لقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رُئي في يوم من أيام الاثنين صائماً، فسأله أحد الصحابة عن ذلك -والشهر ليس شهر رمضان- فقال صلى الله عليه وسلم لَه: «ذاك يومٌ وُلدتُ فيه» (رواه مسلم). وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم يَحتفي باليوم الذي ولد فيه...
وها نحن في الأيام التي تفوح فيها ذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن من دواعي تجديد البَيعة لرسول الله وتجديد المحبة له والنظر إلى حقيقة اتباعنا له عليه الصلاة والسلام أن نحتفي بذكرَى ولادته، لا لذات الاحتفاء.
ليس الاحتفاء مقصوداً بذاته وإنما هو وسيلةٌ إلى هدف؛ الهدف أن نجدد حبنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو الغرَض الأول، ثم أن نتأسّى بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا هو الهدف الثاني، وصدق الله إذ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)، الهدف الثالث أن نجعل من الأخلاق التي أكرم الله عز وجل بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم منهج دعوتنا إلى الله، وأساسَ حوارنا مع عباد الله سبحانه وتعالى،
فأنعِم بالاحتفال بذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما يكون سُلَّماً لبلوغ هذه الأهداف الثلاثة.
[mark=#ffff00]. الحبّ[/mark]
الهدف الأول تغذية محبّتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أقول إيجاد محبتنا، فأنا لا أتصور أن يكون في الدنيا مسلم آمن بالله وآمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم لم يُصبح قلبه وِعاءً لمحبة هذا الرسول الذي اصطفاه الله وأرسله رحمة لنا: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).
[mark=#ffcc00]
. التأسي
[/mark]
الغاية الثانية من احتفائنا بذكرى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نجدد البيعة لـه، يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: 31)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ أي فاتبعوا رسول الله، لاحِظوا هذا الربط، يقول لي الله عز وجل: «أتحبني؟ أتحب مولاك وخالقك؟»، «نعم يا رب». قَدِّم البرهان على ذلك. برهان محبتي لله اتباعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء: 80). تعالوا نجدد بيعتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، تركَنا على سنة بيضاء نقية ظاهرها كباطنها لا يزيغ عنها إلا هالك، لا تبتعدوا عنه، لا تبتعدوا عن سنة نبيكم المصطفى صلى الله عليه وسلم .
[mark=#ffcc00]. الأخلاق[/mark]
وأقول بحق، لو أن الله عز وجل عَلِم أن هنالك سبيلاً لتنمية الأخلاق الإنسانية الفاضلة في حياة الإنسان غير سـبيل العقيدة الإيمانية وغير سـبيل المبادئ الإسلامية، لأمَر عباده بسلوك ذلك السبيل، لكن الله الحكيم العلي القديـر علم أن السبيل الأَوحد الذي يفجر الأخلاق الإنسانية، ومن ثم الإسلامية السامية بين جوانح العبد هو ربوبية الواحد الأحد وهينمته عليه. هذا هو السبيل الذي يحقق الأخلاق الإنسانية الفاضلة، ألسنا مسلمين؟ ألسنا مؤمنين بالله؟ ألسنا قد عاهدنا الله على أن نتأسى برسوله، إذ قال: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)، إذن فتأسّوا بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول: «أيها الناس! إنكم لن تَسَعوا الناسَ بأموالكم، لِتسَعْكم منهم بسطةُ الوجه وحسن الخلق» إنكم لن تسعوا الناس، الناسَ كلهم مسلمين وغير مسلمين، لن تسعوا الناس بأموالكم، أموالكم لا تكفي لشراء قلوب الناس أبداً، لكن هناك سبيلٌ آخر لا يكلّفكم شيئاً من هذا، فلْتسعكم منهم بسطة الوجه وحسن الخلق.