رد: نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين ,,,,,متجدد

أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا بمَسِّ الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة الأنصار له على الذَّود عنه حتى الموت، فاجتمع رؤساؤهم وقادتهم في دار الندوة وهي دار قصيّبن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه، فقال قائل منهم: نخرجه من أرضنا كي نستريح منه، فرُفِض هذا الرأي لأنهم قالوا: إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه. وقال آخر: نُوْثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت، فرُفِض هذا الرأي كسابقه، لأنهم قالوا: إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره، ونحن أدرى الناس بمن دخل في دينه حيث يُفَضِّلونه على الآباء والأبناء، فإذا سمعوا ذلك جاؤوا لتخليصه وربما جرّ هذا من الحرب علينا ما نحن في غِنى عنه. وقال لهم طاغيتهم: بل نقتله، ولنمنع بني أبيه من الأخذ بثأره، نأخذ من كل قبيلة شاباً جلداً يجتمعون أمام داره، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيفترق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية، فأقرّوا هذا الرأي. هذا مكرهم، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30) فأعلم نبيه بما دبره الأعداء في سرّهم، وأمره باللحاق بدار هجرته، بدار فيها ينشر الإسلام، ويكون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم العزة والمنعة. وهذا من الحكمة بمكان عظيم فإنه لو انتشر الإسلام بمكة لقال المبغضون: إن قريشاً أرادوا مُلْكَ العرب، فعمَدوا إلى شخص منهم، وأوعزوا إليه أنْ يدَّعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل مآربهم، ولكنهم كانوا له أعداء ألدَّاء، آذوه شديد الأذى حتى اختار الله له مفارقة بلادهم والبعد عنهم.
هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

فتوجه من ساعته إلى صديقه أبي بكر، وأعلمه أن الله قد أذِنَ له في الهجرة فسأله أبو بكر الصحبةَ، فقال: نعم، ثم عرض عليه إحدى راحلتيه اللتين كانتا معدَّتين لذلك، فجهزهما أحثّ الجهاز، وصُنعت لهما سُفْرَة في جِرَاب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر نِطاقها، وربطت به على فم الجراب، واستأجرا عبد اللهبن أُرَيقط من بني الدِّيلبن بكر، وكان هادياً ماهراً، وهو على دين كفار قريش فأمِنَاه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ. ثم فارق الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وواعده المقابلة ليلاً خارج مكة، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقرّوا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله داخله، فلما جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليّاً بالمبيت مكانه كيلا يقع الشك في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يرددون النظر من شقوق الباب ليعلموا وجوده، ثم سجَّى عليَّاً ببرده، وخرج على القوم وهو يقرأ: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَFONT=Comic Sans MS
أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون عليبن أبي طالب لا محمدبن عبد الله، هاجت عواطفهم، فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طِلْبَتُهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما، حتى أبكى ذلك أبا بكر، فقال له عليه الصلاة والسلام: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40) فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يَحِنْ لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار بل صار أعدى الأعداء أميةبن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار. فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب. وكان يبيتُ عندهم عبد اللهبن أبي بكر وهو شاب ثقفٌ ولَقِنٌ فَيُدْلِج من عندهما بسَحَر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، فلا يسمع أمراً يكتادون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامربن فُهَيرة يروح عليهما بقطعة من غنم يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تَبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر. ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متبعين طريق الساحل.
وفي الطريق لحقهم طالباً، سُراقةبن مالك المُدْلِجي، وكان قد رأى رُسُلَ مشركي قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة ناقة لمن قتله أو أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومهبن مُدلِج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سُراقة إني رأيت آنفاً أَسْودَةً بالساحل أراها محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مُخبره عن طلبهم، فقال: إنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا يبتغون ضَالَّةً لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه، ثم سار، حتى دنا من الرسول ومن معه، فعثرت به فرسه فخرّ عنها، ثم ركبها ثانياً وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثِر الالتفات فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخرّ عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تُخرج يديها حتى سَطَع لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلِمَ سراقة أن عمله ضائع سُدًى، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومَنْ معه حتى جاءهم، ويقول سُراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهما بما يريد بهما الناس، وعرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً بل قالا له: أخفِ عنّا، فسأله سراقة أن يكتب له كتابَ أمنٍ، فأمر أبا بكر فكتب. وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها عنايته برسوله.
وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى الحَرَّة حتى يردّهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد أن طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جَدُّكُم ــــ أي حظكم ــــ الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقَّوا رسول الله بظهر الحَرَّة.
النزول بقُباء

فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمروبن عوف بقباء. والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق 20 سبتمبر سنة 622، وهذا أول تاريخ جديد لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه، أما الآن فقد آواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليلاً يتخطفهم الناس.
هجرة الأنبياء

وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا صلى الله عليه وسلم سُنَّةُ إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلا نَبَتْ به بلاد نشأته، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء، وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالاً لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في طاعة الله. فَسَلْ مصر وتاريخها تُنبئك عن إسرائيل size=medium وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بَنِيها ترحيباً بهم، وتركهم وما يعبدون إكراماً ليوسف وحكمته. ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح عليه السلام من اليهود حينما كذَّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه: طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات ثم قال بعد: افرحوا وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم. وسَل القرى التي حلّت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مُهَاجَرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله {سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاًSIZE=7
أعمال مكة

هذا، ولنبيّن لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكة من أصول الدين وذلك أمران:
الأول: الاعتقاد بوحدانية الله وأن لا يُشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنماً كما يفعل مُشرِكو مكة، أو أباً أو زوجةً أو بنتاً كما عليه بعض الطوائف الأخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كَلَّف أحد نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذاتها ما دام ذلك خافياً عن الناس.
الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوماً ثانياً للإنسان يُجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الآي المكيّة، فقلّما نرى سورة من سور مكة إلا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته ممّا يضيع الوقت سدًى. ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا ثلاثاً وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القرآن مكّي.
ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقُباء، نزل على شيخ بني عمرو كُلثومبن الهدم، وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعدبن خَيثمة لأَنَه كان عزباً. ونزل أبو بكر بالسُّنْح (محلة بالمدينة) على خارجةبن زيد من بني حارث من الخزرج.
مسجد قُباء

وأقام رسول الله بقباء ليالي أسّس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أُسس على التقوى من أول يوم، وصلَّى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأنصار والمهاجرين، وهم آمنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بُناة المساجد في القرون الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جُلُّ همّهم إلا منصرفاً لتزيين القلوب، وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يُتَّقى بها حرّ الشمس.
الوصول إلى المدينة

ثم تحوَّل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي سيوفهم، وهنا حدّث ولا حَرَج عن سرور أهل المدينة، فكان يومُ تحوله إليهم يوماً سعيداً لم يُروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البَدرُ علينامن ثَنِيَّاتِ الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأيُّها المبعوثُ فيناجئت بالأمرِ المُطاع وكان الناس يسيرون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ماشٍ وراكب يتنازعون زمام ناقته، كلٌّ يريد أن يكون نزيله.
أول جمعة

وأدركته عليه الصلاة والسلام صلاة الجمعة في بني سالمبن عوف، فنزل وصلاّها وهذه أول جمعة له عليه الصلاة والسلام، وأول خطبة خطبها عليه الصلاة والسلام حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تَعْلُمنَّ والله ليُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثم ليَدَعَنَّ غَنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولَنَّ له ربه ــــ ليس له تَرجمان ولا حاجب يحجبه دونه ــــ: ألم يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتك مالاً، وأفضَلتُ عليك؟ فما قدَّمْتَ لنفسك؟ فَلَينظُرنَّ يميناً وشِمالاً فلا يرى شيئاً، ثم ليَنظرنَّ قُدَّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يَقِيَ وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإنّ بها تُجْزَى الحسنةُ عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
النزول على أبي أيوب

ثم ساروا وكلما مرّوا على دار من دور الأنصار يتضرّعُ إليه أهلها بأن ينزل عندهم، ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: «دعوها فإنها مأمورة»، ولم تَزَل سائرةً حتى أتت بِفنَاء بني عديبن النجار (وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده) فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري، واسمه خالدبن زيد، وذلك مَحل مسجده الشريف، فقال عليه الصلاة والسلام: «ههنا المنزل إن شاء الله» رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (المؤمنون: 29) فاحتمل أبو أيوب رَحْله ووضعه في منزله، وجاء أسعدبن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده، وخرجت ولائد بني النجار يقلن:
نَحْنُ جَوارٍ من بني النَّجَّارِيا حبّذا محمدٌ مِنْ جَارِ فخرج إليهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتحببنني؟» فقلن: نعم، فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكن» واختار عليه الصلاة والسلام النزول في الدَّوْرِ الأسفل من دار أبي أيوب ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرضَ رضي الله عنه ذلك كرامة لرسول الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يُحدِثه وطء الأقدام أو الماء الذي يهراق، فقد اتفق أن كُسرت من زوجته جرّة ماء بالليل، فقام هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرُها، يمسحان الماء خوفاً على رسول الله، ولذلك لم يَزَلْ أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العِلْو، وكانت تأتيه الجِفَانُ كل ليلة من سرَاة الأنصار كسعدبن عبادة وأسعدبن زرارة وأُم زيدبن ثَابت، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.
نزول المهاجرين
ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار، فحكَّموا القرعة بينهم، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقُرعة.
أُخُوَّةُ الإسلام
ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر، بل بفضل من الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل الكتاب مع قلّة العَدد والعُدد.
وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، قال تعالى في سورة الحشر: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9). وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه قليلاً بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُمَكِّنَ بينهم الإخاء، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيلُه أخوين في الله. ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضّح للقارىء أن هذه الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية، بل نَكِلُ ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقاً من القلم. وعلى الإجمال فتلك قلوب أَلَّفَ الله بينها حتى صارت شيئاً واحداً في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفّق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يسودوا كما ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لكل اثنين: «تآخيا في الله أخَوين أخوين» ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب: {وَأُوْلُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ} (الأحزاب: 6).
هجرة أهل البيت
ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيدبن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيا بمن تخلّف من أهله، وأرسل معهما عبد اللهبن أُرَيقط يدلهما على الطريق، فقَدِما بفاطمة وأُم كلثوم ابنتيه عليه الصلاة والسلام، وسَودة زوجه، وأُم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاصبن الربيع، وخرج من الجميع عبد اللهبن أبي بكر بأُمّ رومان، زوج أبيه، وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبيربن العوّام، وكانت حاملاً بابنها عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.
حُمَّى المدينة
ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقاً للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيراً منهم الحُمَّى، وكان رسول الله يعُودهم، فلما شَكوا إليه الأمر قال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة كما حببتَ إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجُحْفَة». فاستجاب الله جَلَّ وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام.
منع المستضعفين من الهجرة
ومنع مشركو مكة بعضاً من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم، منهم: الوليدبن الوليد، وعيَّاشبن أبي ربيعة، وهشامبن العاص، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة وَمحالّ في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما رآه، وهذا سبب اختلاف الأئمة في مكان القنوت.
السَّنة الأولى
بناء المسجد
ثم شرع عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده في مَبْرك ناقته أمام محلّة بني مالكبن النجار، وكان محله مِرْبَداً للتمر يملكه غلامان يتيمان في حِجر أسعدبن زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما بالمِربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فأبى عليه الصلاة والسلام أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنُبشتْ، وبالحفر فَسُويت، وبالنَّخل فقُطع، ثم أمر باتخاذ اللبِن فاتخذ وشرعوا في البناء به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا قليلاً، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ليرغِّب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم:
اللهم لا خيرَ إلا خيرُ الآخرهفارحم الأنصارَ والمُهاجرهْ وجُعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجُعل له ثلاثة أبواب، ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثَّر فيه، فأمر عليه الصلاة والسلام بحصبه، ولم يزين المسجد بِفُرُشٍ حتى ولا بالحصر، وبُني بجانبه حجرتان، إحداهما لسَودة بنت زمعة، والأخرى لعائشة، ولم يكن عليه الصلاة والسلام متزوجاً غيرهما إذ ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تبنى كلما جاءت زوج.
بدء الأذان

أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائماً متذكرين عظمة العليّ الأعلى، فيتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في مُحكم كتابه في سورة العنكبوت: إِنَّ الصلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآء وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت: 45). وجعل أفضل الصلاة ما كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضاً في شؤونهم واحتياجاتهم، ويقوّوا روابط الألفة والاتحاد بينهم، ومتى حان وقت الصلاة فلا بدّ من عمل ينبه الغافل، ويذكّر الساهي حتى يكون الاجتماع عامّاً، فائتمر النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس، فلم يرضوا ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل، وقال آخرون: نُشعل ناراً على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضاً، وأشار آخرون ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم فكرهه رسول الله، لأنه لم يكن يحب تقليد اليهود في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس وهو ما يستعمله النصارى فكرهه الرسول أيضاً، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها فقُبِل هذا الرأي، وكان أحد المنادين عبد اللهبن زيد الأنصاري، فبينما هو بين النائم واليقظان إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر الله أكبر مرتين، وتشهَّد مرتين، ثم قل: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم قل: حيَّ على الفلاح مرتين، ثم كبر ربك مرتين، ثم قل لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر رؤياه، فقال: «إنها لرؤيا حق»، ثم قال له: «لقِّن ذلك بلالاً فإنه أندى صوتاً منك»، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله، وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة، والآخر عبد الله ابن أُم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حيّ على الفلاح: «الصلاة خير من النوم» مرتين، وأقرّه الرسول على ذلك، وكان عليه
الصلاة والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين: أولهما يوقظ به الغافلون حتى يَنْتَبِهوا للسحور، والثاني للصلاة. وأما الأذان للجمعة، فكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد نداء آخر على الزوراء. رواه البخاري.
ولما تولى هشامبن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر في العهد الأول بين يديه.
فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشامبن عبد الملك، ولا معنى لهذا الأذان، لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو في المسجد لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد. ذكر ذلك الشيخ محمد ابن الحاج في «المدخل».
قال الحافظ في فتح الباري: «وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى». ا هـ.
فعلم من ذلك كله أن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذان الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أذّن مؤذنه على المنار فإذا انتهت الخطبة أُقيمت الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع.
أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في نصها فرواها محمدبن إدريس الشافعي مفردة إلاّ لفظ «قد قامت الصلاة» فمَثْنَى، ورواها مالكبن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مَثْنَى كلها.
يهود المدينة

هذا، وكما ابتلى الله المسلمين في مكة بمُشركي قريش ابتلاهم في المدينة بيهودها وهم: بنو قينقاع، وقريظة، والنضير، فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق، وكانوا قبل مجيء الرسول يستفتحون على المشركين من العرب إذا شبّت الحرب بين الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، فلما جاءهم ما عرفوا استعظم رؤساؤهم أن تكون النبوّة في ولد إسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغياً، مع أنهم يرون أن رسول الله محمداً لم يأتِ إلاّ مصدقاً لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها على من سبقه من المرسلين، مبيّناً ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومما عابوه على الإسلام نسخ الأحكام، وما دَرَوا أن القادر العليم يعلم ما يحتاج إليه الإنسان أكثر منهم، فإنه ميال بطبعه للترقّي، والرسول عليه الصلاة والسلام وجد بادىء بدء بين جماعة من العرب أُميين ليسوا على شيء من الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن يكون التشريع لهم على التدريج، لأنه لو حرَّم الله عليهم شرب الخمر وأكل الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وهكذا إلى آخر الأوامر والمناهي التي جاء بها الشرع الإسلامي لما أجابه أحد من هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم، الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر شيئاً فشيئاً حتى رُوضت عقولهم، وهُذِّبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشد، ولكن اليهود أرادوا غَلَّ يد القدرة عن أن تفعل إلا ما يشتهون، وقد حجِّهم القرآن الشريف بما يدل على أنهم يعلمون من نفوسهم البُعد عن الحق، فقال في سورة البقرة: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاْخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 94) ثم حتَّم جلّ ذكره
عدم إجابتهم بقوله: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} (البقرة: 95). فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحق لما تأخروا عمّا طُلب منهم مع سهولته، وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو نُطْقاً باللسان. وقد تبّين الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد اللهبن سَلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القرآن، وبعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم، عدّوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فـ{بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ} (البقرة: 90)، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32).
المنافقون
وكان يُساعِدُهُم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفاً على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد اللهبن أبيّ ابن سَلول الخزرجي، الذي كان مرشحاً لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أن ضررَ المنافقين أشدُّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مراراً، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيراً ما كان يتغيب عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يُعْهَد أنه وَلَّى رجلاً ممّن عُهِدَ عليه النفاق، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو وُلُّوا عملاً، فإنهم بلا شك يتخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهم لرؤساء الإسلام، يعلِّمهم أَلاّ يثقوا في الأعمال المهمة إلا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد.
معاهدة اليهود

هذا، وقد علمتَ أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود، والمنافقون، ولكن الرسول قَبِلَ من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهداً مقتضاه ترك الحرب والأذى، فلا يُحَارِبهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحداً، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرّهم على دينهم.
مشروعية القتال

قد عُلم مما تقدم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يقاتل أحداً على الدخول في الدين، بل كان الأمر قاصراً على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الآي ما يقوّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (الأحقاف: 35). وكان كثيراً ما يقصّ الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعِداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق، فبعد الهجرة أذِن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحج: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌsize=medium 2 3 4 5 6 7 8 9 : ؛ } (الحج: 39، 40). ثم أمرهم بذلك في قوله في سورة البقرة: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَsize=medium وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذالِكَ جَزَآء الْكَافِرِينَsize=medium فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌsize=medium وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَFONT=Comic Sans MS
وبذلك لم يكن الرسول يتعرض إلا لقريش دون سائر العرب فلما تمالأ على المسلمين غيرُ أهل مكة من مشركي العرب، واتحدوا عليهم مع الأعداء، أمر الله بقتال المشركين كافة، بقوله في سورة التوبة: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} (التوبة: 36) وبذلك صار الجهاد عامّاً لكل مَنْ ليس له كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: «أمرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ اللهِ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهُم وأموالهم إلا بحق الإسلامِ، وحسابهم على الله». ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال: 58) وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله للأعداء على هذه المبادىء الآتية:
1 ــــ اعتبار مُشرِكي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.
2 ــــ متى رُئِيَ من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.
3 ــــ متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشاً قوتلت حتى تدين بالإسلام.
4 ــــ كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو يعطي الجزية عن يدٍ وهو صاغر.
5 ــــ كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، والإسلام يقطع ما قبله.
وقد أنزل الله في القرآن الكريم كثيراً من الآي تحريضاً على الإقدام في قتال الأعداء وتبعيداً عن الفرار من الزحف، فقال في الموضوع الأول في سورة النساء: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحياةَ الدُّنْيَا بِالاْخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 74). وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادْبَارَsize=medium وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآء بِغَضَبٍ مّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُSIZE=7
بدء القتال

كانت عادة قريش أن تذهَب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويُسمى الركبُ السائر بهذه التجارة عِيْراً، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم وسَرَاتِهم، ولا بد لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصادِرَ تجارتهم ذاهبةً وآيبة، ليكون في ذلك عقاب لمشركي مكة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال الذي لا بدّ أن يكون، لأن قريشاً لم تكن لتسكت عمّن سفَّه أحلامهم وعاب عبادتهم خصوصاً وهم قدوة العرب في الدين.
سرية

ففي شهر رمضان أرسل عمَّه حمزةبن عبد المطلب في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، وعقد لهم لواء أبيض حمله أبو مَرْثَد حليف حمزة، ليعترض عِيراً لقريش آيبة من الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية العِيص فصادف العير هناك، فلما تصافّوا للقتال حجز بين الفريقين مَجدِيُّبن عمرو الجُهني فأطاعوه وانصرفوا، وشكر عليه الصلاة والسلام مجدياً على عمله لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم.
وفي شوال أرسل عُبيدةبن الحارث ابن عم حمزة في ثمانين راكباً من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مِسْطَحبن أُثَاثة ليعترض عيراً لقريش، فيها مِئَتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ فكان بينهما الرمي بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقدادبن الأسود وعتبةبن غَزْوان وكانا قد أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين.
وفيات

وفي هذه السنة توفي من المهاجرين عثمانبن مظعون أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، ولما دفن أمر عليه الصلاة والسلام بأن يُرَشَّ قبره بالماء، ووضعَ على قبره حجراً، وقال: «أَتَعَلَّمُ به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي»، وهذا كان القصد من وضع الأحجار على المقابر، لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على القبور، وتصويرها بصور تُرَى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت ويصنعوا عندها احتفالات كثيرة، تشبه ما كان يفعله مشركو مكة عند معابدهم، ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأمور الآخرة.
ومات من الأنصار أسعدُبن زُرارة أحد النقباء الاثني عشر، كان رضي الله عنه نقيب بني النجار، ولما مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن «ابن أخت القوم منهم» ومات أيضاً البراءبن معرور أحد النقباء، وهو الذي كان يتكلم عن القوم في العقبة الثانية. ومات من مشركي مكة في هذه السنة الوليدبن المغيرة، ولما احتُضر جزع فقال له أبو جهل: ما جزعك يا عم؟ فقال: والله ما بي من جزع من الموت، ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: لا تخفْ إني ضامن ألاّ يظهر. وفيها أيضاً مات العاصبن وائل السهمي. وقد كفى الله المسلمين شر هذين الشقيّين.
السنَّة الثانية

غزوة وَدَّان
ولاثنتي عشرة ليلة خَلَت من السنة الثانية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد أن استخلف عليها سعدبن عبادة، ليعترض عيراً لقريش، فسار حتى بلغ وَدّان، وكان يحمل لواءه عمّه حمزة، ولم يلق هناك حرباً لأن العير كانت قد سبقته، وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم آمنون على أنفسهم ولهم النصر على من رامَهم، وأن عليهم نُصْرَةَ ال