لو كان الأمر بيدى
لو كان الأمر بيدي لأدرجت الصراع مع الصهاينة في جميع مناهج التعليم في بلادنا،وقررت فيها الطريق إلى تحرير فلسطين وفق النهج الإسلامي، وأنه يمـرُّ عبر إعادةوحدة الأمة معتزة بدينها.
ولجعلت مادة، (قضايا الأمّة والصراع الدولي في ضوءالقرآن والسنة)، مادة أساسية في كلّ كليات الشريعة، ومعاهد الخطابة، وتتناول ثلاثةمباحث رئيسة: المكائد الغربية على الأمة الإسلامية ودور الصهاينة فيها، رسالة الأمةالحضارية وكيف تقوم بها الأمـّة، النظام السياسي الإسلامي والطريق إلى استعادة دورهالموحّد والناهض بالأمة، ولو كنت مديرا لجامعة تدرّس الشريعة لوضعت في هذا العلـممؤلفا، ومعـه متن، أو نظم، ليحفظه الطلاب، ذلك أنّ من أعـظم أسباب ظهور طائفتي: (السلعمانية)، و(السلعبيدية)، هـو غياب فقـه هذا العلـم بين طلاب الشريعة، حتى إنَّأحدهـم ربما يتخرّج، وهـو يمشي بين الناس كالأهبل لايدري ما الذي يجريحوله!!
ومن الطرائف أنَّ سائلا سأل أحد هؤلاء عن موقف المسلمين فيبلادهم ذات الصراع السياسي المحتدم من إحدى القضايا، فقال له المفتي: "تسمع وتطيعلولي أمركم"!!، فقال له السائل: "إنّ حاكم بلدنا العربي يا شيخ ـ وفق الدستور ـ مندين غير الإسلام أصـلا"، فلم يصدقه؟!!
ولو كان الأمر بيدي لفرضت علىالقنوات الإسلامية بثّ ساعة يومية موحّدة عن فلسطين، يُركّـز فيها على معاناة غزة،ويُطلب من جميع الدعاة أن يكون لهم دور في تحريض المسلمين على فكّ حصارها، وتثبيتأهلها على خيار المقاومة، ولو جُعلت هذه الساعة بثّا مشتركاً مع قناة الأقصىالمباركة فبها، ونعمـت.
ولجعلت لقضية المسجد الأقصـى خصوصية أكبر،وأبرزتها في جميع وسائل الإعلام الإسلامية، بحيث تظهر على طرف الشاشة دائما، حتىيتم تحريره.
وبهذه المناسبة أقترح على جميع الحركات الجهادية أن تبني لهامنبراً (رمزيا) حقيقيا للأقصى، وتُظهـر صورته على منابرها الإعلامية، من طالبان إلىفلسطين، مروراً بفصائل الجهاد في العراق، لإبراز التنافس على تحريره، وفي ذلك رسالةعظيمة تحيي في الأمّـة روح العزيمة على الانتصار، وترفع معنوياتـها، وتوحّدهـا علىأعظم قضاياها.
ولو كان الأمر بيدي لجعلت أكثر من نصف الإنفاق في العملالخيري الإسلامي في تأسيس شبكة عملاقة من القنوات الفضائية الداعية إلى الإسلامبكلّ اللغات العالمية المشهورة، مع أنّ هذا المشروع يتبنـّاه بعض الدعاة، وأُخبـرتأنهـم يعانون من صعوبـة إقناع المحسنين بأنّ الإنفاق الخيري في هذا المشروعالعمـلاق أفضل وأجدى وأعظم بركة على المسلمين من غيره؛ لأنّ الناس إذا اهتدواللإسلام، أو أحينـاه في قلوبهم سيبنون مساجدهم ومعاهد القرآن من أموالهم، وذلكخيـرٌ من أن نبني مساجد تكلّف الملايين وربمـا لا يصلّي فيها إلاّ النزراليسيـر!!
وفائدة هذا المشروع ـ أيضا ـ أنه يكسر الطوق عن الحصار علىالإسلام، ويُعجـز اعداءه عن ملاحقــته، ذلك أنّ الإسلام إذا انتشر في جميع الأرضبالإعلام الإسلامي بجميع اللغـات فسنوسّع ساحات انبعاثه، فربما يظهر فيه من الشعوبغير العربية من يقوم به إذ تخلّـى عنه العـرب، قال الحق سبحانه: {وَإِنتَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [سورة محمد: 38]، ولا ننسى كيفقام العثمانيون الأتراك بهذا الدين، فملؤوا الأرض من نوره، ونشروا حضارته، وحموابيضته، قرونا متطاولة.
ولو كان الأمر بيدي لوفـّرت من أموال العملالخيري قسطاً وفيـراً لضخّ السلاح إلى غزة استعدادا للمعركة القادمة التي يتوعـَّدبها الصهاينة إخواننا في حماس، وبقية الفصائل المجاهدة.
ولوضعت مشروعايتعاون فيه الجميع لإزالة القيود التي فرضها الغرب على العمل الخيري الإسلامي،ليمنعهـا من نصرة قضايا المسلمين.
ولأعدت قضية استقلال الشيشان إلىالواجهة مرة أخرى، مع التأكيد على الاستفادة من الأخطاء التي أدّت إلى الفشل, فقدأصبح قديروف اليوم يسخـّر (الدعاة) لتثبيت حكم (بوتن) على الشيشان!!
ولوكان الأمر بيدي لجمعت العلماء، والدعاة، ونشطاء الصحوة، في مؤتمر عام، يؤخذ فيهالميثاق لنصرة الشعوب الإسلاميّة لاسيما في البلاد المحتلة، وعلى رأسها فلسطين ـوإن كره الطغاة ـ وتوضع فيه البرامج الدعوية، التي تحلّ فيهـا مفاهيـم ثقافةالعـزّة والمقاومة، مكان ثقافة الانهزام، ونهج دعـم مشاريع النهضة والتغيير، بدلمشاريع الخنوع للواقع، وينبثق عن هذا المؤتمر، تجمعٌ لعلماء ليس فيهم متشوّف لمنصبدنيوي، ولا طامع في تزلـّف لسلطة، ولا خائف من عصا سلطان، تجمـّع يمـدّ الجسور إلىكلّ الحركات التي تقاوم الطغيان الغربي على العالم، ويغطيها بشرعية الإفتاء،وسلطانه الباهـر على القلـوب، والعقول.
ولجعلت الحركة الجهادية تضعلنفسها دستـوراً يشبه دستور طالبان، يضبط مسيرة الجهاد المباركة، ويحـدد الثوابـت،ويترك مساحة للإجتهاد الذي تعذر فيه الحركات الجهادية في المتغيرات، ليحميها منالغلـوّ والعبثيّة، والفوضى والجهل، وشتات الرأي، والراية، والصراع الداخلي، وشطحاتالعجلة، و(العنتريات ) في غير محلّهـا، وحرق المراحـل بسذاجة سياسية مثيرة لشفقةالمحبّ، وسخرية العـدوّ ! مما حوّل بعضها إلى وقود يحرق في مشاريع أخرى من حيث لايشعرون!!
ولو كان الأمر بيدي لأمرت بأن يُنشـر بين الحركات الجهاديةكيفية الاستفادة من وسائل العصر ـ كما استفاد النبيُّ صلى الله عليه وسلم من وسائلعصره ـ في إدارة الصراع، ومنها الوسائل الإعلامية، والطرق السياسة العصريةكالمناورات السياسية وعقد التحالفات والالتفاف على أهداف العدوّ سياسيا، وكسب الرأيالعام لصالح مشروع الجهاد، وكيفية إدارة الأزمات ..إلخ، فجهل هذه الوسائل في عصرناتماما كجهل أنواع الأقواس، أو كيفية حصار القلاع في الأزمنة الماضية، فهـي مؤثرةجداً في واقعنا المعاصر.
ذلك أنَّ المطّلـع على بعض التجمّعات يجدها في (عتمة أميّة سياسية) قـد جعلتـها عرضة لإتخاذ خطوات عميـاء في إدارة الصـراع، فصارتنتيجتـها أنها تحاصر نفسها بنفسهـا، وربـّما تقضي على مشروعها وهي لا تدري، أوتتحوّل إلى أداة بيد غيرها، وذلك أدهى وأمـر.
ولو كان الأمر بيدي لجمعتالفصائل الجهادية في العراق ـ وغيره أيضا ، وقلت العراق لأنهّـا الأكثـر خلافاللأسف ـ لوضع ميثاق شرف يؤكـّد فيه الجميع على شعار (كلّ البنادق نحو العدوّ) ويغلبروح الأخوة الإسلامية، ويطرد دعاة الشقاق، ومؤجّجـي نار الخلافات، وروح الفرقة،بنشر المطاعن، وتوزيع الاتهامات، وتصيّد الأخطاء، فذلك كلّه لا يخرج إلاّ ممن لايبتغي وجه الله في الانتصار للأمّة، بل همُّه منصـبُّ على نصر حزبه، وجماعته، فهـويضـيق ذرعـاً بإنجازٍ لغير طائفـته، وذلك هو داء الشحُّ الذي قال عنه النبيُّ صلىالله عليه وسلم: «أهلك الذين من قبلكم» [رواه مسلم].
ولوكان الأمربيدي لمنعت كلَّ من لا يعرف بالتتلمذ على شيوخ العلم، ويُعلـم كونه متأهلا للفتوى،منزّهـا عن التزلـّف للحكومات، متجرداً عن الطمع في المناصب أن يفتـي في قضاياالأمّة الإسلامية، وأن يُضرب على يد العابثين بقيادة الرأي في الأمـّة، حتى أسلموهالكلّ مفلس، فضلا عن أشباح (النيك نيم)!!، والمجاهيل في ظلمـة (المناهيـل) ..إلخ
ولجعلت لمنابـر العلوم الشرعية، أوقافـاً تغنيها عن قيـود السلطاتالفاسدة، وتقوم هذه الأوقاف بأعباء إغناء العلماء عن الحاجة إلى أحـد، حتى يتـمّتحرير الفتـوى من أغلال الطغاة، فقد أفسـدوا فيها أيمّـا إفساد.
ولوضعتفي كلِّ قطر إسلامي مؤسسات معنية بالهجوم على مشاريع التغريب الثقافية، وكشف زيفها،بتأهيل الدعاة، والمفكرين، لذلك.
ومن آخر خبائثهم ما قاله خبيث في صحيفةالثقافة اليمنية عدد 503، يتهم فيه القرآن بالتحريف بمقال بعنوان (أخطاء عمرهاأربعة عشر قرنا)!!، وفي جميع البلاد العربية من هذه الحثالة، شرذمة يتبنـّاها الغربالصليبي، وينفخ في هزالها الثقافي والأدبي ليفرضها على الساحة الثقافية بالقراراتالسياسية والهيمنة الإعلامية، وإن التصدّي لهم لمن أعظم الواجبات، لاسيما أولئـكالذي ينشطون هذه الأيام، في عقـر دار الوحي، في جزيرة الإسلام، من أحفاد مسيلمةالكذاب لعنهم الله.
ولو كان الأمر بيدي لجعلـت الحكـّام العرب في بيتأفقر أسرة في غـزّة، وجمعت لهم أطفال غزة يلقون عليهم محاضرات عن الكرامة وعـزّةالإيمان وأهداف الأمّة الإسلامية، ثم بعد ذلك خيرتهم بين أن يطبقوا هذه المحاضراتويوحّدوا الأمـة لمواجهة تحدياتها، أو يرحلوا ـ قاتلهم الله ـ عنـّا.
ولأعدتترتيب البنوك الإسلامية، وتنظيم تعاملاتها وفق الشريعة الإسلامية؛ فقد دخل عليهكثير من الأخطاء، والتخبّط، والمعاملات غير الشرعية، فأفقدتها رسالتها، ومن أعظمأسباب ذلك، أخذهـا الفتوى ممن يتقاضى راتبـه منها، وكان الواجب أن تكون ثمة هيئةمنفصلة تتقاضى راتبا من أوقاف مستقلة، هي التي تفتي للبنوكالإسلامية!!
ولو كان الأمر بيدي لجعلت (شافيز) ـ فإنا لله وإنا إليهراجعون ـ رئيسا للجامعة العربية، ولو مؤقّـتا، على الأقل حتى يتم إصلاح النظامالعربي بالإسلام، ثم لعله يسلم هذا البطل، فيستمر في منصبه.
ولأمرت بتأليفكتاب (شرايين مفتوحة) جديد، يحصي جرائم أمريكا، وبريطانيا، والصهاينة في بلادنا منذقـرن ـ بالتواطؤ مع خونة الزعماء العرب ـ وأمرت بتوزيعه نسخة مجانية لكلّ بيت مسلممن جاكرتا، إلى نواكشـوط، وشمالا إلى استانبول، وجنوبا إلى عدن، على حساب منظمةالمؤتمر الإسلامي، بدل هذه المؤتمرات التي تعقدها بلا فائدة، وتنفق عليهاالملايين!!
ولو كان الأمر بيدي لأضفت إلى قناة (صفا) المباركة، قنواتأخرى تفضـح الفكر الباطني السردابي القادم من طهران، والمتآمر على أمّتنا، الحالمببناء إمبراطورية عنصرية باطنية على حطام حضارة الإسلام.
ولو كان الأمر بيديلجمعت كلَّ القوى في اليمن في إتجاه إحباط مخطط الحوثيين، وإفشال مشروع تقسيماليمن، ليس حبـَّا في نظام حكم عربي فاشل، ولكن دفعا لأعظم شـرّ بتحمّل مادونه.
وكذلك جعلت الأولوية لإفشال المخطط الإيراني على دول الخليج والبلادالعربية والإسلامية، فشـرّ واقعنا المريـر، أقـلّ من ذلك الشـرّ بكثيــر، وتوحيدالجهـود لدحر المـدّ الصفوي، مقـدّم على ما سواه.
ولتعـلم الأنظمة التي تريدمواجهة المشروع الصفوي الذي يرفع شعار أممي، ويتجاوز حدود المستعمر برسالة حضارة،تريـد مواجهـته بشعار الوطنية القزم والأحمق والفارغ، أنهم إلى طريق الفشل سائرون،والإيرانيون سيجرونهم إلى معارك مخطط لها؛ لاستدراجهم إلى استنزاف يضعفهم، ولايُستبعد دعمٌ خفي للغرب!!
ولو كان الأمر بيدي لنشرت هذا المقال في كلّمكان راجيا من الله ثوابه، ولكن هذا البيان، وعلى الله البلاغ، وهو حسبنا ونعمالوكيل، نعم المولى، ونعم النصير ابو صهيب