47*
ماذا قدمت لنفسك ...؟
اخى الحبيب
الدنيا دار الفناء, وجسر لدار الخلد والبقاء, ونحن فيها ضيوف نبقى قليلا ثم نرحل وليس ما يرحل معك ولدك ولا مالك لا جاهك ولا سلطانك, فما يصحبك هو عملك, والموت لا يفرق بين غني ولا فقير, بين صغير ولا كبير ولا ينتظرك لتعد العدة
فهل سالت نفسك يوما
ماذا قدمت لنفسي؟؟؟
هل أنا مستعد للرحيل؟؟؟
قال الله تعالى : {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سـورة البقـرة:110]
فما يبقى هو عملك
قال الله تعالى
{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105].
العمل الصالح, في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات أصبح الدين فيه يباع بعرض من الدنيا وينسلخ منه من اجل منصب أو مال وهذا من اخطر ما يكون
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" رواه مسلم.
نعم أصبح الدين يباع مقابل شهوات النفس التي لا حدود لها والمؤدية للهلاك لا محالة ولذلك وجب أن نتولى أولا تأديب أنفسنا
فالنفس البشرية تتأرجح بين مراتب عديدة فتأخذ طابع الإيمان والرقي تارة، وطابع التردي والانحطاط تارة أخرى وذلك تبعاً لنوع وحجم الغذاء الروحي الذي يعتمده الإنسان.
وصلاح هذه النفس ورقيها يأتي بالجد والاجتهاد والإخلاص في طاعة الله.. ومراقبتها على مستوى القول والفعل ،وهذه المجاهدة سبيل للهداية ومن طلب الهداية فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه لها، قال عز وجل:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت:69].
وعلى قدر الهداية تأتي ألا عمال الصالحة
عن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"إن هذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح, فطوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر, وويل لعبد جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير" رواه ابن ماجه
إن أبواب الخير كثيرة، والسبل إليه متعددة، وقد خلقنا الله سبحانه وتعالى في دار مصيرها الفناء، والمؤمن الفطن من يغرس فيها شجرة البقاء، إنها شجرة اسم الله في قلب المؤمن تنبت على حب الله وخشيته، وتكبر وتترعرع بالأعمال الصالحة الخالصة لوجهه تبارك وتعالى
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء, تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)[ إبراهيم: 24, 25].
فجمال هذه الشجرة و ثمارها تكون بقدر ما يكون عليه المسلم من استعداد، فالله أعطاه عقلاً وإرادة واختياراً، فمن أعطى الإرادة ووجه الجهد للخير حصَّل ذلك ، والله يعطي على قدر الاستعداد
وعلى قدر إخلاص العبد لربه يأتي القبول و الجزاء فالإخلاص هو أن يجعل المسلم كل أعماله لله -سبحانه- ابتغاء مرضاته، وليس طلبًا للرياء والسُّمْعة ،فلا يعمل ليراه الناس، ويتحدثوا عن أعماله، ويمدحوه، ويثْنُوا عليه
فالله -سبحانه- لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه تعالى. قال تعالى في كتابه: {وما أمروا إلا يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5].
وقال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3].
عن أبي امامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابْتُغِي به وجهُه) [النسائي].
وعلي قدر الصدق بالحب تكون صلة الروح مع المحبوب ويستمر العطاء
قال الله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر والبر
يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" [متفق عليه]
وعلى قدر معرفة العبد لربه تكون الطاعة والخشية
وكل هذا محله القلب
فالقلب خزانة الأسرار مفتاحها كثرة الأذكار, ثمرها فيوضات الأنوار, إنتاجها الالتحاق بالأبرار, وما يكون تلقيح قلوب المريدين إلا بصدق التوجه إلى قلوب العارفين
أما آن الأوان ؟ ؟ ؟ أم أن كثرة الأمل أخذت مكان العمل
قال اْبو الدر داء رضي الله عنه :أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث أضحكني مؤمل دنيا والموت يطلبه وغافل ليس مغفول عنه وضاحك بملْ فيه لا يدري اْاْرضى الله أم أسخطه ؟وأبكاني : فراق الأحبة محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه وأحزنني هول المطلع عند غمرات الموت والوقوف بين يدي الله تبدو السريرة علانية ثم لا يدري الى الجنة اْو النار
أم انك تضمن دوام الحال ؟؟؟
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "..بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا مُنسيًا، أو غنى مُطغيًا، أو مرضًا مُفسدًا، أو هرمًا مُفندًا، أو موتًا مُجهزًا، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر".. رواه الترمذي وقال حديث حسن
فهذه سبع حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام ، وأمرنا أن نبادر بالأعمال قبلها ، فبادر يا أخي المسلم بأعمالك الصالحة قبل أن يفوتك الأوان ، فأنت الآن في نشاط ، وفي قوة ، وفي قدرة ، لكن قد يأتي عليك زمان لا تستطيع ولا تقدر على العمل الصالح ، فبادر وعود نفسك ، وأنت إذا عودت نفسك العمل الصالح اعتادته ، وسهل علينا وانقادت له ، وإذا عودت نفسك الكسل والإهمال ؛ عجزت عن القيام بالعمل الصالح
فلن يبقى معك في دار الخلد غير عملك
عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللّه عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يَتْبَعُ الميِّتَ ثَلاثَةٌ : أهْلُهُ ومَالُهُ وعَمَلُهُ. فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، ويَبْقَى وَاحِدٌ: يَرْجِعُ أَهْلُهُ ومَالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ ". (متفق عليه).
قال الشاعر
تزود قرينـا مـن فعالـك إنمـا
قرين الفتى في القبر ماكان يفعل
وإن كنت مشغولا بشيء فلا تكـن
بغير الذي يرضى بـه الله تُشغـل
فلن يصحب الإنسـان بعـد موتـه
إلى قبره إلا الـذي كـان يعمـل
ألا إنمـا الإنسـان ضيـف لأهلـه
يقيـم عندهـم قليـلا ثـم يرحـل
كل شيئ يفنى ويبقى ما قدمت لنفسك من خير
روى اْبونعيم من حديث قتادة عن اْنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره : من علم علما اْو أجرى نهرا اْو حفر بئرا اْو غرس نخلا اْو بنى مسجدا اْو ورث مصحفا اْو ترك ولدا يستغفر له بعد موته" صدق رسول الله
قال الشاعر:
لكل اْناس مقبـر بفنائهـم
وهم ينقصون والقبور تزيد
وقال اخر:
واذا وليت اْمـور قـوم ليلـة
.فاعلم باْنك بعدهـا مسـؤول
واذا حملت الى القبور جنازة.
.فاعلم باْنـك بعدهـا محمـول
يا صاحب القبر المنقش سطحه
ولعلـه مـن تحتـه مغـلـول
فلنبادر بالخيرات
والخير خير العلم وخير العمل الصالح وخير التوجيه وخير الخير أن يجري الله هداية إنسان على يدك هو الخير الأكمل
لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"
فعطاء الله على هداية الفرد خير الدنيا وما فيها ومع ذلك يقصر المسلم في الدعوة.و بالمقابل لاتحتقر شيء
من الأعمال فما تدري ماهو العمل الذي قد يكون فيه دخولك الجنة ونجاتك من النار
وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال صلى الله عليه وسلم " لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أ ن تلقى أخاك بوجه طلق" حديث صحيح
سارع وازرع نبتة قلبك في أرض التواضع واسقها بماء الوصال وضع برعم الحب على ساق النبتة تلقحها واربطها برباط الوصال لتمنع عنها هوى النفس عندئذ تثمر ثمرة المراقبة والخشية
والله لا قيمة للحياة ولا قيمة لأيامنا وليالينا ما لم يكن العبد فيها مفتاحا للخير ومغلاقا للشر ..ما لم تكن حياته على طاعة الله
عن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال في خطبته " آلا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، آلا وان الاخره اجل صادق، يقضي فيها ملك قادر ألا وان الخير كله بحذافيره في الجنة آلا و إن الشر كله بحذافيره في النار فاعلموا وانتم من الله على حذر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"
مسند الشافعي
فكر....خلال سنوات حياتك ....ماذا قدمت لنفسك ؟ ……… لدينك ؟……… لامتك ؟……… …….ماذا ستقدم وماذا ستغرس للبقاء ؟ فلم يفت الأوان بعد
فاعمل ، وزن عملك قبل أن يوزن عليك ، واعلم أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني
ما احوج المسلمين اليوم الى من يرد لهم ايمانهم بانفسهم وثقتهم بماضيهم ورجائهم في مستقبلهم وما احوجنا لمعرفة هذا الكنز الذي نحمل اسمه ونجهل معناه والذي اخذناه بالوراثة اكثر مما اخذناه بالمعرفة