رد: احذر هذه القصة التى لم تثبت عن الصحابى ( ثعلبة بن عبد الرحمن الانصارى )
(تخريج القصة والحكم عليها وكلام أهل العلم حولها) :
رواها الخرائطي في اعتلال القلوب (رقم 272) وأبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص 51) وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (1/498) وحلية الأولياء (9/329-330) وابن قدامة في التوابين (ص 72) وابن الجوزي في الموضوعات (3/346-349) من طريق منصور بن عمار عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما به .
قلت : هذه قصة موضوعة منكرة متناً وسنداً :
[1] فأما نكارة المتن فهو في قوله : (وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلاه) !
لا خلاف بين أهل العلم بأن قول الله تعالى : (ما ودعك ربك وما قلى) إنما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة بمكة المكرمة في أول الإسلام والوحي .
فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال :
أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال المشركون : قد ودع محمد ، فأنزل الله عز وجل : {والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى}
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ لمسلم]
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال :
احتبس جبريل صلى الله عليه وسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت امرأة من قريش : أبطأ عليه شيطانه، فنزلت : {والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى}.
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري]
أما هذه القصة فكانت بعد الهجرة ، فلا يجتمعان .
وقد صرّح الأئمة بهذه النكارة المتنية كابن الجوزي وابن الأثير والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وابن عراق كما سيأتي .
[2] وأما نكارة السند ، فلأن فيه :
1.المنكدر بن محمد بن المنكدر :
ليّن الحديث كثير الخطأ لم يكن بالحافظ لحديث أبيه فكان يأتي بالشيء الذي لا أصل له عن أبيه توهماً .
وهذا الحديث-كما هو ظاهر-من حديثه عن أبيه .
منكر الحديث واهٍ يكثر الرواية عن الضعفاء بأحاديث لا يتابع عليها .
وقد صرّح الأئمة بهذه النكارة الإسنادية كابن مندة وابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وابن عراق كما سيأتي .
ولذلك عدّ أهل العلم هذه القصة من الموضوعات المنكرة والأحاديث الواهية ، منهم :
1.قال الإمام ابن مندة كما في الإصابة (1/200) :
2.قال الإمام ابن الجوزي في الموضوعات (3/347) :
(هذا حديث موضوع شديد البرودة ، ولقد فضح نفسه من وضعه بقوله : وذلك حين نزل عليه ( ما ودعك ربك وما قلى ) وهذا إنما أنزل عليه بمكة بلا خلاف ، وليس في الصحابة من اسمه دفافة ، وقد اجتمع في إسناده جماعة ضعفاء منهم المنكدر ، قال يحيى : ليس بشئ ، وقال ابن حبان : كان يأتي بالشئ توهما فبطل الاحتجاج بأخباره . ومنهم سليم بن منصور فإنهم قد تكلموا فيه ، ومنهم أبو بكر المفيد ، قال البرقانى : ليس بحجة ، قال وسمعت عليه الموطأ ، فقال لى أبو بكر بن أبى سعد : اخلف الله نفقتك ، فأخذت عوضه بياضا . وقد روى هذا الحديث أبو عبد الرحمن السلمى عن جده إسماعيل بن نجيد عن أبى عبدالله محمد بن إبراهيم العبدى عن سليم ، و هؤلاء لا تقوم بهم حجة)
3.قال الإمام ابن الأثير في أسد الغابة (1/290) :
(وفيه نظر غير إسناده ، فإن قوله تعالى "ما ودعك ربك وما قلى" نزلت في أول الإسلام والوحي، والنبي بمكة، والحديث في ذلك صحيح، وهذه القصة كانت بعد الهجرة، فلا يجتمعان)
4.قال الإمام الذهبي في تلخيص الموضوعات (ص 296) :
(من وضع الطّرقية ، وفضح نفسه الذي وضعه إذ يقول وذلك أيام ودعه ربه وكان ذلك بمكة ، رواه أبو نعيم في الحلية عن المفيد وليس بثقة ثنا موسى بن هارون ومحمد بن الليث الجوهري ثنا سليم بن منصور بن عمار واه ثنا أبي عن المنكدر عن أبيه عن جابر وقد رواه السلمي وفي النفس منه ثنا إسماعيل بن نجيد عن محمد بن إبراهيم البوشنجي عن سليم فالله أعلم)
وقال في تجريد أسماء الصحابة (1/68) :
(ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري خدم النبي صلى الله عليه وسلم جاء في حديث شبه موضوع)
5.قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة (1/200) :
(ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري يقال إنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم روى بن شاهين وأبو نعيم مطولا من جهة سليم بن منصور بن عمار عن أبيه عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر أن فتى من الأنصار يقال له ثعلبة بن عبد الرحمن كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فبعثه في حاجة فمر بباب رجل من الأنصار فرأى امرأته تغتسل فكرر النظر إليها ثم خاف أن ينزل الوحي فهرب على وجهه حتى أتي جبالا بين مكة المدينة فقطنها ففقده النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلاه ثم إن جبريل نزل عليه فقال يا محمد أن الهارب بين الجبال يتعوذ بي من النار فأرسل إليه عمر فقال انطلق أنت وسلمان فائتياني به فلقيها راع يقال له دفافة فقال لعلكما تريدان الهارب من جهنم فذكر الحديث بطوله في اتيانهما به وقصة مرضه وموته من خوفه من ذنبه قال بن منده بعد أن رواه مختصرا تفرد به منصور .قلت : وفيه ضعف وشيخه أضعف منه ، وفي السياق ما يدل على وهن الخبر لأن نزول "ما ودعك ربك وما قلى" كان قبل الهجرة بلا خلاف)
6.قال الحافظ السخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (ص 152) :
(قال ابن منده بعد أن رواه مختصراً انفرد به منصور، انتهى . وفيه ضعف وشيخه أضعف منه. قال شيخنا-أي ابن حجر- في الإصابة : وفي السياق ما يدل على وهن الخبر، لأن نزول "ما ودعك ربك وما قلى" كان قبل الهجرة بلا خلاف)
7.قال الحافظ السيوطي في اللآلئ المصنوعة (2/307) :
(موضوع المنكدر ليس بشيء وسليم تكلموا فيه وأبو بكر المفيد ليس بحجة وليس في الصحابة من اسمه ذفافة وقوله تعالى (ما ودعك ربك وما قلى) إنما نزل بمكة بلا خلاف .ورواه أبو عبد الرحمن السلمي عن جده إسماعيل بن نجيد عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي عن سليم وهؤلاء لا تقوم بهم حجة . قلت : ورواه الخرائطي في اعتلال القلوب حدثنا أحمد بن جعفر بن محمد حدثنا إبراهيم بن علي الأطروش حدثنا سليم بن منصور به والله أعلم)
8.قال العلامة ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة (2/285) :
(وفيه المنكدر بن محمد بن المنكدر ليس بشيء وسليم بن منصور بن عمار تكلموا فيه وأبو بكر المفيد ليس بحجة وقوله تعالى (ما ودعك ربك وما قلى) إنما نزلت بمكة بلا خلاف ورواه أبو عبد الرحمن السلمي عن جده إسماعيل بن نجيد عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي عن سليم وهؤلاء لا تقوم بهم حجة .قلت : سليم توبع فقد رواه عثمان بن عمر الدراج في جزئه فقال حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن هشام الطالقاني حدثني جدي حدثنا منصور بن عمار وهذا الطالقاني ما عرفته وتقدم في المقدمة أحمد بن محمد الطالقاني وأنه مجهول متهم فما أدري أهو هذا أم غيره والحديث أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال رواه ابن منده مختصرا وقال تفرد به منصور قال الحافظ قلت وفيه ضعف وشيخه يعني المنكدر أضعف منه وفي السياق ما يدل على وهن الخبر لأن نزول (ما ودعك ربك وما قلى) كان قبل الهجرة بلا اختلاف انتهى ، وقضيته أن الخبر ضعيف لا موضوع والله تعالى أعلم)
قلت : بل الخبر موضوع واهٍ كما نص على ذلك الأئمة كابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي .
9.قال العلامة الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص 234) :
(حديث : أن رجلاً من الأنصار يقال له : ثعلبة بن عبد الرحمن : أسلم . وكان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكر حديثاً طويلاً في ذنبه وتوبته ، رواه بطوله أبو نعيم ، وهو موضوع)
قال الحافظ ابن سيد الناس اليعمري في عيون الأثر في المغازي والسير (2/391) عند حديثه عن خدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
(وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري له حديث حسن طويل من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر قال كان فتى من الأنصار يحف برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويحدثه أنه مر بباب رجل من الأنصار فاطلع فيه فوجد امرأة الأنصاري تغتسل فكرر النظر وذكر باقي الحديث بطوله في سبب توبته. ذكره أبو محمد الرشاطي وقال أغفله أبو عمر ولم ينبه عليه ابن فتحون وقد رأيت عن أبي حاتم البستي قال في ثعلبة هذا مات خوفاً من الله في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو إشارة إلى هذا الحديث)
فقول الحافظ ابن سيد الناس رحمه الله تعالى : (حديث حسن) ليس بحسن ، لما سبق بيانه وتفصيله .
وقد كتب الشيخ عبد الله زقيل مقالة مفصلة نافعة حول نقد هذه القصة الباطلة وهذا رابطها :
كما حذر الشيخ علي حشيش من هذه القصة في مجلة التوحيد "عدد 33 تاريخ 1/11/2004"وهذا رابط موضوعه :
وسئل مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية المباركة عن هذه القصة فأجاب :
(الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية وفي سنده أبو بكر بن المفيد ومنصور بن عمار وشيخه المنكدر بن محمد بن المنكدر وهم ضعفاء.
فأما أبو بكر فقال فيه الذهبي في الميزان متهم، وقال فيه السيوطي ليس بحجة، وأما منصور فقال ابن حجر في لسان الميزان عند الحديث عنه قال ابن عدي منكر الحديث، وقال أبو حاتم ليس بالقوي.
وأما المنكدر فقد عده ابن حبان في المجروحين، وقال ابن حجر في التقريب والذهبي في الكاشف إنه لين الحديث، وقال العجلي في معرفة الثقات إنه ضعيف، وبناء عليه فإن الحديث غير صحيح، وقد ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة وعده في الموضوعات ، والله أعلم)
والخلاصة أن هذه القصة المنسوبة إلى الصحابي الجليل ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري رضي الله عنه منكرة موضوعة باطلة ، لا ينبغي نشرها ولا الاشتغال بها إلا للتحذير منها .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين