رد: كليلة ودمنة .. حِكَمٌ على ألسنة الحيوان
بسمالله
ثم إن إيلاذ لما رأى الملك أشتد به الأمر، قال: أيها الملك إن إيراخت بالحياة. فلما سمع الملك ذلك اشتد فرحه. وقال يإيلاذ: إنما منعني من الغضب ما أعرف من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بعلمك ألا تكون قد قتلت إيراخت. فإنها وإن كانت أتت عظيماً وأغلظت في القول فلم تأته عداوة ولا طلب مضرة، ولكنها فعلت ذلك للغيرة. وقد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأتحمله، ولكنك يا إيلاذ أردت أن تختبرني وتتركني في شك من أمرها. وقد أخذت عندي أفضل الأيدي. وأنا لك شاكر. فانطلق فأتني بها. فخرج من عند الملك فأتي إيراخت وأمرها أن تتزين ففعلت ذلك. وانطلق بها إلى الملك. فلما دخلت سجدت له. ثم قامت بين يديه. وقالت: أحمد الله تعالى ثم أحمد الملك الذي أحسن إلي: قد أذنبت الذنب العظيم الذي لم أكن للبقاء أهلاً بعده، فوسعه حلمه وكرم طبعه ورأفته، ثم أحمد إيلاذ الذي آخر أمري، وأنجاني من الهلكة، لعلمه برأفة الملك وسعة حلمه وجوده وكرم جوهره ووفاء عهده. وقال الملك لإيلاذ: ما أعظم يدك عندي وعند إيراخت وعند العامة: إذ قد أحييتها بعد ما أمرت بقتلها: فأنت الذي وهبتها لي اليوم: فإني لم أزل واثقاً بنصيحتك وتدبيرك. وقد ازددت اليوم عندي كرامة وتعظيماً. وأنت محكّمٌ في ملكي تفعل فيه بما ترى، وتحكم عليه بما تريد. فقد جعلت ذلك إليك ووثقت بك. قال إيلاذ: أدام الله لك أيها الملك المُلكَ والسرور. فلست بمحمود على ذلك. فإنما أنا عبدك. لكن حاجتي ألاّ يعجل الملك في الأمر الجسيم الذي يندم على فعله، وتكون عاقبته الغم والحزن. ولا سيما في مثل هذه الملكة الناصحة المشفقة التي لا يوجد في الأرض مثلها: فقال الملك بحق قلت يا إيلاذ، وقد قبلت قولك، ولست عاملاً بعدها عملاً صغيراً ولا كبيراً، فضلاً عن مثل هذا الأمر العظيم الذي ما سلمت منه، إلا بعد المؤامرة والنظر والتردد إلى ذوي العقول ومشاورة أهل المودة والرأي. ثم أحسن الملك جائزة لإيلاذ، ومكّنه من أولئك البراهمة الذين أشاروا بقتل أحبائه فأطلق فيهم السيف، وقرت عين الملك وعيون عظماء أهل مملكته، وحمدوا الله وأثنوا على كباريون بسعة علمه وفضل حكمته: لأنه بعلمه خلّص الملك ووزيره الصالح وامرأته الصالحة.
باب اللبوة والإسوار والشغبر
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثلاً في شأن من يدع ضرّ غيره إذا قدر عليه لما يصيبه من الضرّ، ويكون له فيما ينزل به واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعداوة لغيره. قال الفيلسوف: إنه لا يقدم على طلب ما يضر الناس وما يسوءهم إلا أهل الجهالة والسفه وسوء النظر في العواقب من أمور الدنيا والآخرة، وقلة العلم بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة، وبما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا مما لا تحيط به العقول. وإن سلم بعضهم من ضرر بعض بمنية عرضت له قبل أن ينزل به وبال ما صنع: فإن من لم يفكر في العواقب لم يأمن المصائب، وحقيق ألا يسلم من المعاطب. وربما اتعظ الجاهل واعتبر بما يصيبه من المضرة من غيره، فارتدع عن أن يغشى أحداً بمثل ذلك من الظلم والعدوان، وحصل له نفع ما كفَّ عنه من ضرر لغيره في العاقبة، فنظير ذلك حديث اللبوة والإسوار والشغبر. قال الملك: وكيف كان ذلك?