- :more61:حكم إجابة دعوة المسلم::more61:
ومن جسور المحبة قوله صلي الله عليه وسلم : (( وإذا دعاك فأجبه))
ومن الدعوات ما تكون واجبة، ومنها ما تكون سنة، ومنها ما يحرم إجابتها.
فأما ما هي واجبة: فدعوة الزواج ـ إذا لم يكن هناك منكر ـ ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : إذا دعي أحدكم إلي الوليمة فليأتها)). والوليمة هي وليمة العرس؛ لأنها تسمي هكذا في كتب اللغة. وفي لفظ مسلم: (( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب ، عرساً كان أو نحوه)).
قال أهل العلم: هذا الأمر للوجوب، أي يجب عليك شرعاً أن تجيب الداعي ما لم يكن هناك منكر مخالف للشرع.
2-آداب الدعوة:
ورد عند مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : (( شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ، ويدعي إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)).
فشر الولائم التي للرياء والسمعة ، يدعي إليها عليه الناس، ويمنع منها الفقراء، وعند مسلم ـ أيضاً ـ (( إذا دعي أحدكم إلي طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك)).
فأنت تحضر وليس المقصود أن تأكل، فإن البعض الآن إذا دعي إلي وليمة قال: ما أستطيع لأني أكلت، أو يقول : لا أريد الأكل، فهذا خطأ ، ليس المقصود أن تأكل، احضر وادع لهم، وتحدث معهم وآنسهم، فإن كثيراً من السلف كانوا يحضرون وهم صيام، فكانوا يدعون لأهل المنزل من حسن خلقهم.
وعن ابن مسعود مرفوعاً: (( طعام الوليمة أول يوم حق ، وطعام الوليمة في اليوم الثاني سنة، وطعام الوليمة في اليوم الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به)). رواه أبو داود، وأحمد وفي سنده مجهول، وهذا الحديث ضعيف. والبخاري يري ضعف الحديث.
وقد قال البخاري في الصحيح : (( لم يوقت النبي صلي الله عليه وسلم يوماً ولا يومين )).
فللإنسان أن يزيد علي يوم أو يومين أو ثلاث، لكن الأقرب للسنة يوم واحد، ووليمة واحدة.
والمقصود إجابة الدعوة إذا لم يكن هناك منكر.
والدعوة لمن سبق: فإذا دعاك داعيان في يوم واحد، أو في أيام مختلفة، فقدم الذي سبق إلي دعوتك، واعتذر للثاني ، وقل له: سبقك فلان بالدعوة ، فإذا تساوي أهل الدعوة ، فالأقرب منهم الأولي بالإجابة، وذوي الأرحام أولي بك بإجابة دعوتهم من الجيران إذا دعوك سوياً.
وإذا كان هناك منكر فليس عليه أن يحضر ـ كما سبق ـ إلا إذا علم أن في حضوره منعاً للمنكر ، أو حداً منه ، فله أن يحضر.
1-وجوب النصيحة:
أما قوله صلي الله عليه وسلم في الحديث : (( وإذا استنصحك فانصح له)). فهذا أدب ثالث يبينه عليه الصلاة والسلام لنا، وهو شعار المحبة، وهو الواجب الشرعي علينا بعضنا لبعض.
فالنصيحة واجبة عند أهل العلم، وقد قال صلي الله عليه وسلم كما عند مسلم. : (( الدين النصيحة ، فقلنا: لمن؟ قال : لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
وقد قال صلي الله عليه وسلم كما في الصحيحين ، وهذا من باب النصيحة : (( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قلنا: يا رسول الله، ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال : ترده عن الباطل فإن ذلك نصره)).
فالواجب علينا أن نتناصح فيما بيننا ، والإنسان لا يسلم من الخطأ والنسيان، ونحن جميعاً يعترينا النقص والخطأ في كثير من تصرفاتنا، لأن العصمة لرسول الهدى عليه الصلاة والسلام، فالواجب علي الأخ إذا رأي أخاه قد أخطأ في مسألة، أو في اجتهاد أو في تصرف، أو في أسلوب، أن يذهب إليه وينصحه، ولن يجد الناصح إلا الحب والدعاء والبشر والاستقبال الحسن. يقول علي ـ رضي الله عنه ـ : (( المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة)).
فإذا رأيت الإنسان ينتقد إخوانه وينالهم في المجالس، ويتعرض لأعراضهم، ثم لا ينصحهم في وجوههم، فأعلم أنه غاش لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم وللمؤمنين.
ومن علامة المؤمن إذا أراد أن يقوم أخاه أن يذهب إليه، ويأخذه علي حدة، وينصحه ويوجهه، ويحن عليه، ويتعاطف معه، ويتلطف به حتى يقومه إن كان يريد النصح حقاً، وإن كان يريد التشهير بأخيه المسلم فالله يتولاه، والله حسيبه، والله من رواء قصده.
وقد ذكر الله ـ عز وجل ـ في كتابه طريقة الأنبياء في الدعوة، وأنها قامت علي النصيحة، فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ )(لأعراف: الآية62) ويقول لهم ـ أيضاً ـ )وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ)(هود: الآية34) وهذا نبي الله صالح عليه السلام يقول لقومهك )َ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ )(لأعراف: الآية79). وقال شعيب: ) يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُم)(لأعراف: الآية93) فهؤلاء هم أنبياء الله ـ عز وجل ـ وصفوة خلقهن ومن تشبه بقوم فهو منهم.
3-آداب النصيحة:
للنصيحة آداب ثلاثة: الأول: الإخلاص، الثاني اللين ، والثالث: الإسرار بها.
وكثيرا ما يخطي العبد، فنحن لسنا معصومين من الخطأ ، وغني اكرر ذلك ليعلم الناصح أن الخطأ والنسيان شيء عادي مركوز في أصل الجبلة، فلا يتعصب في نصيحته. يقول الشاعر:
من ذا الــــذي ما ساء قط
ومـــن لــه الحسنى فقط
ويقول الآخر:
تــريد مهذباً لا عيب فيه
وهل عودة يفوح بلا دخـــــان!!
ويقول ثالث:
ولســـت بمستبق أخاً لا تلمه
علي شعث أي الرجال المهذب؟!
ويقول رابع:
من ذا الذي ترضي سجاياه كلها
كفي المرء نبلاً أن تعد معايبه
وإن الإسرار بالنصيحة من هديه صلي الله عليه وسلم فإن النصيحة علي رءوس الأشهاد فضيحة.
قال الشاعر:
تغمدني بنصحك في انفراد
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضي استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري
فلا تجزع إذا لم تلق طاعــه
وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: (( رحم الله امرأً أهدي إلي عيوبي، وكان يستمع للصحابة وهم ينصحونه)).
1-متي يشمت العاطس وكيفية التشميت؟!
قال عليه الصلاة والسلام في الحديث : (( وإذا عطس فحمد الله فشمته)).
ويقول صلي الله عليه وسلم : (( عن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب)).
فالعطاس رحمة من الله، والتثاؤب من الشيطان ؛ لأن العطاس فيه تفتيح لشرايين القلب ، وانشراح للصدر، وهو رحمة من الله، والله أعلم بالسر في ذلك . فكان الواجب أن تقول: الحمد لله.
أما التثاؤب: فإنك تكظم ما استطعت، وقد قال صلي الله عليه وسلم كما عند البخاري وأحمد : (( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله ، وليقل له أخوه: يرحمك الله ، فإذا قال له يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم)).
وعند البخاري ومسلم والترمزي وابن ماجة وأحمد عن أنس : (( أنه عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال: هذا حمد الله، وأنت لم تحمد الله)).
وعند مسلم وأحمد من حديث أبى موسى الشعري أنه صلي الله عليه وسلم قال: (( إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه)).
ففهم من الحديث انه من قال: الحمد لله ، فعلينا وجوباً أن نقول له: يرحمك الله، وإذا سكت ولم يحمد الله، فليس عليك أن تقول له : يرحمك الله ، بل تسكت.
2- هل التشميت فرض عين أم فرض كفاية؟!
ذهب المالكية ومنهم ابن أبي زيد وابن العربي إلي أن التشميت فرض عين، وهو الصحيح ،فإن علي أهل المجلس ـ مثلاً ـ إذا سمعوا (( الحمد لله)) أن يقولوا : (( يرحمك الله)) لا يكفي منهم واحد، فهو فرض عين وليس فرض كفاية.
وكان من هديه صلي الله عليه وسلم في العطاس ما ذكره أبو داود والترمزي واحمد وابن السني ـ وسنده حسن ـ كما أن الحاكم صححه، أنه كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه علي فيه، وخفض أو غض به صوته. فالسنة ألا يرفع المسلم صوته بالعطاس.
وهناك حديثان ضعيفان أشير إليهما:
الحديث الأول: (( التثاؤب الشديد والعطسة الشديدة من الشيطان)). رواه ابن السني، وهو ضعيف لا يصح عنه صلي الله عليه وسلم .
الحديث الثاني: (( إن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس)). حديث ضعيف لا يصح عنه صلي الله عليه وسلم .
وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود بسند حسن. (( شمت أخاك ثلاثاً ، فما زاد فهو زكام)).
يعني أنه يعطس في المرة الأولي فيحمد الله، فقل له: يرحمك الله. وفي الثانية قل له: يرحمك الله. وفي الثالثة قل له : يرحمك الله، وفي الرابعة قل له: عافاك الله.
وقد عطس رجل عنده عليه الصلاة والسلام النبي صلي الله عليه وسلم فقال له: (( يرحمك الله)). ثم عطس أخري فقال له صلي الله عليه وسلم : (( الرجل مزكوم)).
قال ابن القيم: وقوله في الحديث : (( الرجل مزكوم)) تنبيه علي الدعاء له بالعافية؛ لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له علي هذه العلة ليتداركها ولا يهملهما، فيصعب أمرها، فكلامه صلي الله عليه وسلم كله حكمة، ورحمة وعلم، وهدى.
وقد قال صلي الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسند حسن: (( إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد علي الثلاثة فهو مزكوم، ولا تشمته بعد الثلاث.
وذكر أهل العلم أنه إذا زاد علي الثلاث فيدعو لصحابه بالعافية.
هنا مسألة: إذا لم تسمع أنت حمد العاطس، لكن سمع من بجانبه أنه حمد الله ـ فماذا تفعل إذا تبين لك أنه حمد الله؟ ولو لم تسمعه، فقل : يرحمك الله، أما إذا لم يتبن لك، فلا تشمته.
مسألة ثانية: هل تذكر العاطس إذا نسي الحمد؟
ذهب إلي ذلك نفر من أهل العلم كالننوي وغيره من العلماء، واستحسنوا ذلك، وقد فعله إبراهيم التيمي، كما فعله أيضاً ابن المبارك، فقد عطس رجل عند ابن المبارك ولم يحمد الله، فقال ابن المبارك: ماذا يقول الرجل إذا عطس؟قال يقول الحمد لله، قال: يرحمك الله، (( هذا قول)).
والقول الصحيح : أنه لا يلزمك أن تذكره؛ لأنه لو كان يلزمك أن تذكره لكان النبي صلي الله عليه وسلم أولي بتذكير من عطس ولم يشمته، ولم يذكره، وهذا تعزيز له وحرمان لبركة الدعاء، لما حرم نفسه بركة الحمد.
وقد تعاطس الناس في مجلسه، ولم يذكرهم عليه الصلاة والسلام، بل لم يشمتهم، وهذا هو القول الراجح.
وكان اليهود يتعاطسون عنده عليه الصلاة والسلام فيقولونك الحمد لله، فيقول ك (( يهديكم الله ويصلح بالكم)).
رواه أبو داود والترمذي واحمد والبخاري في الدب المفرد ، وصححه الترمذي والنووي والحاكم.
فانظر إلي الحكمة: اليهود بحاجة إلي الهداية، وليسوا أهلاً للرحمة ، فهل يترحم عليهم وهم مخالفون؟!
لا . هم بحاجة إلي أن يهديهم الله أولاً، قبل أن يرجمهم، فعدل عليه الصلاة والسلام عن لفظ: (( يرحمكم الله)). إلي لفظ (( يهديكم الله ويصلح بالكم)).
:more61: يتابع / ابو صهيب :more61: