مفاهيم يجب أن تصحح من ا لتاريخ
كما عرفتم إن عنوان هذه الكلمة أباطيل يجب أن تُمحى من التاريخ، وأنالدي تحفظ كبير جداً على هذا العنوان وهو لا يجوز أن يمحى شيء من التاريخ بل يجب أنيبقى التاريخ كله محفوظاً كما تسالم السلف رحمهم الله تبارك وتعالى نقله لنا فلايجوز لنا أن نتعرض لكتب أهل العلم فنمحو منها شيئاً ما، بل يجب أن تبق الكتب كما هيولعل المراد من العنوان أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ أي من أذهان الناس، أما أنتُمحى من التاريخ كتابة فهذا لا يجوز لأنه لا يجوز أن تمس كتب العلماء، وإنما يكونالأمر بالاختصار مثلاً أو تأليف جديد أو ما شابه ذلك، أما الكتب التي جمعت التاريخلنا كتاريخ الطبري، وعمر بن شبة والحافظ بن كثير في البداية والنهاية أو تاريخالإسلام للذهبي، أو ما كتبه غيرهم فإنه لا يجوز أن يتعرض التاريخ بالمحو وإنما أنتصحح المفاهيم كأن نقول مثلاً مفاهيم يجب أن تصحح عن التاريخ فلعل هذا العنوان يكونأنسب وأسلم. وذلك أن العلماء السابقين كالإمام الطبري مثلاً الذي هو إمام المؤرخينعلى الإطلاق بدون استثناء الذي جمع لنا هذه المادة العظيمة من التاريخ بالأسانيدسواء كانت هذه الأسانيد صحيحة أو ضعيفة هذا أمر آخر، لكنه لاشك أنه قام بعمل جباروهو أنه جاء إلى الروايات المبثوثة في التاريخ فجمعها جميعاً في كتابواحد،
وللأسف هناك من يعيب عن الإمام الطبري أنه جمع في كتابه الغث والسمينوهو طالما أنه كتب الإسناد فإنه لا لوم عليه أبدا، ولذلك قالوا: من أحال إلى مليءفقد استبرء (أي قد أدى الذي عليه) وهكذا فعل الإمام الطبري رحمه الله تعالى جاء إلىالروايات المتناثرة ثم جمعها في مكان واحد وقال: هذا تاريخكمولكن انظروا إلىالأسانيد فما كان من هذه الأسانيد صحيحاً فاقبلوه وإلا فليرفض. فهذا العمل للإمامالطبري رحمه الله تعالى عمل عظيم ولذلك لو جاء شخص ما مثلاً إلى المعجم الكبير مثلالطبراني أو تاريخ ابن عساكر وهي الكتب التي جمعت كثيراً من الأحاديث الضعيفة معالأحاديث الصحيحة ثم يقول نمحو الأحاديث الضعيفة من المعجم أو من تاريخ دمشق لابنعساكر فنقول له هذا قول باطل وذلك إن ابن عساكر والطبراني وغيرهما كذلك إنما جمعوالنا كل شيء بالأسانيد فما كان صحيح فاقبله وإلا فردّه فلا لوم لا أولاً ولا آخراًعلى الإمام الطبري وغيره رحمهم الله تبارك وتعالى. والإسناد كما قال ابن سيرين: الإسناد من الدين ولو الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولذلك اهتم علماء المسلمين بقضيةالإسناد فإنك لا تجد أبداً في غير الإسلام قضية الإسناد أما الأديان المحرّفةكاليهودية والنصرانية وغير الأديان كل أولئك القوم حرّفوا أديانهم وحرفوا كتبأنبياءهم وعلماءهم وحفظ الله تبارك وتعالى هذا الدين لنا بهذه الأسانيد بأناس وفقهمالله تبارك وتعالى أن يحفظوا لنا ذلك التراث العظيم من النبي صلوات الله وسلامهعليه والصحابة ومن جاء بعدهم إلى ما شاء الله جل وعلا، وقد نصّ أهل العلم أنه لايقبل شيء من الحديث إلا إذا صح سنده بل إن القرآن لا يقبل إلا إذا كان متواتراً،والقرآن كله نُقل إلينا بالتواتر فكذلك الأمر بالنسبة إلى السنة لا يقبل منها إلاما صحّ سنده، وكذلك الأمر بالنسبة للتاريخ وإن كان أهل العلم يتساهلون في روايتهلكن قضية القبول متوقفة على صحة الإسناد أو عدم صحته، وسنتطرق إن شاء الله تباركوتعالى إلى بعض المسائل التاريخية التي يجب أن تُمحى أو التي يجب أن تُصحح، وهي بعضالقصص المشهورة بين الناس أحببنا أن نبين مدى صحة هذه القصص ومدىبطلانها:
size=medium خلافة عثمان رضي الله عنه وما كان فيها منالفتنة
ولاشك أن هناك عناوين أخرى ومسائل كثيرة يجب أنتُطرح وتُصحح ويجب أن يُبين الحق فيها ولكن لعل المجال لا يتسع إلا لهذه وإن كان معهذه لعله يطول قليلاً.
كما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمبدأ الدعوة في مكة شرّفها الله تبارك وتعالى وتلقى من قومه الأذى وتحمل صلوات اللهوسلامه عليه وأوذي أصحابه وقُتل منهم قتل كوالد عمّار بن ياسر وأمه وعُذّب من عُذّبكعمار وبلال وصهيب وعبد الله بن مسعود وغيرهم واضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلمبعد ذلك إلى أن يأذن لأصحابه بالهجرة وأمرهم أن يهاجروا إلى الحبشة وأخبرهم أنملكاً هناك لا يُظلم عنده أحد فأمر الصحابة أن يهاجروا إلى الحبشة فهاجروا مجموعةمن الصحابة إلى الحبشة وظل الباقون في مكة يدعون إلى الله تبارك وتعالى ويصبرون علىأذى المشركين وكان أن وقع في يوم من الأيام وذلك بعد نزول قول الله تبارك وتعالى فيسورة النجم \"والنجم إذا هوى وما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عنالهوى إن هو إلا وحي يوحى.....إلى آخر السورة\" لما بلغ النبي صلى الله عليهوآله وسلم \"فاسجدوا لله واعبدوا\" سجد صلوات الله وسلامه عليه وسجد الصحابة رضيالله تبارك وتعالى عنهم وقال ابن مسعود: وسجد الإنس والجن وسجد مشركوا مكة يقول إلارجل واحد أخذ تراب من الأرض وضعه على جبهته وقال: يكفيني هذا، وأما باقي الكفارفكلهم لم يتمالكوا أنفسهم أن سجدوا لله تبارك وتعالى. ذُكرت آية في هذه السورة وهيقول الله تبارك وتعالى \"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثةالأخرى\" وقصة الغرانيق هي أنها لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصليأو يقرأ هذه السورة لما بلغ قول الله تبارك وتعالى \"أفرأيتماللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى\" سمع الناس قول النبي صلى الله عليهوآله وسلم تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. قالوا: ولهذا سجد كفّار مكة معالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه مدح أصنامهم وذُكرت في هذه القصة أسانيد كثيرةذكر الحافظ بن حجر أنها صحيحة ولكنها مرسلة ثم توصل إلى قول وهي وإن كانت ضعيفة منحيث الإرسال إلا إنها مع كثرتها يظهر أن القصة لها أصل. ولاشك أن القصة باطلة بهذهالصورة وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدح أصنامهم، كيف؟ والنبي صلى اللهعليه وآله وسلم أنزل الله تبارك وتعالى عليه \"قل يا أيهاالكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولاأنتم عابدون ما أعبد\" وذلك لما عرض كفار مكة على النبي صلى الله عليه وآلهوسلم أن يعبد أصنامهم سنة وأن يعبدوا الله وحده لا شريك له سنة فأنزل الله إليه تلكالآيات، فلا يعقل أبداً أن يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصنامهم. ثم كذلكالسجود إنما كان في آخر السورة كما هو معلوم ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلميمدح هذه الأصنام ويقول تلك الغرانيق العلا قالوا: ألقاها الشيطان على لسان النبيصلى الله عليه وآله وسلم بدون قصد منه صلوات الله وسلامه عليه وذلك عند قول اللهتبارك وتعالى \"وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنىألقى الشيطان في أمنيته\" فقالوا: إن الشيطان هو الذي ألقى على النبي صلىالله عليه وآله وسلم ذلك الكلام فظنه صلوات الله وسلامه عليه من جبريل لما كانتتنزل عليه هذه السورة ويقرأها فجبريل يقرأ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمعويقرأ على الناس فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تدخل جبريل وسط هذه القراءةلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع جبريل \"أفرأيتم اللاتوالعزى ومنات الثالثة الأخرى\" فألقى إليه الشيطان تلك الغرانيق العلا وإنشفاعتهن لترتجى، فظن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا من جبريل فقالها فأُعجبكفار مكة بهذا القول. وهذا القول باطل لأمور كثيرة:
أولاً:لايمكن أبداً لا يستطيع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرق بين كلام جبريل وكلامالشيطان فكيف يُعقل أن يقول إنسان عاقل تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى؟فكيف ينسب هذا إلى أعقل الناس صلوات الله وسلامه عليه؟
ثانياً:إذاكان الشيطان يلقي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يفرّق بين قوله وقول جبريلفلا ثقةً إذاً بالشرع فكل ما عندنا من شرع يمكن أن يكون ألقاه الشيطان ولم يفرّقالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين قول جبريل وقول الشيطان. ثم أن هذه من المسائلالمعروفة عند كل أحد فكيف تخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذه من مسائلالعقيدة العظام التي لا تخفى على أحد ولا يُعذر أحد بجهلها فكيف يقع هذا من رسولالله صلى الله عليه وآله وسلم ثم كيف يكون الشيطان تسلّط على النبي صلى الله عليهوآله وسلم.
ثالثاً:ثم يقال إن هذا الأمر إن كان من الشيطان فإنهحمله بعض أهل العلم على أن الشيطان قلّد صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أنالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي تكلّم بهذا، بل قلد الشيطان صوت النبي صلىالله عليه وآله وسلم وصاح في كفار مكة تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فظنكفار مكة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ظن الذين سمعوا أن النبي صلى اللهعليه وآله وسلم هو الذي قال ذلك الكلام، وهذا أقرب الأقوال إذا قلنا بصحة الآثار،وإذ قلنا بضعفها وهو الصحيح فلا داعي أبداً لهذا التأويل. وتبقى القصة باطلة ولاتقبل أبداً أن تكون وقعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن أراد أن يتوسع فيهذا فليرجع إلى كتاب أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي فإنه رد ذلك القول جملةوتفصيلا رحمه الله تبارك وتعالى.