بحث عن الطلاق
مقدمه
الأصل في الزواج هو الدوام والاستقرار إلا انه قد يحدث أن تنحل الرابطة الزوجية ويفترق الزوجان وتنقطع العلاقة بينهما لسبب من الأسباب التي توجب ذلك وهو ما يسمي بالفرقة وهذه الفرقة التي تحصل بين الزوجين نوعان فقد تكون فرقة تسمي طلاقا , وفرقة تسمي فسخا ,وسوف يقتصر مجال بحثنا علي متي تكون الفرقة طلاقا.
المبحث الأول: تعريف الطلاق وأقسامه:
المطلب الأول:معني الطلاق:
الطلاق في اللغة هو رفع كيد النكاح
وفي اصطلاح الفقهاء :رفع قيد النكاح في الحال أو المال بلفظ مشتق من مادة الطلاق أو ما في معناها.

COLOR=pink الاحوال الشخصية الشيخ محمد ابي زهرة رحمه الله

المطلب الثاني : أقسام الزواج

القسم الأول:[/COLOR]

فهو الطلاق البائن بمجرد صدوره يرفع النكاح في الحال فلا تحل المطلقة لمطلقها إلا بعقد ومهر جديدين , سواء انتهت العدة أم لم تنته
أما القسم الثاني:

فهو الطلاق الرجعي فالنكاح في الطلاق الرجعي لا يرتفع بمجرد صدور ما يدل عليه بل لا يرتفع إلا بانتهاء عدة المطلقة ،أما في أثناء العدة فيظل قائما وله أن يراجعها رضيت أو لم ترض ولكن تحتسب الطلقة من عدد الطلقات التي يملكها الزوج علي زوجته وهي ثلاث طلقات.

المبحث الثاني

: حكمة الطلاق في الإسلام والوصف الشرعي للطلاق:

المطلب الأول

حكمة مشروعية الطلاق في الإسلام:
اخذ الزواج في الإسلام مفهوما إنسانيا لم تعهده الانسانيه من قبل في تاريخها الطويل فليس الزواج في الإسلام كما كان أو كما يظن علاقة جسدية تأخذ مثلها الادني من الحيوانية , وليس الزواج كذلك صفقة تجارية يشتري فيها إنسان شيئا من الجمال والنسب بشيء من المال وليس هو جواز المرور الشرعي أو القانوني حين يرغب الشخص في إرضاء ما به من نزوة أو شهوة أو حين يبحث لذلك عن مسوغ من الشرع أو القانون كما انه ليس علاقة تلجي إليها الضرورة ألوقتيه, ولكن الزواج في الإسلام علاقة بشرية تجمع الأمرين معا وتتواءم وطبيعة الإنسان تقف وسطا بين الملائكية والحيوانية وهو شركة بين هذين الإنسانيين راس مالها الحب والوفاء والمودة والبقاء.
ومن هنا فان الإسلام يحرص دائما علي تجنب الزوجين ويلات الشقاق وأسباب الخلاف وعلاج ما يحدث في حياتهما من مشاكل في ضوء التبصر والحكمة والصبر والتسامح ويؤكد علي ذلك من خلال أمرين يمكن أن يعالج بهما الفرد ما يعترض حياته الزوجية من مشاكل أو يهددها بالتصدع والانهيار
الأمر الأول : ويتمثل في أن يستشعر الزوج حين تثور بينه وبين زوجته رياح الكراهة أو الجفاء إن لزوجتيه مزايا إلي جانب مالها من عيوب وان السيئة التي اجترحتها الآن لا يليق مرؤة أن تمحي ما سلف لها من حسنات بل يجب عليه أن يتذكر تلك المحاسن وهذه المزايا حين يريد أن يحاسبها علي ما صدر منها من خطايا أو حين يبغي أن يجعل من هذه العثرات حدا فاصلا بينها وبينه ولعل هذا يبني من الموقف شيئا فربما التي يكرهها الآن قد يكون فيها بعد مصدر خير وموطن امن
الأمر الثاني : ويتمثل في أن يتنبه حينما تحدثه نفسه بطلاق من يكرهها انه مسلم وان البيوت في المجتمع الإسلامي لاتقوم فقط علي المحبة وحدها وإنما تقوم أيضا علي الرعاية والتكافل والمودة وعلي ذلك فليرعى زوجته وليكفلها فقط رابطة حياتها بحياته ومصيرها بمصيره وأخذت منه بذلك ميثاقا غليظا ولذلك حرص الإسلام علي بقاء هذه المودة وحث علي حسن العشرة ودعا إلي الرفق والتالف وشرع الحكمين عندما ينشب الخلاف بين الزوجين لانتزاع جذور الشقاق والنزاع وإعادة المودة إلي سابق صفوها ولكن ومع كل هذا قد تتنافر القلوب ثم تستحكم الثغرة بين الزوجين وتصاب الحياة الزوجية بما لا يستطاع معه العشرة وتصبح جحيما بعد أن كانت سكنا وراحة وذلك لأسباب كثيرة فقد يكون بين الزوجين نفورا طبيعي بسبب تباين الأخلاق وتنافر الطباع وقد يصاب احدهما بمرض لا تستطاع معه المعاشرة وقد يطلع احدهما من الأخر علي ما لا يحبه ويرضي من سلوك شخصي وعيب خُلقي وقد يظهر أن الزواج لم يحقق ما يرجون من نسل وبذلك ينهار أهم مقصد من مقاصد الزواج إلي غير ذلك من الأسباب التي لا تتوافر معها المحبة بين الزوجين ولا يتحقق فيها التعاون علي سؤن الحياة والقيام بحق الزوجية كما يجب أن يكون ومن هنا كانت أهمية الطلاق في الإسلام
فالطلاق في الإسلام كمشرط الجراحة في العلاج إن استخدم في المكان اللائق به أتي بأطيب الثمرات وان أساء استعماله أتي باسواء الناتج وليس العيب في المشرط وإنما العيب في طريقة استخدامه واستعماله

المطلب الثاني

الوصف الشرعي للطلاق:

المراد بالوصف الشرعي بالطلاق ما يثبت له شرعا من حيث كونه مطلوبا فعله أو مطلوبا تركه, فان كان مطلوب الفعل فأما أن يكون علي سبيل الجزم وإما ألا يكون علي سبيل الجزم فان كان الأول فهو الواجب وان كان الثاني فهو المندوب وان كان مطلوب الترك فقد يكون الترك علي سبيل الجزم وقد يكون علي غير سبيل الجزم, فان كان الأول فهو الحرام وان كان الثاني فهو المكروه وبناء علي هذا فالطلاق قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا وقد يكون حراما وقد يكون مكروها وقد يكون مباحا وذلك علي التفصيل الأتي:
أولا : الطلاق الواجب: وذلك كما إذا كان الزوج عاجزا عن واجباته الجنسية بان يكون مريضا مرضا يحول دون معاشرة زوجته معاشرة جنسية ففي هذه الحالة لا يستطيع إنجاب الولد الذي هو ثمرة الزواج, ولا يمكنه تحصين زوجته.
ثانيا: الطلاق المندوب: ويكون الطلاق مندوبا بمعني أن يكون فعله راجحا علي تركه وذلك في حالة حدوث ثغرة بين الزوجين لاتصل إلي الحد الميئوس من علاجه
ثالثا : الطلاق الحرام: يكون الطلاق حراما اذا طلق الزوج زوجته في أثناء الدورة الشهرية (( الحيض))
لان هذا يسمي بطلاق البدعة ,وقد حرمه الفقهاء مستدلين بان المطلق في هذه الحالة خالف السنة.
رابعا: الطلاق المكروه : يكون الطلاق مكروها اذا كان بدون مبرر يقتضيه او حاجه تدعو إليه لقوله صلي الله عليه وسلم( ابغض الحلال إلي الله الطلاق))
خامسا: الطلاق المباح: وهو الطلاق الذي لاتكون هناك حاجة تدعو إليه والدليل علي وقوعه قوله تعالي (( لاجناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن او تفرضوا لهن فريضة )) البقرة 236

المبحث الثالث

عدد الطلقات التي يملكها الزوج:

المطلب الأول

الطلقات التي يملكها الزوج:
كان الطلاق فيما قبل الإسلام مطلقا ليس له حد ليقف الزوج عنده وإنما يطلق الرجل زوجته حينما يشاء ثم يعيدها الي عصمته اذا أراد مرات ومرات فقد روي عن السيد عائشة رضي الله عنها انها قالت كان الرجل يطلق امرأته ما شاء ان يطلق وهي امرأته اذا راجعها وهي في العدة وان طلقها مائة مرة أو أكثر حتي قال رجل لآمراته والله لأطلقك فتبينين مني ولا اويك , قالت وكيف ذلك , قال أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك, فذهبت المرآة فدخلت علي عائشة ر ضي الله عنها فأخبرتها بذلك فسكتت حتي جاء النبي صلي الله عليه وسلم فأخبرته فلم يقل شيئا حتي نزل قوله تعالي( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا ان يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون* فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتي تنكح زوجا غيره) البقرة 229,230
فحدد الإسلام أن الزوج لا يملك إ لا ثلاث طلقات فقط
من الذي يملك الطلاق:

إن من يستعرض النصوص التي وردت في الطلاق يجدها تدل دلاله صريحة واضحة علي أن الطلاق حق للزوج وحده وليس حقا للزوجة ولا للقاضي ولا لغيرهم, وما روي عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال(غنما الطلاق لمن اخذ بالساق) يعني : الزوج الي غير ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل دلاله واضحة أن الطلاق بيد الزوج.
هل راعت الشريعة الاسلاميه جانب المرآة في إنهاء الزواج:
قد يري البعض أن الشريعة الاسلاميه أهملت جانب المراه في حقها في إنهاء الزواج وقد يكون عندها هي الاخري من الأسباب ما يجعلها لا تطيق زوجها فكان العدل والمنطق يقتضيان ان تجيز لها هي الاخري الافتراق من زوجها وقد يكون لهذا الاعتراض وجاهته لو كانت الشريعة الاسلاميه قد أهملت جانب المراه في إنهاء الزوجية بل منحتها الحق في طلب التفريق اذا تضررت من زوجها وأوجبت علي القاضي أن يجيبها إلي طلبها ويفرق بينها وبين زوجها اذا كان هناك من الأسباب ما تقره العدالة وتؤيده الشريعة كما اذا ثبت أن الزوج يؤذيها بما لا يليق بأمثالها الو كان بالزوج عيب مستحكم او عجز عن الإنفاق عليها او غاب عنها وإنما توقف التفريق من جانب الزوجة علي القضاء واستقل بها الزوج من غير حاجه إلي القضاء وذلك لان المرآة تحكمها العاطفة وتلك ميزتها والعاطفة حينما تسيطر علي الأمور الخطيرة تكون ضاره والطلاق اخطر ما يكون بين الرجل والمرآة فقد تقدم المراه علي إنهاء رابطة الزوجية لأتفه الأسباب أما الرجل فانه يفكر ويقدر الأمور قبل الإقدام علي هذا الامر الخطير
المطلب الثاني

التفويض في الطلاق
هو إقامة الزوج غيره مقامه في التطليق او إقامة الزوج الزوجة مقامه في التطليق معلقة هذه الإقامة علي مشيئة المقام وعلي ذلك فيوجد فرق بين تفويض المرآة وتفويض الأجنبي, فإنابة المرآة في تطليقها نفسها تفويض مطلق ولو كانت هذه الانابه بصيغة التوكيل لان الزوج بمجرد إنابته زوجته في التطليق جعل تطليقها تبعا لمشيئتها فان شائت طلقت نفسها وان شائت لم تطلق ورفضت الانابه , أما اذا أناب الزوج أجنبيا في تطليق امرأته فلا تكون هذه الانابه تفويضا إلا اذا علق هذه الانابه علي مشيئة من ينوب عنه كأن يقول له طلق امرأتي إن شئت فان لم يعلقها علي المشيئة بان قال طلق امرأتي فقط كان هذا توكيلا.
وعلي هذا فهناك فرق بين التوكيل والتفويض نوضحه فيما يأتي
1- التوكيل يعمل بإرادة الموكل أما المفوض فيعمل بإرادة نفسه
2- أن الزوج له أن يعزل الوكيل في أي وقت شاء, فإذا عزله فليس له أن يطلق , أما التفويض فإن الزوج لا يملك أن يعزل من فوضه والعلة في ذلك أن التفويض تعليق الطلاق علي المشيئة مما فوض إليه فهو طلاق معلق , ومن علق الطلاق علي أمر لا يملك أن يرجع ويلغي تعليقه ويستوي بالنسبة لهذه العلة الزوجة والأجنبي , فالزوجة المفوضة يعتبر تفويضها تعليقا للطلاق علي مشيئتها , والتعليق كاليمين دائما لا يجوز الرجوع فيه ولا إلغائه, وليس معني التفويض سواء كان للزوجة أو للأجنبي أن ملكية الزوج للطلاق قد زالت بل كل ما في الأمر انه أشرك غيره فيما يملكه من تصرف ولم يسلب حقه الأصيل فيه
3- الوكيل بالطلاق له ان يتولى الموكل في المجلس وبعده إما المفوض إليه فانه يتقيد بمجلس التفويض الا اذا كانت صيغة التفويض تعم الأوقات كلها كأن يقوم الرجل لامرأته طلقي نفسك متي شئت او في أي وقت متي شئت فإنها في هذه الحال لا تتقيد بمجلس التفويض
مشروعية تفويض الطلاق إلي المرآة:

الأصل في هذه المشروعية قوله تعالي (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردت الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا* وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) الأحزاب 28,29
فهذه الآية تفيد أن النبي صلي الله عليه وسلم خير نساءه بأمر من ربع بعد أن طالبته بالإنفاق عليهن إنفاقالا يقدر عليه بين الإبقاء علي رباط الزوجية وبين القضاء عليها, معني هذا أن الرسول صلي الله عليه وسلم جعل أمر قيام الزوجية وعدم قيامها إلي أزواجه وهذا هو التفويض
هل الأصل في الطلاق الحظر أم الإباحة :

اتفق أكثر العلماء علي أن حق الزوج في الطلاق مقيد بالحاجة الضرورية التي تدعو إليه, أي أن تكون هناك أسباب ضرورية تدعو للطلاق , فلا يجوز للزوج أن يوقع الطلاق علي زوجته إلا اذا تحقق السبب ووجدت ضرورة تقتضي الطلاق
الطلاق المشروع:

الطلاق المشروع هو الذي يطلق الرجل فيه زوجته طلقة واحدة لان الطلقة الواحدة تؤدي الغرض المشروع من الطلاق فتكون الزيادة عنها زيادة لا داعي لها , أما لو طلق الزوج زوجته أكثر من طلقة واحدة فان طلاقه يكون بدعيا محظورا سواء أكان بلفظ واحد أم بألفاظ متفرقة فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق ثلاثا أو اثنتين أو قال لها: أنت طالق ثم طلقها مرة في نفس الطهر قبل أن يراجعها فقد اختلف الفقهاء في ذلك فيري جمهور الفقهاء في ذلك فيري جمهور الفقهاء أن هذا الطلاق يكون بدعيا محظورا وقد استدلوا علي ما ذهبوا إليه بالأدلة الاتيه:
1- قوله تعالي ( الطلاق مرتان) البقرة 229 والمعني أن الطلاق المشروع هو الذي حصل مرة فإذا تعجل الزوج وطلق زوجته تطليقتين أو ثلاثا مرة واحدة فإنه يكون بذلك مخالفا ويكون الطلاق بدعيا محظورا
2- ماروي أن الرسول صلي الله عليه وسلم اخبر عن رجل طلق زوجته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال ( أيلعب بكتاب الله وأنا بينأظهركم ) حتي قام رجل فقال: يا رسول الله آلا أن اقتله(1) مشكاة المصابيح(ج2ص212)
3- إن الزوج إذا طلق زوجته طلقة واحدة كان المجال أمامه متسعا لمراجعة زوجته إذا رغب في مراجعتها فإذا طلقها أكثر من واحدة فانه يضيق علي نفسه بلا داع ولا مبرر.
ويري فريق أخر من الفقهاء إن الطلاق بلفظ الثلاث أو بلفظ الاثنتين لا يكون محظورا وإنما يكون مباحا ولا شيء فيه, واستدلوا علي ذلك بما روي أن عويمر العجلاني لما لاعن زوجته أمام النبي صلي الله عليه وسلم قال : يا رسول الله كذبت عليها إن أمسكتها فطلقها ثلاثا ولم ينكر الرسول صلي الله عليه وسلم ذلك عليه فيكون دليلا علي إباحته إلا انه يرد علي ذلك بان الزوجة باللعان تحرم علي زوجها فإذا طلقها بعد ذلك كان الطلاق عبثا لا فائدة منه .
الطلاق المتتابع وحكمه:
الطلاق المتتابع هو الذي يتبع فيه المطلق الطلاق

في مجلس واحد كأن يقول لزوجته التي لم تزف إليه ( أنت طالق , أنت طالق , أنت طالق )
فالطلاق يقع في هذه الحالة طلقة واحدة فقط لان الثانية والثالثة جاءت وهي اجنبيه لأنها ليست في العدة
أما اذا كان الطلاق قد تتابع عليها وقد كان بعد الدخول بها , كأن يقول لها )أنت طالق , أنت طالق ) فان المذاهب الاربعه توقع هذا الطلاق ولو كانت هذه الطلقات الثلاث أو الاثنتان في مجلس واحد .
