق تفاصيل حياتهم الشخصية أما مشوارهم الفني أو المهني فيحفظه عن ظهر قلب، فيا من تعلق الآمال كلها فيهم بعد الله تعالى، ويا من ترجى مواقفهم الصالحة كلها بعد الله تعالى : هل ما أنتم فيه من العبث واللعب هو كل ما ترجونه في حياتكم؟ وهل كل هذه المتاعب بلا فائدة في الدين والدنيا هي أمانيكم وأحلامكم؟وهل هؤلاء المجانين هم قدوتكم وأسوتكم ونموذجكم؟ ولقد كانت همم الصحابة رضي الله عنهم والفاتحين كبيرة، وعزائمهم قوية، ولما انتشر الإسلام في القيروان والمغرب وكثير من أرجاء إفريقيا على العموم نظر الفاتحون بعين الرجاء إلى بلاد أندلسيا رجاء نشر الخير من غير إكراه الشعوب على اعتناق دين الإسلام، كــان الذي دعــا المسـلمين حقا إلى فتح تـلك البـلاد العظيمة هو « يوليـان» حـاكم ولايــة «سـبتــة» المـغربيـة الواقعـة عـلى سـاحـل البحر، والتي كانت تخضع لحـكم «القـوط» آنـذاك، ولم يـكن المـســلمـون قـد فتحوهـا بعد ، فـاتصـل حــاكـمهــا "يوليان" بـالفاتح "طــارق بـن زيـاد" حـاكم « طنجـة»، وعرض عـليه فكرة فتح بلاد الأندلس، فـنقــلهــا هو بدوره إلى القائد الكبير« مـوسـى بن نصير» الذي اتصـل بـالخـليفـة العام « الوليد بن عـبد المــلك»، فــأذن له الخــليـفــة في بداية الإستطلاع في تلك الديار، واشترط عليه أن يـتـأكد من صدق نيـات الحاكم « يـوليــان»، وأن يـرتـاد البـلاد بحمـلة استطـلاعيـة، ليعرف أخبـارهـا قـبــل أن يـدخـلهـا فـاتحًا، فكـلَّف «موسـى بن نصير» أحد رجـاله المباركين وهو الفاتح « طـريـف بـن مــالك» عــلى رأس خمسمـائـة جندي، بدخول «الأندلس» وجـمع مــا يـمكـن جـمعـه مـن أخـبــار، كـمــا طـلب من الحاكم « يوليـان» أن يـوافيه بتقرير شامل عن أوضـاع البـلاد، فـاتفقت معـلومـات القائد المسلم «طريف» التي جـمعـهــا مـع تـقريـر الحاكم «يـوليــان»، وكــلهــا تفيد أن البـلاد في حـالة فـوضــى عارمة والشعوب غير راضية عن سيرة "لذريق"، وتـعــانــى تلك البلاد مـن الضـعف الإداري والعـسكـري، وأن النـاس كلهم أو أغلبهم ينتظرون المـســلمـين ليـرفـعوا عـنهم الظـلم، وعـاد جيش القائد « طريف» سنـة 91هـ مـحمــلا بــالغـنــائـم، اخـتــار القائد الكبير لتلك الحملات « مـوسـى بن نصير» للقيـام بمهمـة فتح « الأنـدلس » طــارق بـن زيــاد وهـو من أصـل بربري لمـا يتمتع به من شـجــاعــة ومـهــارة في قـيــادة الجيوش، فخرج في سبعـة آلاف جندي فاتح، ومـعظـمهـم مـن « الجنود البـربـر»، وعـبر بهم المـضيـق الذي يـفصـل بين السـاحـل المـغربي والســاحــل الأنـدلسي، والذي لا يزال يحمـل اسمه إلى يومنا، ونزل عــلى الجـبـل - الذي حمـل اسمه أيضًا - في شهر رجب سنـة 92هـ، واسـتولى عــليـه بـعد عـدة مـعــارك مع القوات "القوطيـة" التي كـانت تـقوم بـحراسـته، وتـوغَّل في جـنوبي البــلاد، ومــا إن عـلم المـلك «لوذريـق» بنزول المسـلمين في بـلاده وكـان في شمـالي غربي البــلاد مـشغـولا بـقمـع ثـورة داخلية انـدلعت ضده حتـى عـاد مسرعًا للقـاء المـســلمـين عــلى رأس جيش قوامه نحو "مـائـة ألف جند"، ولمـا عـلم «طــارق» بـعودة المــلك طــلب مـددًا من «موسـى بن نصير»، فـأمدََّه بـخمـســـة آلاف، وأصـبح عـدد جـيشـه اثـني عـشر ألفًا ، والتـقــى الفـريـقــان في أواخـر شهر رمضـان سنـة 92هـ، وحقق المسـلمون نـصرًا حــاسمًا، ويـؤكد المـؤرخون أن هذه المعركـة المعروفـة بـاسم مـعركــة «شـذونـة» قد قررت مصير «الأندلس» لصـالح المسـلمين فما بعد ذلك النصر غلا التوفيق والفتح، ولأن الجـيش "القـوطي" دُحـر تمـامًا، وهبطت روحه المعنويـة إلى الحضيض، ولم يـعد قـادرًا عـلى المقـاومـة، فـانفتح الطريق أمـام البطـل الفـاتح « طــارق بـن زيــاد»، ليـستـولى عــلى مـدن مهمـة، مثـل: « قرطبـة»، و« غـرنــاطــة»، و وصــل إلى « طــليـطـلة» فـى وسط البـلاد، وكـانت عــاصـمــة البــلاد في ذلك الوقت، و أرسـل «طـارق » إلى «موسـى بن نـصيـر» يـبشـره بـهذه الانـتصــارات الرائعة، والفتوحات المباركة و يـطــلب مـنه مددًا جديدًا ليكمل الفتح العظيم، فعبر إليـه بـنفـسه عــلى رأس قـوة كـبيـرة قـوامـهــا ثـمــانيـة عشر ألفًا، ونـجحا القائدان في فـتح عـدد من مدن الغرب مثـل « إشبيـليـة»، فاستكمل القائدان العـظيـمــان فتح بلاد « الأندلس» بفضل الله في سنتين بين(93 - 95هــ).