معنى السترة في اللغة : ما سترت به من شيء كائناً ما كان
[ لسان العرب – لابن المنظور – مادة ستر (7/121)]
وفي النهاية فيه : إن الله حيٍ ستير يُحبُ الحياء والستر
[ ثبت من حديث أبي يعلى بن أمية ، رواه أحمد(14/22)(1793) وقال أحمد شاكر على تحقيق المسند : إسناده صحيح وصحيح أبي داود)( 4012)، و(صحيح النسائي)(407) ، وانظر ( صحيح الجامع )(1756) ، و( إرواء الغليل )(2335) للألباني ، (مشكاة المصابيح)(447) تحقيق الألباني .]
ستير: فعيل ؛ بمعنى فاعل : أي من شأنه وإرادته حُبِّ الستر والصوّن . كذا في
[ النهاية في غريب الحديث والأثر )(ص417) باب السين مع التاء ]
( حكم المرور بين يدي المصلي وأقوال المذاهب فيها )
يُحرم المرور بين يدي المصلي ، ولو لم يتخذ سترة بلا عذر ، كما يُحرم على المصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه ، بأن يصلي بدون سترة بمكان يُكثر فيه المرور ، إن مر بين يديه أحد يأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل ، لا بترك السترة ، فلو لم يمر أحد ، لا يأثم ، لأن اتخاذ السترة في ذاته ليس واجباً ؛ وقيل يأثم ولو لم يمر أحد كما وردت الأدلة بذلك .
[ الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 272) عبد الرحمن الجزري ]
1- الحنفيــة :
قالوا : إن كان يصلي في مسجد كبير أو في الصحراء فيُحرَم المرور بين يديه من موضع قدمه إلى موضع سجوده وإن كان في مسجد صغير ، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة ، وقُدِر بأربعين ذراعاً على المختار .
[ (معاني الآثار)(1/587)(2572)(2602) أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت – 321هـ )]
[ ( فيض الباري على صحيح البخاري )(2/110)(493) محمد أنور الكشميري (ت 1352هـ )]
[ ( سنن ابن ماجه بشرح أبي الحسن الحنفي المعروف بالسندي )(1/503) (ت- 1138هـ )]
(( الهداية شرح بداية المبتديء )(1/68) أبي الحسن علي المرغيناني الحنفي ]
أجازوا ؛ المرور بالمسجد الحرام أمام مصلٍ لم يتخذ سترة ، أمام المستتر فالمرور بين يديه كغيره ، وكذلك يكره مرور الطائف أمام مستتر ، وأما أمام غيره فلا .
[ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد )(2/354) لابن عبر البر المالكي .]
[ (إكمالُ المُعلِم بفوائد مسلم )(2/360) للقاضي عياض لمالكي ]
3- الشافعية :
قالوا : لا يحرم المرور بين يدي المصلي ، إلا إذا اتخذ سترة بشرائطها وإلا فلا حرمة ولا كراهة .
وإن كان خلاف الأولى ، فإذا تعرض المصلي للمرور بين يديه ، ولم يتخذ سترة ، ومر أحد بين يديه ، فلا إثم على واحد منهما ، نعم يكره للمصلي أني يصلي في مكان يكون فيه عرضه لمرور أحد بين يديه ، سواء مر أحد بين يديه أو لم يمر . أنتهى ؛
[ الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 272) عبد الرحمن الجزري ]
قال النووي :
قال صحابنا : ينبغي له أن يدنو من السترة ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع ، فإن لم يجد عصا ونحوها جمع أحجاراً أو تراباً أو متاعاً ، وإلا فليبسط مصلى وإلا فليخط ، وإذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها ، فلو لم يكن سترة أو تباعد عنها فقيل له منعه ، ولأصح أنه ليس له تقصيره ، ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه لكن يكره .
[ (شرح صحيح مسلم ) للنووي (1/2/183) ]
[ ( شرح السنة ) للبغوي (2/444) حسين بن مسعود البغوي ]
[ ( تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير )(2/348) لان حجر ]
4- الحنابلة :
قالوا : إن تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه يكره له مطلقاً سواء مر أحد أو لم يمر بين يديه ، كما يقول الشافعية ، والكراهة خاصة بالمصلي ، أما المار فإنه يأثم ، ما دامت له مندوحة من طريق آخرى .
[ ( الشرح الممتع على زاد المستقنع )(1/728) محمد بن صالح العثيمين ]
[ ( المغني والشرح الكبير )(2/75) موفق الدين ابن قدامة ، وشمس لدين ابن قدامة المقدسي ]
( فقه السنة – سيد سابق - محقق على تخريجات الألباني]
[ ( الملخص الفقهي )(1/102)صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان)]
الأدلة الثابتة على السترة :
1- عن ابن عمر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصل إلا إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين )
[ أخرجه مسلم – شرح النووي (2/188) ]
2- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحد يمر بينه وبينها ، فإن جاء أحد يمر فليقاتله فإنما هو شيطان )
[ أخرجه البخاري، وانظر ( فتح الباري )(1/585) (شرح صحي مسلم )(2/2/187)]
3- عن سهل بن أبي خيثمة عن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته ) وفي رواية ( إذا صلى أحدكم فليستتر ويقترب من السترة ، فإن الشيطان يمر بين يديه )
[ رواه أبو داود والبزار كما في الزوائد (ص 54) والحاكم في ( المستدرك )(922-249)ج1 : وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووفقه الذهبي ، وقال الألباني : وهو كما قالا .]
4- عن سهل بن سعد رضي لله عنه قال : ( كان بين مصلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممر شاة )
[ أخرجه البخاري ومسلم ]
5- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( أقبلت راكباً على أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس فمررت بين يدي الصف فنزلت فأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد )
[ لأتان : هي الأنثى من الحمير ، انظر (شرح صحيح مسلم )(2/185)(504) للنووي ]
[ رواه البخاري ومسلم ]
6- عن ابن عمر رضي الله عنهما ( أن النبي – صلى الله عليه وسلم - كان يركز وقال أبو بكر يغرز العَنَزةَ )
[ رواه البخاري ومسلم ]
7- وعن ابن عمر رضي الله عنهما ( أن النبي – صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى راحلته )
[ رواه البخاري ومسلم ]
قال ابن نُمير : ( أن النبي – صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بعير )
[( المصنف ) لأبي شيبة بسند صحيح . ( الفقه المختصر من الكتاب والسنَّة المطهرة )(ص 72) سنن الصلاة المهجورة – السترة ووجوبها - تيتون راشد الراسبي – دار الكتاب والسنة للنشر والتوزيع والتصدير ( الطبعة الأولى (2007م) ] .
[ المحكم المتين في إختصار القول المبين في أخطأ المصلين ) مشهور حسن آل سلمان )(ص25)]
فهذه الأحاديث الصحيحة ، وما في معناها يدل فيها الأمر على الوجوب ، ليس هناك قرينة تصرفها من الوجوب إلى الاستحباب .
والذين يذهبون إلى الاستحباب ، استدلوا بأحاديث ضعيفة وواهية أو مضطربة .
أما من الأحاديث الضعيفة منها : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى فضاء ) وهذا الحديث ضعيف رواه مالك في ( المدونة وفي سنده ( الحجاج بن أرطأة ) وهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل .
[ حجاج بن أرطأة النخعي الكوفي ، من كبار الفقهاء ، تركه ابن مهدي والقطان ، وقال أحمد : لا يحتج به . وقال ابن معين والنسائي ليس بالقوي . وقال الدار قطني : لا يحتج به . وقال ابن عدي ؛ ربما أخطأ ولم يتعمد ، وقد وثق ابن معين أيضاً ( صدوق يدلس ) خرج له مسلم مقروناً بغيره . أنتهى .
قلت : في المتابعات ، أما فيما تفرد بشيء لا يستقيم كمثل هذه الرواية . والله أعلم .
[ انظر ،( المغني في الضعفاء )(1/235)(1312) ، ( لسان الميزان )(7/193) .]
والحديث الثاني : ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يجد فليخط خطاً ، ثم لا يضره ما مر بين يديه ) وهذا الحديث مضطرب الإسناد ،
قال الصنعاني : قال سفيان بن عيينة : لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه ، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول : هل عندكم شيء تشدونه به . أي إسناده . ( والحديث المضطرب هو الذي يُروى على أوجهٍ مختلفةٍ متقاربةٍ ]
[ انظر تدريب الراوي (1/308) في شرح تقريب النواوي ]
[ انظر - ( الفقه المختصر من الكتاب والسنة المطهرة )(ص78)]
[ انظر ضعيف أبي داود )(143) و(ضعيف ابن ماجه)(196) و( تمام المنة في التعليق على فقه السنة ) جميعها للألباني .- وانظر تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة مالك – إعداد الدكتور : الطاهر محمد الدريري ].
الحديث الثالث :
عن الحسن بن علي : ( أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - صلى والرجال والنساء يطوفون بين يديه بغير سترة مما يلي الحجر )
[ رواه الطبراني في الكبير وفي سنده ياسين الزيات وهو متروك – وانظر مجمع الزوائد (2/66) للهيثمي و(تمام المنة في التعليق على فقه السنة )(ص303) و(فتح الباري )(1/576) لابن حجر حيث ضعفه هناك ، فأنظره لزاماً .
وهناك آثار في هذا السياق كلها ضعيفة أو مرسلة ، لا يحتج بها عند أهل الحديث .
فالأحاديث المتقدمة أن يتخذ المصلي سترة ، الأمر يقتضي الوجوب ، وهي أصح في الاستدلال من حديث الحسن بن على وكذا حديث حجاج بن أرطأة ، علماً أن الإمام مالك قال : ولا بأس أن ينحاز الذي يقضي الصلاة إلى أقرب منه من الأساطين بين يديه ، وعن يمينه وعن يساره وعلى خلفه ، ويقهقر قليلاً يستتر بها إذا كان قريباً ، وإن بعد أقام ودرأ المار جهده .
وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين -
والله أعلم
:56::56:يُرجى التثبيت لأهمية الموضوع