ابن تيمية – في حقيقة الأمر –صار حديث الركب ،وصار قضية الناس ، وصار الشغل الشاغل للعالم في عصره وبعد عصره ، حتى يحق فيه قول القائل : إنه مالىء الدنيا وشاغل الناس ... يقول فيه المستشرق جولد زيهر : وضع ابن تيمية ألغاما في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب ،وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن وإنك لتجد ابن كثير في ( البداية والنهاية ) – مثلاً – وهو يتحدث في عصر ابن تيمية يجعله الشغل الشاغل ، فأحياناً ينسى من تاريخ الدولة ويذكر ابن تيمية وحده فيقول : دخلت سنة كذا وكان ابن تيمية في جبل كسروان يجاهد النصيرية ، ودخلت سنة كذا وكذا وكان ابن تيمية في الحبس ،ودخلت سنة كذا وكذا وقد ذهب ابن تيمية من الشام إلى مصر ن فصار هذا الإمام هو القضية ، فهذه هي المكالمة والمنزلة ، وهذا هو المجد والعظمة ، وهذا هو الشرف والملك الباقي ، حيث صار هذا الإمام بحق هو شغل الناس الشاغل ، متشاغلين بردوده وكتبه ؛ إن سجن انشغلوا به ، وإن أفرج عنه صار حديثهم ، إن ذهب وغاب صار قضيتهم ، وإن حضر صارا حدوثتهم ، فهو العلم والإمام الذي نشر له هذا القبول بسبب صدفة مع ربه سبحانه وتعالى .
من أعظم صفات العالم أن يدعو غيره إلى ما يحمله من علم ، ,أن ينشر ما حصله ، وأن يبلغ عن الله عز وجل وعن رسول r ما استودعه من ميراث ، وكذلك كان ابن تيمية ؛ فإن مما يميزه بين العلماء أنه تحرك بعلمه ، ودعا إلى الله بعمله ومقاله وقلمه وكتبه ورسائله ن فلم يقتصر علمه على الفيتا فحسب ،ولم ينتظر في بيته ليأتيه الناس ، بل ذهب إلى غيره وزار الأماكن العامة ، وتكلم مع الخاصة ،ودخل عل السلطان ، وحاور الفرق المخالفة ، وناظر المبتدعة وراسل الأقاليم ، فكان بحق رجلاً مباركاً أينما كان، وهذا أحسن ما يكون ف العالم إذا عمل بعلمه أن يدعو إلى هذا العلم المبارك ، كما قال سبحانه : ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) ، وكذلك كان هذا الإمام المقدم في بابه وفي صفاته كان مضرب المثل في نشاطه الدعوى ، وف حركته الإصلاحية وف تجديد العالمي .
ابن تيمية لا يلقى الكلام على عواهنه ، ولا يأتي بكلام متفرق لا رابط لهن وليس بحاطب ليل ، بل هو الراسخ في علمه – كما أسلفنا - ، فكان إذا أتى بمسالة أصلها ، وذكر منشأها أسسها ، وردها إلى قواعدها ، فهو مهتم بالتأصيل وبالقواعد الكلية وبجوامع المسائل اهتمام رجل سبر غور الشريعة ، وعرف مقاصدها ، وأدرك أسرارها ، وكشف غوامضها ، وغاص على دررها ، فكان إذا ظن أن السائل لا يفهم المسالة رجع إلى اصل المسالة ن ثم فرع على هذا الأصل ورد السائل إلى هذا الأصل، وضرب أمثله بجزئيات كثيرة على هذه الكلية ن وذكر أمثلة لفروع هذا الأصل حتى يشفى ويكفي ويكون السائل على بصبرة .
لابن تيمية طرق في الإحاطة ، وطرق في التأليف ، وطرق في الفتوى وفي عرض المسائل ؛ فمرة يكرر الجواب إذا علم أنه لم يعلم من مرة واحدة أو مرتين ، وهو يقول : إنه لابد للحق من أساليب متنوعة ومن أطروحات شتى حتى يفهم ويعرف ، وكلما كرر أبدع وأحسن واشرف ، وأحياناً يكتفي بجواب واحد ، لكنه يبسطه ويكثر الإيراد عليه ، ويأتيه من عدة جوانب ، ويطرقه من عدة أبواب ، ويفتح له السبل ، حتى تنكشف للقارئ المسالة بطول ما يبسطه الشيخ وما يذكره من أدلة ،وأمثلة ،ومن شواهد ن وقصص ، ومن شرح، حتى لا يدع مجالاً للغموض أو التساؤل .
الشجاعة القلبية موهبة من الله عز وجل ، وثبات النفس عطية بمنحها الله من يشاء من عباده ، ومن مزايا هذا الإمام انه ثابت الجنان ، قوي القلب ، لا يهاب المواقف ، ولا يخاف الموت ولا ينكص على عقبيه طعماً في الحياة وعشقاً في البقاء ، بل يقدم إقدام من باع نفسه من الله عز وجل ، فلا يخاف من بشر ، ولا يرهب إنساناً ، إنما خوفه وخشيته من ربه سبحانه وتعالى ، فهو المتوكل – حقيقة – على الله ، المفوض أمره غليه ، قال أصحابه وطلابه ما رأينا اشجع قلباً ، ولا أقوى عزيمة ، ولا أمضى شكيمة ، ولا أثبت جناناً من ابن تيمية ، كان يهدد بالسيف فيمضي صابراً محتسباً ولا يخاف ، وسجن عدة مرات فما رهب وما عاد عن رأيه ، ودخل على الملوك فكاد يزلزل عروشهم بكلامه القوي الصادق العميق ، وكان يشرح فكرته في كل مكان ، وكان إذا دخل بلاط السلطان كأنه يخطب خطبة الجمعة ، فيكون لصوته صولة ، وله جولة وهيبة ، وعليه مهابة فلله دره ما أقواه
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
لا خير في علم العالم ولا دعوة الداعية إذا لم يعظم بذلك ربه ومولاه ويوقره ، ويكون أحب إليه مما سواه ، ويخافه أكثر من غيره ، ويرجوه ويرهبه ، وكذلك كان ابن تيمية فتعظيمه لربه – سبحانه وتعالى – ظاهر من كتاباته وفي رسائله وتأليفه ، وحتى قال بعض الفضلاء من المعاصرين : كنت إذا ضعفت في إيماني عدت إلى المجلد الأول في ( الفتاوى ) ، وقرأت تعظيم ابن تيمية لربه، ومدحه لمولاه ، وكلامه عن قدرة خالقه سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته ، بأسلوب عجيب يأخذ بمجامع القلب ، ويستولي على منافذ النفس ، وهذا ملاحظ ، فتجده إذا ذكر اسم الجلالة عظم ومدح وأثنى ، وهو يذكر آلاء الله عز وجل ، ويحبب ربه إلى خلقه ، ويقدس مولاه وينزهه ، ويتكلم عن أسمائه وصفاته بكلام لم أره لمن قبله من أهل العلم ؛ فإنه يعظم الله بما عظم الله به نفسه في كتابه ، وما عظمه به رسول صلى الله عليه وسلم في السنة ، وبكلام السلف ، ويورد إيرادات عجيبة ، يكاد ينخلع لها القلب ، وتدمع لها العين، ويقشعر لها الجلد ، فلا تقرأ له مقالاً في تعظيم الله عز وجل إلا وتزداد إيماناً ويقيناً ومحبة وتعظيماً لربك سبحانه وتعالى ، وهذا من بركة العلم ومن فتح الله عليه .
توفيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم
توفير الرسول صلى الله عليه وسلم أمر واجب ، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فريضة ، والانقياد إلى أمره والانتهاء عن نهية حتم ، وابن تيمية تلميذ بار في مدرسة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ن وطالب نجيب في جامعة الرسول صلى الله عليه وسلم المباركة ، فقد كان يوقر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ويحترمه وينصر أقواله ، ويقدم قوله على قول كل قائل من الناس ن ويقول ليس في العالم أحد يدور معه الحق حيثما دار إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، ودافع عن رسول صلى الله عليه وسلم ، وأوذي بسبب هذا الدفاع ، وألف كتابه الشهير ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) صلى الله عليه وسلم . أنك تجد في غضون كلماته من إنزال الرسول صلى الله عليه وسلم المنزلة اللائقة التي أنزله بها ربه ما الله به عليم متحاكم غليه ،وليس كإيراد أهل الرأي أ, الفلاسفة أو علماء المنطق ، الذين أعرضوا عن السنة وقدموا العقل على النقل ، بل كان يتحاكم إلى كلام الرسول عليه الصلاة واللام ويرد الناس غليه ، ويرى أنه الحجة الناطقة إذا صح، وأنه لا يسع أحداً في العالم أن يخرج على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .
بنى الله السموات والأرض وخلقهما عل العدل ، والظلم جريمة بشعة سواء كان في الأقوال أو الأعمال ن ومما يلحظه المطلع على ميراث هذا الإمام العدل في ردوده ، والعدل في أجوبته ، وطلب الحقيقة ، فيس بالمتشفي ، ولا بالجائزة ، ولا بالظالم ، ولا بالذي يهضم الناس حقوقهم ويبخس الناس اشياءهم ،ولا بالذي يتجنى عليهم ، ولا بالذي ينسب إليهم ما ليس فيهم ، وليس بالذي يفرج بغلطات أهل الخير من علماء الإسلام ن بل تجده يرد رد منصف طالب للحق ن وكان يردد كثيراً التحذير من الجور ومن الحيف ن ويبسط كلامه في مسألة : ( وحملها في الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) ؛ فيبين كيف وقع الظلم والجهل في الأقوال والأعمال ويربأ بطالب العلم وبالعالم أن يجوز في الحكم على الأشياء ن وأن يحيف ويظلم غيره ، ويحذر من ذلك أتم التحذير .
يقول سبحانه وتعالى : 0 وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) ، والتوسط في الأمور يدل على العلم التام ، والخشية المتناهية ، والعقل الراجح ، وكذلك كان شيخ الإسلام ؛ فهو يحمد ربه – سبحانه وتعالى – أن هل السنة وسط في المسائل ، كما أن أهل الإسلام وسط في الدين واملة ، فهم وسط بين اليهود والنصارى ، وكذلك أهل السنة وسط في باب الأسماء والصفات بين المجسمة الممثلة والجهمية المعطلة ن ووسط في القضاء بين القدرية والجبرية ، ووسط في الوعد والوعيد ين المرجئة والخوارج ، ووسط في حب أهل البيت بين النواصب والروافض ، ويستمر ابن تيمية – رحمه الله – في تعداد هذا الوسط ،ويدعو غليه وينهجه ويحببه ويعتنقه ،وأن من نعم الله – عز وجل – على طالب العلم وطالب الحق وحامله أن يكون وسطاً في كل أموره ، حتى في أخلاقه وسلوكه ن فإن الدين جاء بالوسط لا إفراط ولا تفريط ، ولا غلو ولا جفاء ،القصد القصد تبلغوا ما في الحديث ، والتوسط في الأمور هو المحجة الصحيحة التي ينبغي أن يسلكها طالب العلم في أقواله وأعماله .
ابن تيمية نسخة لم تكرر إلى الآن في حد علمي ، فليس كغيره من الآف العلماء الذين نشؤوا في الأقاليم والمدن ، فكرروا أنفسهم ، وكرروا غيرهم ، فتجد القاضي سبقة الآف القضاة وأتي بعده الآف القضاة ن وهو نسخة طبق الأصل للهؤلاء في علمهم وفي فهومهم وفتاويهم وأحكامهم ، وليس كغيره من المفتين الكثر – مع أن الله نفع بهم – لكنهم يحفظون متوناً ، ويكررون الكلام السابق لائمتهم ، ويتعصبون لمذاهبهم ، ويقلدون شيوخهم ، ولا يخرجون قيد أنملة عن ما تلقوه من أرباب المذاهب ن أما ، إما ابن تيمية فإنه لم يأت ليحفظ متناً ويدرسه ويعلمه الناس ، بل أتي مجدداً لشريعة ربانية اندرست معالمها قبل القرن الذي كان فيه ن فأتي – بفضل الله – في وقته المناسب وفي زمانه وفي مكانه ، آتى يدعو إلى العودة إلى الكتاب والسنة عودة صادقة ن وينبه الناس أنهم وهنوا في بالتمسك بالنص ن ويبين أن البدع غنما دخلت على الأمة ببعدها عن الوحي فصاح في الأمة صيحة قوية عالية سمعها من شاء الله أن يسمعها ،صيحة تدعو الناس إلى العودة إلى المعين العذب الزلال الذي لا ينضب ؛ وهو الحي المبارك كتابا وسنة ، فدعا إلى التجديد في باب المعتقد ، وفي باب العبادات والمعاملات ، وفي الأصول والفروع ، وفي الأخلاق والسلوك ، وألف في ذلك كتباً فكان ، حقاً – هو المجدد في عصره وفي العصور التي تليه، وما رأيت حركة إصلاحية بعد عصر الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين مثل حركة ابن تيمية ، ومن أجل روح التجديد قام المقامات الشريفة والمواقف الجليلة ، وأوذي بسبب هذا التجديد ، وبسبب الدعوة الإصلاحية ، ونسب إليه أنه يخالف الأئمة ويختلف عن السلف، وهذه تهمة كاذبة لا أصل لها ، بل هو الذي نصر مذهب الأئمة الكبار ، وهو أذى أعاد الناس إلى منهج السلف ، وهو الذي أوضح السنة وجدد أمر الدين ، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء .
كثير من أهل العلم من يبرع في مسائل أوفي باب أو في تخصص أوفي علم من العلوم ،أما هذا الإمام فإنه، - في رايي – برع في العلوم كلها ، فهو متمكن في باب المعتقد ،وفي الفقه ، وفي الحديث ، وفي التفسير ،وفي أصول الفقه ، وفي اللغة وفي النحو ، حتى إن من اللطائف أن أهل الفنون يستشهدون بكلامه ؛ كابن هشام صاحب ( شذور الذهب ) الذي استشهد بكلام ابن تيمية في النحو ، وكان يعاد غليه في اللغة ، وكان يسأل عن الرجال في علم الحديث ، وكان يناظر كبار الأئمة في أصول الفقه ، ويعلو عليهم ويغلبهم ، ورد على الفلاسفة وكتب كتاباً في المنطق ، وقالب وهم أصحابه في كثير من المسائل وتكلم في علم الهيئة، وفي علم الفلك ، ومن يقرأ كتبه يصاب بدهشة من عمقه ، وعلو كعبة وسعة دائرته في العلوم ، واتساع ذهنه في المعارف ، حتى صار قصة في هذا الباب ، وأعجوبة في هذه القضية .
الحكمة موهبة يهبه الله من يشاء ، وهي السداد في القول والفعل ، ووضع الأمور مواضعها وإيتان الأمور من أبوابها ، وكذلك كان الشيخ ؛ فمثلاً في باب العلم كان يقدم الأول الأول ، فتجده مهتماً بمسألة التوحيد الكبرى التي هي أعظم مسالة في العالم ، وأجل قضية في الكون، فكان – رحمه الله – يبسط القول في مسائل المعتقد ، ويوضح ذلك أتم التوضيح، ويجاهد من أجله ويناظر عليه ، وكان يلتمس العذر في مسائل الأصول ولا يلاين ولا يتنازل عن شيء ن بل يوضح التوحيد بأبوابه ومسائلة أوضح بيان ، ويدعو إليه ، ويغضب إذا خولف في ذلك وينتصر له أتم الانتصار ، ويلوم ما وقع فيه الكثير من التهاون في باب توحيد الباري سبحانه وتعالى ، وما حصل نتيجة ذلك من انحراف وابتداع ، فكانت جل كتبه في الأصول، وغالب بحوثه في المعتقد ، حتى نظر للمعتقد – سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات – تنظير ، وقعد له تقعيد ، واصل له تأصيلاً استفاد منه الملايين بعده – رحمه الله- وصارت كتبه هي للرجع في المكتبة الإسلامية لمن أراد أن يتعمق ويكشف أسرار الإيمان والمتعقد .
يتابع / ابو صهيب