
....وَمَا أنْزَلَ الله مِنْ السّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأحْيا بِهِ الأرضَ بَعْدَ مَوتِهَا وَبَثّ فيْها مِنْ كُلّ دَابّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّياحِ وَالسّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السّماءِ وَالأرضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقلونَ) (البقرة: 164)
هذه "المناجاة" هي نوعٌ من تفسير للآية الكريمة المذكورة أعلاه.
يَامن اختفى بشدَّة الظُهُور! يَامن احتجبَ بعَظمة الكِبرياء!
يَا قدِيرُ ياذا الجلال! يَا قادر القُدرة المُطلقة!
لقد أدركتُ بِدَرس قُرآنك الحكيم وبتعليم الرَّسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أنه:
مثلما تَشهدُ السَّمواتُ والنجُوم على وجُودكَ وعلى وحدَتكَ، يَشهدُ جَو السَّماءُ كذلك على وجوب وُجُودك ووحدتك بسحابه وبروقه ورعوده ورياحه وأمطاره.
نعم، إن إرسال السَّحاب الجامد بلاشعور، المطَر الباعث للحياة، إغاثةً للمضطرّين من الأحياء، ليس إلاَّ برحمتك وحكمتك أنت، فلادخل فيه للمصادفة العشواء قط.
وكذا البرقُ الذي هوطاقة كهربائية عظمى، يشوِّقُ بسَنَاه الى فوائده النورانية، وينوِّر قدرتك الفاعلة في الفضاء على افضل وجه.
وكذاالرعد المبشر بقُدوم المطر، والذي يُنطِق الفضاء الواسع بتسبيحاته، فيُدوي في أرجاء السّمواتِ، يُسبّحُك ويقدّسُكَ ويشهد بلسَان المقال على رُبوبيَتكَ.
وكذا الرّياح المسَخَّرة بوظائف عدّة: كحمل أكثر الأرزاق ضرورة لمعيشة الأحياء وأسْهَلِها تناولاً وفائدة، ومنح الأنفاس وترويح الأنفس وغيرها كثير، تُشير الى فعالية قدرتك أنت،
وتشهد شهادة على وُجُودِكَ؛ بتبديلها الجو - لحكمة - كأنه "لوح المحو والإثبات" فتكتب مايفيد وتمحو ما أفاد.
كما انَّ "الرحمة" المستدرة برحمتك من السَّحاب والمرسلة الى الأحياء تشهد هي أيضا على سعة رحمتك، ووُسعةِ رأفتك؛ بكلمات قطراتها العذبة اللطيفة الموزونة المنتظمة.
المؤلف :الإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي