ترك ابن تيمية للمكتبة الإسلامية تراثاً عامراً وتركه مباركة ، فهو من أكثر من ألف على طول تاريخ الإسلام من أهل العلم ، لكنه تأليف جاد مفيد ناع باق بإذن الله ، وهو من العمل الصالح الذي يبقى لصاحبه ، ولا أعلم عالماً نفع بتأليفه الأمة في عدة فنون كهذا العالم ، ولا أعلم عالماً نفع الله بتأليفه الأمة في عدة فنون كهذا العالم ، صحيح أن أحمد بن حنبل –مثلاً- أو البخاري ، أو الشافعي ، أو مالك ، لهم تأليف نافعة ، لكنها في أبوابها جزاهم الله خيراً عن الإسلام ، غير أن ابن تيمية ترك عدة تأليف في عدة فنون ؛ فنفع أهل الإسلام في باب التفسير ، والفقه ، والمعتقد ، وأصول الفقه ، والمنطق والفلسفة ،وعلم الكلام ، إلى آخر ذلك ، فهو مفيد في عدة أبواب ، نافع في كثير من الفنون،والعجيب في تأليفه أنها سارت بها الركبان ، وصارت حديث الناس ، ودخلت الجامعات ، واستفاد منها أهل العلم على تعدد مشاربهم ، فما بين مختصر وشارح ومستفيد وناقل وجامع .
ابن تيمية ليس ناقلاً فحسب
فرق بين أن يؤلف الإنسان كتاباً فينقل الأقوال ويجمعها في الباب ، وأن يأتي إلى الأقوال فينتقدها ويناقشها ، ويأخذ الصحيح منها ويترك الضعيف ،ويستفيد من العبارات ويقوم المعوج منها ، ويثني على الطيب ويعقب على الواهن والضعيف ، وهذا ما يفعله ابن تيمية ؛ فإنه لا يقبل القول على عواهنه ، بل يناقش الأقوال عبارة عبارة ، وفصلاً فصلاً ، ويشيد بالحسن الجميل ،ويرد الواهي الهزيل ، وتجدد يتجرأ حتى على الأكابر في كثير من المسائل ،ويبين الوهم فيكل مسالة ، ويجمع أطراف الموضوع ، ويأخذ المعلومة فيوظفها هو بعبارته ويكسوها بجلباب جملة القوية الآسرة الأخاذة ؛ فإن له قاموساً خاصاً ، فيه من الجلالة والفخامة والإشراف ما أمتاز به هذا الرجل ، فكأنه شاعر موهوب عبقري يمتاز عن بقية الشعراء ، وكذلك كان ابن تيمية في المؤلفين ، له رونق خاص ، وديوان متفرد يعلم أنه من كلامه لجلاله حديثة وسمو عباراته .
من أعظم المسائل التي يجب البحث فيها والكلام عنها مسألة التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام ،وقد أحسن ابن تيمية كل الإحسان في هذه المسألة ، فاستولت على جل حديثة وكتاباته ورسائله وتأليفه ، واعتنى بها كل العناية ؛ لحاجة البشر غليها ، فالله – عز وجل – لم يرسل الرسل أصلاً ولم ينزل الكتب إلا لتقريرها ، فبسطها شيخ الإسلام بأنواعها كتوحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتحدث عن أفعاله سبحانه وتعالى ، وتحدث عن مسألة الشرك بأقسامه وبينها برسائل ومؤلفات ، وبسطها فبعدة مواطن ، ونوع الأساليب فيها ؛ لأنه يعلم أنها أصيل الأصول وأنها أكبر المائل وأنها أعظم القضايا ، فهو بحق منظر أهل السنة والجماعة في ماله التوحيد ، وهو إمامهم من عصره فما بعده في قضية المعتقد ، وهو الذي أقام هذا الفن وشرحه ودافع عنه وناظل عن قضاياه وبين الحق في ذلك.
تقل الذهبي وغيره أن الشيخ مؤرخ ، وأنه يعتني بتاريخ الدول والرجال والسلاطين ، وما سلف كافة الأمم والشعوب ، ومن يقرأ بعناية لتأليف ابن تيمية يلحظ ذلك، حتى إنه يلحظ اهتمامه بتاريخ ما قبل الإسلام ، حتى القضايا التي لا يهتم بها أهل العلم ، في الغالب تجده متجرأ فيها ملماً بها فمثلاً سئل عن الإسكندر المقدوني فبين أن الإسكندر اثنان ، ثم شرح تاريخ كل واحد منهما ، وتجده يعنتي بالدول والأشخاص من الأمراء والوزراء الذين مروا والسلاطين ، حتى ولو كانوا من دول غامضة ليست معروفة عند الكل ؛ وسبب هذا حبه للاطلاع ، وشغفه بالمعرفة ، وولهة باكتشاف المخبوء من العلوم والفنون والتخصصات ، وقد نفعه ذلك في أن تكون له عقلية ثقافية متسعة ، وذهبية مطلعة متوثبة
الذين تكلموا عن ابن تيمية وصفوه بأنه لا يكل ولا يمل من البحث كما أسلفت ، حتى في أوقات انشغاله ومرضه كان يجعل الكتاب على صدره ، وربما أكب عليه ، فهو دائماً في بطون الكتب ، يذهب وراء المسألة في كل كتاب ، فتكون شغله الشاغل حتى يلم بها ويحققها ويرسخ فيها ويجيد الحديث عنها ، فلا يكتفي بكتاب ، ولا بعالم عن عالم ، ولا بمذهب عن مذهب ، بل يستطرد وراء المسالة ،ويكتنز شوا ردها ، ويجمع فرائدها ، ويلم بها إلماً ، حتى يكفيك كلامه عنها فياي باب عن أي مؤلف ، أو أي عالم من العلماء .
لا يحصل العلم الذي جمعه ابن تيمية إلا بصبر على الطلب وجلد على التحصيل ، وكذلك كان هو فإنه ا ستفرغ عمره كله ليلاً ونهاراً ،صيفاً وشتاءً ، حلاً وترحالا في طلب العلم فكان يدور على المشايخ ،حتى دار على أكثر من مائة عالم ، وجل مع أرباب المقالات ، وزار أهل التخصصات ، كل ذلك وهو يلم ويحوى ما عندهم ويجمع ما لديهم، فتراه مكرراً لما يحفظ ، أو متأملاً ، أو كاتباً ، أو مناقشاً،أو مناظراً ، أو مجادلا أو مفيداً ، أو مدرساً ،أو مؤلفاً ،أو مدرسا أو مؤلفاً ، أو مراسلاً ،فكانت حياته علماً وعملاً ، ولا اعلم رجلاً من المتاجرين دفع عمره كله للعلم والتعليم كابن تيمية ، ربما وجدت علماء تفرغوا للعلم ولكن ليس كل التفرغ ؛ فعندهم ما يشغلهم من الزوجات والأبناء والمناصب والوظائف ، لكن ابن تيمية ، ربما وجدت علماء تفرغوا للعلم ولكن ليس كل التفرغ ؛ فعندهم ما يشغلهم من الزوجات والأبناء والمناصب والوظائف ، لكن ابن تيمية ليس له أسرة يقوم عليها ، ولا أبناء يشتغل بتربيتهم ، ولا تجارة يهتم بها، ولا وظيفة يقوم عليها ،ولا منصب يزاوله ، إنما شأنه وقضيته الكبرى هذا العلم ن وتعلمه ،وتعليمه ، والعمل به .
مما زاد محبتنا لهذا الإمام أنه نشر علمه نشراً لم يسمع بمثله ، نشره بعمله
فكان كل من يقرأ سيرته ويعايشه ويعرفه تمام المعرفة يتأثر بسيرته وأخلاقه وأوصافه ، - وهذا نوع من أنواع نشر العلم - ، وكان يتكلم في مجالسة كلها عن العلم ، النافع المفيد ، فلم يشتغل بقضية غير العلم ، وليس له حديث ي أمور الناس ، ولا في اسعارهم أو أخبارهم ، ولا في أخبار سفرهم وإقامتهم ، ولا في صنوف معايشهم ، إنما همه وشغله وقضيته نشر العلم النافع المفيد.
فقد نشره بواسطة تدريسه ن فكان يعقد الحلقات في المساجد ليلاً ونهاراً لا يشغله عن ذلك شاغل ، وكان ربما عقد الندوات للمناظرة النافعة المفيد ، وكان ينشره بواسطة الرسائل التي عمت وانتشرت وبهرت الموافق والمخالف ، وكان ينشره عبر الكتب النافعة المفيدة التي تصل إلى عشرة مجلدات أو أكثر ، وكان ينشره عب الذهاب إلى الناس في أماكنهم والي الملوك السلاطين وغلى الأمراء ، وكان لا يجلس مجلساً إلا أنشأ قضية ، أو تحدث عن مسالة ، أو تكلم في باب من أبواب العلم ؛ فكان إما مذاكراً أو مستفيداً أو شارحاً أو مؤلفاً أو مراسلاً أو خطيباً أو مفتياً ،حتى في سجنه ؛ كان بعد أن تنتهي من عبادته وأوراده يشتغل بمراسلة الناس بالفتاوى والكتابة في العلم .
فابن تيمية لم يثنه ما حصل له من الأذى والكيد والمكر والمجابهة والمواجهة ، بل زاده ذلك قوة وإصرار ومضاء واستمرار ، فإنه واجه من الحسد ما الله به عليم حتى من أقرب المقربين إليه ؛ فحسده أرباب المذاهب الإسلامية ،وأهل المشارب الفقهية ، وحسده علماء الكلام ،وحسده أهل الطوائف من غير أهل السنة ،وآذاه كثير من الولاة والسلاطين ، فافتروا عليه ونسبوا إليه ما لم يقل ، ألفوا فيه الكتب والرسائل ، وأهدروا دمه ، وافتوا بقتله وضللوه ،ودعوا السلطان إلى سجنه .
وبالفعل سجن خمس مرات ،وكادوا ، ومنعوا كتبه ومنعوه من التدريس ، ومنعوه من الحديث ومواجهة الناس ، وتناولوا عرضه ، وشتموه وسبوه ، وجلد مرة من المرات ، وأخرج من دمشق إلى مصر ، كل ذلك والرجل منشرح الصدر ، وصابر مصابر محتسب على ما أصابه في سبيل الله مصر على تبليغ فكرته ، مستمر عل الدعوة إلى الله عز وجل ، لا يزيده الكيد إلا قوة وثباتاً وصبراً واحتساباً ، فصار مضرب المثل في ذلك كله ، وتعجب أصدقاؤه وخصومه من شجاعته ومن إصراره – رحمه الله - ، فما ثناه حبس ولا قيد ولا جلد ردود ولا تهديد ولا وعيد عندما قام له من تجديد أمر الأمة ، بل كلما آذوه نشراً لعلمه ، وصبراً على خصومه ، وحباً لأصحابه ن وثقة في وموعود ربه، وتفويض الأمر إلى خالقه ، ورضا بكفايته ووكالته – سبحانه وتعالى - ، وتفاؤلاً بالعافية الحسنة ، وبذلك صارت له – بفضل الله – العاقبة الحسنة ، فانتشرت كتبه وتأليفه ، وانتصر على حاسديه ، وكبت خصومه وصارت الدولة له والدائرة على أعدائه .
من يقرأ سيرة هذا الإمام بالتفصيل يرى الجد والمثابرة في سيرته العملية والعلمية ، فهو لا يعرف الهزل ولا الدعابة القائلة ، ولا صرف العمر في حواشي المسائل أو اللهو واللغو والعبث ، أو فضول العلوم والأعمال ، بل كان يختار أنفع المسائل وأفيد الأعمال وأفضل القربات ، فهو الجد كله وكأنه منذر جيش ، وكأنه مدعو للقاء الله في كل غد .
فهو يحرص على العمل النافع المثمر المفيد من الأقوال والأعمال والمؤلفات والرسائل ، فلا يختار إلا أحسن الأبواب ، فتجده يؤلف في الأسماء والصفات ؛ لأنه يعلم أنها من أجل العلوم بل من أفضل الأبواب ،ويستفرغ جهده في باب المعتقد وفي مسالة التوحيد فيبسط القول في ذلك أكثر من بسطه في فروع المسائل ، حتى إنه ألف في الأصول أكثر مما ألف في الفروع ، وسئل عن ذلك فقال : من عبد الله في الفروع على مذهب أبي حنيفه أو مالك أو الشافعي أو أحمد فقد أصاب في الجملة ، لكن الخطورة أن يخطئ الإنسان في المعتقد أو الأصول ؛ ولذلك كفى الأمة في هذا الباب أثابه الله .
هذه عبارة عصرية حادثة ، ولكنك إذا نقلتها إلى عصر ابن تيمية تجده يؤسلم المعرفة ، يأتي بالعلوم الداخلة والنون الوافدة عل المسلمين فيضعها في ميزان الكتاب والسنة فيقبل الصحيح منها ويترك المخالف ويطرح المرذول ، وهذا ما يطلق عليه أسلمة المعرفة ، فكلما سمع بفن قرأه وأبحر فيه ثم عرضه على منهج الوحي ، وحاكمة في محكمة الرسالة الخالدة ، وعلى ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن وافق رضية وقبله وقال هذا تحصيل حاصل فهو لدينا ، وإن خالف رده مهما كان قائلة كانت قوة هذا القول .
يتابع /ابو صهيب