فضل عيادة المريض والدعاء له:
قال عليه الصلاة والسلام : (( وإذا مرض فعده)).
وهذا جسر آخر من جسور المحبة بين المسلمين، فمن حق المسلم علي أخيه المسلم إذا مرض أن يعوده، والعيادة لها آداب ، ولها فضل من الله ـ عز وجل ـ فقد روي مسلم عن ثوبان قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع)). وفي لفظ : قيل : يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال : ((جناها)). يعني كأنه يمشي في بساتين الجنة. وقد عاد عليه الصلاة والسلام أصحابه، فقد عاد سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه و؟أرضاه ـ ودعا له، وقال له: (( ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام. ويضربك آخرون))
وعاد عليه الصلاة والسلام جابراً ـ رضي الله عنه ـ فوجده مغمي عليه فتوضأ عليه الصلاة والسلام وصب عليه الماء فاستفاق.
وكان صلي الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً دعا له، وجلس قليلاً عند رأسه، ووضع يده الكريمة علي صدره ، وهذا من الإنس والملاطفة.
2-آداب العيادة:
العيادة عند أهل السنة كل ثلاثة أيام، إلا أن يكون قريباً كالأب والابن والأخ ومن في حكمهم، أما إذا كان غير ذلك، فإنك تزوره كل يوم ثلاثة أيام، أما أن تأتيه كل يوم، أو تأتيه مرة في الصباح ومرة في المساء وهذا مزعج!
وقد ذكر الذهبي في ترجمة سليمان بن مهران الملقب (( بالأعمش)) أنه مرض مرضاً زمناً، فدخل عليه الناس، وترددوا عليه كثيراً فأزعجوه، فكتب وصف مرضه في ورقة، ووضعها تحت مخدته التي ينام عليها، فكان كلما سأله أحد عن مرضه، أخرج هذه الورقة، وقال له أقرأ!
فلما كثر الناس عليهن قفز فأخذ المخدة، وجعلها تحت إبطه ، ووقف وقال : شافي الله مريضكم!
وعلي المسلم أن يتحرى وقت العبادة ، بحيث يكون مناسباً للمريض، فلا يكون عند نومه، ولا عند طعامه، ولا عند صلاته، ولا في وقت يري انه يرتاح فيه المريض، بل يتوخي وقت العيادة المناسب.
ومن آداب العيادة أنك لا تطيل الجلوس عند المريض، فإن بعض الناس إذا زار المريض زاده مرضاً علي مرضه، فيبقي الساعة والساعتين!وهذا ليس من أدب العيادة.
فإذا عدت المريض وكان مرضه خفيفاً، حسنت له صحته، وهونت عليه مرضه، وقلت : ما شاء الله، ما كنت أظن أنك هكذا.. صحتك طيبة.. وحالك طيبة، شافاك الله وعافاك، قريباً تخرج من هذا المرض ـ إن شاء الله ـ ونحو ذلك من الكلام، لا أن تأتي العائد بوجه آخر، فيزيد المريض مرضاً علي مرضه ، فبعض الناس ، هداهم الله ـ يشعر المريض انه أسوأ حال، وأن مرضه ليس له علاج البتة، وأنه يجب عليه أن يوصي بماله، ويوزع تركته، وهكذا حتى يجعل المريض في عداد الموتى!
وهذا خطأ، فالحالة النفسية لها دورها، فأنت إذا أشعرته أنه سليم معافى، يمكن أن يكون ذلك سبباً في شفائه ـ بإذن الله ـ ولذلك كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا عاد مريضاً قال له : (( لا بأس طهور إن شاء الله)). ونحو ذلك كما تقدم في عيادته للأعرابي.
ولكن يقول أهل العلم: إذا وصلت غلي رجل أصبح قريباً من الآخرة، ومرض مرضاً لا يرجي برؤه، فحسن ظنه بالله، وحسن قدومه علي الله، وحسن رجاءه في الله، هذه هي السنة في العيادة.
قال أحدهم:
مرض الحبيب فعـــدته
فمرضت من خوفـــــي عليه
وأتي الحبيب يعودنــي
فشفيت مـــن نظـــري إليه
وقال آخر وهو القاضي الحنفي الشهرزوي:
والله مــــا جئتكم زائراً إلا
وجدت الأرض تطوي لــــي
لا انثنى وجهي عن بابكم
إلا تعــثرت بأذيالــــــي
ويقول أبو تمام:
إذا مرضنـــا أتيناكـــم نعودكـــم
وتذنبون فنأتيكم ونعتــذر
وقال آخر في ذكره سبحانه:
إذا مرضنا تداوينا بذكـــركم
ونترك الذكر أحياناً فننتكس
ولا يكثر العائد عند المريض من ذكر الدنيا، وكثرة المزاح، ولا من الكلام الذي لا يليق، ولكن يخفف الزيارة ويذهب.
1-فضل اتباع الجنازة:
يقول صلي الله عليه وسلم في الحديث: (( وإذا مات فاتبعه))، ضريبة المسلم علي المسلم!! حتى بعد أن اصبح جثماناً ، وأصبحت روحه في عليين، تتبعه وتقوم بحقوقه، وتشفع له وأنت تصلي علي جنازته، وتترحم عليه وهو في الثري،وتواصله بالدعاء، وتدعو له بظهر الغيب.
هذه أخوة الإسلام، وهذا ميثاق الإيمان ، وتلك حقوق المسلم علي المسلم التي تقتصر علي الحياة فقط، بل تشمل المسلم بعد موته أيضاً. قال عليه الصلاة والسلام كما عند الترمزي بسند ضعيف: (( من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات، فقد قضي ما عليه من حقها))
ولكن في الصحيحين أنه قال ك (( من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)) قيل : وما القيراطان؟ قال: (( مثل الجبلين العظيمين)) .
فانظر ما اسهل العمل، وأعظم الجر.
2- آداب الجنازة والعزاء:
من السنة أن يمشي أما الجنازة، وفي هذا تفصيل، قال ابن عمر عند الخمسة، وصححه، ابن حبان، وأعله النسائي بالإرسال: (( رأيت النبي صلي الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أما الجنازة)). فالسنة المشي أمام الجنازة، لكن الراكب يمشي خلفها، والماشي أمامها، وإن مشي خلفها فلا بأس.
وقالت أم عطية ـ كما في الصحيحين : (( نهينا عن اتباع الجنائز ؛ لن المرأة ضعيفة ، وتصاب بالجزع، وربما تفتن، وربما تتسخط علي قضاء الله وقدره، فليس للمرأة ـ ولو كانت عجوزاً ـ اتباع الجنازة، ولا زيارة القبور.
وهنالك عادات تخالف الشرع، نبه عليها أهل العلم، وكتبوا فيها، وبينوا الخطأ ، ونبهوا عليه، وأشاروا إلي الصواب فجزاهم الله خيراً، ومن هذه العادات:
الاجتماع علي العزاء ، ونصب الخيام والولائم، والقيام بالصياح والنياحة، وضرب الوجه، وشق الجيب، وكذلك الجزع من القضاء والقدر.
ومن المخالفات الشرعية أيضاً: أن يمزح بعض الناس في العزاء، أو أن يضحكوا مما يثير نتباه الحضور، أو يتحدثوا بإسهاب في أمور الدنيا، إلي غير ذلك من الصور المخالفة للشرع التي بينها ونبه عليها العلماء.
هذه بعض جسور المحبة التي أتي بها محمد صلي الله عليه وسلم والتي اتصف بها أصحابه رضوان الله تعالي عليهم فحققوا هذه الصفات في عالم الواقع. وكانت استجابتهم استجابة فذة من كل جوانبها ، وهم الذين امتلأت قلوبهم بهذه الأخلاقيات حتى أعماقها ، فآتت ثمارها بإذن الله ، فوصلوا بذلك إلي القمة الني لا يحسن صعودها إلا من أحسن العبودية لله، وتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، واتصف وتخلق بأخلاق الإسلام.
والحمد لله ... ما زال الباب مفتوحاً النبي صلي الله عليه وسلم وما زالت البضاعة مطروحة أما الجميع، وليس علينا إلا أن نتاجر مع الله ـ عز وجل ـ ولا يكون ذلك إلا بالتخلق بأخلاقيات هذا الجيل العظيم، وإذا فعلنا ذلك فسوف نصل غلي أرقي صورة بشرية يمكن أن يصل إليها الإنسان علي وجه الأرض النبي صلي الله عليه وسلم صورة الإنسان الذي توشك أن تصافحه الملائكة!! يتابع / ابو صهيب