:more61:موجز الأنباء:more61:
وهذا موجز النشرة :
1- عودة إلى الله في مكان .
2- توبة الفانين .
3- إنهيار الشيوعية .
4- مقابلة مع الشيخ ابن باز .
5- زيارة للشيخ الألباني .
6- لقاء حار بالشيخ ابن عثيمين .
7- وصايا للشباب .
كان هذا هو موجز النشرة وإليكم الأنباء بالتفصيل :
v عودة إلى الله في كل مكان :
أما العودة إلى الله في كل مكان ، فحدث ولا حرج ، ففي كل أرض : بنو سعد ، والله يريد لهذه الأمة أن تتجه إليه ، ويريد أن يكون المستقبل لها ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض) (الرعد: من الآية17) محاضرات في مكة ، وفي جدة ، والباحة ، وفي بلجرشي ، وتمتلئ الأرصفة ، والطرقات ، والمساجد من الشباب ، والنساء ، والكبار : يريدون الله .
شباب أعلنوا توجههم إلى الله ، و والله ، إن الإنسان يقف أحياناً ، فتدمع عيناه مما يرى من هذا الإقبال العظيم .
سبحانك يا رب ، قبل سنوات امتلأت المقاهي ، وأعرض الناس عن المساجد ، واليوم لا يجد كثير من الناس أماكن للجلوس لشهود المحاضرات ، أو لرؤية المحاضر ، أو لسماع المحاضرة .
زحام رهيب ، وإقبال على الطاعة ، عودة في كل مكان .
لقيت طلبة ، جاء بعضهم من فلسطين ، ومن سنغافورة ، قالوا هناك صحوة .
وبعضهم من البرازيل .
وأتت رسالة من أستراليا ، قالوا : الأشرطة التي تلقى هنا بعد ثلاثة أشهر تصل إلى أستراليا .
لقد اتجهت الدنيا إلى الواحد الأحد ؛ لأن الله يريد أن يسعد الدنيا ؛ لأن الله لطيف بالخليقة ، ومن لطفه : أنه يريد الخليقة للإسلام ، ولذلك يقول أحد المفكرين قبل ثلاثين أو أربعين سنة : المستقبل لهذا الدين ، فلله الحمد على هذه النعمة .
v توبة الفنانين :
أما توبة المغنين في ب-ا ، فقد كنت قبل أسبوع في محاضرة وهي موجودة بعنوان ( رسالة إلى المغنين والمغنيات ) وقد حضرها جمع هائل منهم ، سبعة تابوا وعادوا إلى الله في أشهر معدودة .
حضر المحاضرة : المغني الشهير ، والذي أصبح اليوم عابداً داعية : مسفر القثامي ـ رحمه الله ـ ويحيي أبو الكرم ، صاحب الصوت الجميل ، الذي قام بعد المحاضرة ؛ ليتكلم عن مرحلتين ، يومين ، وليلتين في حياته : مرحلة ما قبل الهداية ، ومرحلة ما بعد الهداية .
مرحلة : يوم كان يأخذ العود ، ويعزف على الموسيقى ، وكان عنده فرقة ، وكان عنده ناي ، وطبل ، ودف ، ووتر ، وسهر ، وضياع ، وكأس ، وسيجارة ، وجمهور ، ولغو ، ولهو ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) (الأنعام: من الآية70) .
ومرحلة : يوم هداه الله ، ووجهه قد أشرق ، فعليه لحية جميلة من لحى أهل السنة والجماعة ، وثيابه من ثياب أهل السنة ، وعنده سواك وقام أمام الألوف من الناس ليقول : أنا أبو الكرم ، وقد كنت مغنياً ، وأصبحت عابداً لله ، ثم اندفع يبكي ، وتحدث عن روعة الإيمان ونور الإيمان ، وإشراق القرآن .
فسأله الناس أن يقرأ بصوته الجميل ، الذي كان يغني به (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود: من الآية114) فقام واندفع واختار بصوته الجميل سورة (ق) ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (قّ:16) وما كأني سمعت في حياتي صوتاً أجمل من صوته .
فماذا فعل الجمهور ؟ انفجر الناس يبكون ، وتردد المسجد بالبكاء حتى صوروا لنا يوم القيامة .
وكان هو يؤدي القرآن تأدية بالغة ومؤثرة ، وتنسكب دموعه مع القرآن لأنه عاش القرآن .
وفي المحاضرة : سبعة تابوا ، منهم من أعلن أنه كسر العود وعاد ، وترك الموسيقى وأصبح من حمتم المسجد ، وأنه لا يرد أن ينشأ ابنه على الغناء ، وعلى الوتر ، ولا على الموسيقى .
وقال تفكرت في الغناء ، فإذا هو شهرة ، ثم ماذا ؟ ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام:62) وآخر اسمه مشاري شري نفسه من الله ، كان مغنياً ثم عاد إلى الواحد الأحد له أكثر من خمسين ، أغنية طافت العالم العربي ، وعاد ، وتركها وطلب من القائمين على الإعلام : أن يمسحوها وأن يدمروها لأنه أسس بنيانه على تقوى الله ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة:109) .
عاد ، واشترى نفسه من الله ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) (التوبة:111) .
وهذا : عودة العودة ، عاد إلى الله ، وليس بغريب ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) كان له جمهور ، ولكنه طلب أن تمحى أشرطته المرئية والمسموعة ، وقال : تبت إلى الله ، وحياتي لا يمكن أن تكون حياة غناء ، حياتي أغلى وأرفع ، وسوف أكون من اليوم عبداً للواحد الأحد .
وبالخياط تاب ، وغيرهم كثير .
وسوف تسمعون قريباً : الكثير عن الذين تركوا الغناء ، وأقبلوا إلى المساجد ، واهتدوا بهدى الله ، لأن الغناء هذا يحطم الإرادات ، ويمحق العزائم ، ويطفئ النور ، ويطرد القرآن ، ويحارب الفضيلة ، وينشر الرذيلة ، ويبني للفحشاء صروحاً .
والحمد لله ، فقد عاد الشباب والمغنون زرافات ووحداناً إلى الله .
شــبـاب الـحـــق لـلإســلام عــودا فـأنـتـم فـجــره وبـكـم يـســـــود
وأنـتـم ســر نـهــضــتـه قــديـمـاً وأنـتـم فـجـره الـبـاهـي الـجـــديـد
v انهيار الشيوعية :
وأما انهيار الشيوعية في العالم ، وانتصار الإسلام .
اقرءوا الصحف ، فأول ما يفاجئكم في الصباح : أن ولاية انقسمت من روسيا ، وأعلنت التمرد ، وخرجت بمظاهرات عارمة تحطم دبابات الملاعين الملاحدة ، وفي هذا نصر للإسلام ، وهاهي ولاياتنا الإسلامية في تلك الدولة تعود رويداً رويَداً ، بعد أن عاشت طويلاً تحت سلطة هؤلاء الملاحدة .
بل ، ولله الحمد ، فتح مركز إسلامي في قلب موسكو ، عاصمة الإلحاد ، والمؤذن يؤذن فيها خمس مرات .
وأيـنـمـا ذكـر اسـم الله فـي بــلــد عـددت ذاك الـحـمـى من صـلب أوطـاني
وأما الشيوعية ، فقد كتبت عليها اللعنة ، كل يوم تنسحق دولة ، ويتحطم كيان .
لـمـا رأت أخـتـها بـالأمـس قـد خـربت كـان الـخـراب لهـا يـوم أعـدى من الجرب
وعندما تزعزع العالم الغربي ، واهتز ، وشعر بالخطر ، فعلاً وبدأت التحليلات الغربية تختلف .
طائفة من الغربيين ، أبدوا الارتياح الكامل لهذه الخطوات الديموقراطية ، وتفاءلوا بمستقبل زاهر للإنسانية ، كما نسمع الآن ، ويردد كثيراً ، وأن الإنسانية ، والعالم الإنساني مقبل على مرحلة انفراج ، وأن النظم الشمولية ستنتهي ، وأن الديكتاتوريات ستسقط ، وغير ذلك وقالوا : بأن نتيجة ثورة الإنسانية ، وتفاعل الحرية في قلوب العالم أجمع .
وتحليلات أخرى تقول : لا ، فالاتحاد السوفيتي رأس الشيوعية ، ولم يتنازل عنها ، لكن هذه حركة التفاف ، وعملية مخادعة .
اختلفت التحليلات ، والذي يتتبع العملية يقول : لا يمكن أن تكون هذه العملية مقصودة .
ثم لماذا يبرز في كل دولة يسقط فيها الح-الشيوعي الشيوعيون الناقمون أو الشيوعيون الإصلاحيون كما يسمون ، فكأن تروتسكي الذي قتله ستالين عام 1940 أعيد من جديد ، ونحن لنا الأمور الظاهرة ، فالحمد لله الذي أسقط هذا المبدأ الغاشم ، ونسأله أن يلحق به أذنابه في كل مكان .
v مقابلة مع الشيخ ابن باز :
ربما قال بعضكم : الخبر ليس بجديد ، فكلنا يعرف الشيخ عبد العزيز بن باز ، فماذا سوف تخبرنا عن العلم والعلم قد بان للناس كلهم ؟ !
بـيـنـمـا يـذكـرنـنـي أبـصـرنـنــي عـنـد قـيـد الـمـيـل يـمـشـي كـالأغر
قـال تـعـرفـن الـفـتـى قــلـن نـعــم قـد عـرفـنـاه وهـل يـخـفـى الـقـمـر
الشيخ عبد العزيز : مشهور ، لكن في سيرته : جزيئات ، لا يعرفها الناس .
وقد ترجم للرجل في كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم ) للمجذوب .
أيها الأخوة ، نحن الآن في حضرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عبد الله بن بار في لقاء نستطيع أن نسميه لقاء السيرة الذاتية للشيخ عبد العزيز .
شيخنا الفاضل سنبدأ هذه الأسئلة ، بما يشبه الترجمة عن سماحة الشيخ عبد العزيز ، فنسأل الشيخ أن يقدم نفسه للأخ القارئ .
يقول الشيخ : ولدت في عام ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية ، في ذي الحجة ، ونشأت في حضانة والدتي ، وتوفى والدي ، وأنا في آخر السنة الثالثة من عمري .
درست القرآن ، وحفظته قبل البلوغ ، وكنت في الرياض ، ثم شغلت بطلب العلم إلأى أن تعينت في الخرج .
والرجل وضع له القبول في الأرض ، والقبول ليس بيد أحد من الناس ، بل بيد الواحد الأحد ، فإذا أحب عبداً جعل الناس يحبونه ، وإذا أبغض عبداً أبغضته القلوب .
فالحب هذا لا يصطنع ، ولا يأتي بالحديد ، والكرباج ، ولا بالهراوات .
الحب : موهبة ، وعطية من الله ، عز وجل .
وفي الحديث : ( أن الله إذا أحب عبداً قال لجبريل : إني أحب فلاناً فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء . فيوضع له القبول في الأرض .
وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل : إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغض في الأرض )(1) .
ولذلك ، تجد بعض الناس أبغضهم القلوب ، بأعمالهم في الخفاء ، وبعض الناس أحبتهم القلوب ، ولو أنهم ما قدموا للناس شيئاً ، لكن بأعمالهم في الخفاء .
والشيخ عبد العزيز جمع الله له أموراً : منها التقوى ، فالرجل أول أمر فيه أنه طلب العلم لوجه الله ، وهذا نحسبه ، والله حسبه .
ثم إنه فقد البصر ولكنه ما فقد البصيرة ، عمى وعمره تسعة عشر سنة .
والعجيب ، يقولون : أن الشيخ لا يعرف يكتب أسمه ، وهذا العلم كله : القرآن ، وكتب الحديث ، وكتب العلم في رأسه ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية46) ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد:19) .
بعض الناس عيونهم كالكشافات ، ولكن قلبه مظلم ، ما يبصر شيئاً .
له عيون يرى ، لكن يبصر الفاحشة ، ويبصر المعصية ، ويبصر الفجور ، وأما النور فما يبصره .
وبعض الناس ، لا يملك بصراً ، ولكن يملك بصيرة .
فالشيخ عبد العزيز يملك بصيرة قلب .
ابن أم مكتوم أعمى ، والله يسميه أعمى في القرآن ، فيقول : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (عبس:2) فيقول سيد قطب : لماذا تعبس في وجهه ؟ لعل هذا الأعمى أن يكون منارة من منارات الأرض ، تستقبل نور السماء .
وبالفعل ، كان ابن أم مكتوم : الفقير المسكين : أعمى لكنه استقبل نور السماء .
يأتي إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول : يا رسول الله ، أنا بعيد الدار : وليس لي قائد يقودني ، فهل تجد لي رخصة ؟ فأرخص له فلما ولى دعاه وقال : ( أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ) ؟
قال : نعم .
قال : ( فأجب فإني لا أجد لك رخصة )(2) .
فكان هذا الأعمى ، يأتي إلى المسجد في البرد ، وفي السيل وفي الحر ، وفي الظلام ، بلا قائد ، يتلمس في الظلمات ؛ ليجعل الله له نوراً ، يوم ينقطع النور عن المجرمين .
قل لي بالله : أهو خير أن الشباب الذي يسكن بجانب المسجد ، ولا يصلي في المسجد ، ولا يعرف طريق المسجد ، ولا يهتدي للمسجد ، وقد منحه الله قوة ، وشباباً ، ومالاً ، وصحة ، وسيارة ، وكل ما تمنى ، ثم يعرض عن منهج الله ؟
ابن أم مكتوم الأعمى ، هذا سمع بالجهاد ، فقال : ألبسوني السلاح .
قالوا : عذرك الله ، أنت أعمى .
قال : والله ، لا أبقى ، والله يقول ( انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ) (التوبة: من الآية41) فنفر ، وركز الراية في القادسية ، وهو أعمى ، فقتل مكانه ، فأصبح شهيداً .
أليس هو منارة تتلقى النور ؟
وهكذا الشيخ عبد العزيز بن باز عمى مبكراً ، لكن بدأ يلتمس النور من الواحد الأحد .
ابن عباس عمي في السبعين من عمره ، وهو عالم الأمة العجيب ، الفطحل ، الذي يصور علمه مثل البحر، إذا طم وعم ، وكان يجلس بعد الفجر ، وهو أعمى في آخر عمره ، فيسأله أهل القرآن إلى ارتفاع الشمس ، ثم يأتي أهل الحديث ، فيسألونه حتى يقرب الضحى ، ثم يأتي أهل التفسير ، فيسألونه إلى منتصف الضحى ، ثم يأتي أهل العربية ثم يأتي أهل الشعر ، فهو يتفجر كالبحر .
عمي فقال : بيتين جميلين في ذلك :
إن يـأخـذ الله مـن عـيـنـي نــورهـمـا فـفـي فـؤادي وقــلـبـي مـنـهـما نـور
قـلـبـي ذكـي وعـقـلي غـيـر ذي عـوج وفـي فـمـي صـارم كـالسـيـف مـشهور
القلب : حي ، والعقل حي ، ونور المسجد ، مع نور القرآن .
وإذا ذهبت العيون فعلى العيون السلام .
يقول الله عز وجل في ( صحيح البخاري ) وهو حديث قدسي : ( إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضت عنهما الجنة )(1) ، والحبيبتان هما العينان .
لكن بعض الناس عنده حبيبتان ، ولكن ما عنده نور ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) .
الشيخ عبد العزيز بن باز : متواضع ، تأخذه الطفلة ، فيقف معها فهو متخلق بأخلاق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
ويوقفه الرجل في الشمس ، وهو عند باب السيارة ، رجل في الأرض ، ورجل في السيارة ، فيمسكه الرجل ، ويقص عليه قصته ، والشيخ يصغي وهو مرهق جداً من الأعمال والأشغال ، فأمور الأمة الإسلامية تدار عليه ، فيصغي ، حتى يكون الرجل هو الذي يترك الشيخ ، فيركب الشيخ .
وبعض الشباب ، يقصون على الشيخ قصصاً ، فما يرد الشيخ إلا بالدموع ، يتأثر لأحوال العالم .
يخبرونه عن أحوال أفغانستان ، أو الفليبين فيبكي .
وقته معمور بذكر الله ، عز وجل ، في الصباح يتنفل ، ثم يلقي الدروس ، في الغالب ، ثم يذهب إلى عمله، فيعود في الثانية .
وهو مضياف ، وهو حاتمي الأصل ، لن تجد بيته يخلو من الضيوف ، وهذه شهادة ، أقولها للتاريخ ، فهو من أكرم الناس ، إفطاره ، وغداؤه ، وعشاؤه ، وعلمه ، وماله ، وشفاعته ، وجاهه ، كل هذا مبذول للمسلمين ، فهو كما قال الأول :
هـو الـبـحـر مـن أي الـنـواحـي أتـيـتـه فـدرتـه الـمـعـروف والـجـود سـاحـله
ومما يميز الشيخ عبد العزيز بن باز : الصبر ، فهو مثل الجمل ، يجلس في الحلقة ، وهذا من شهود العيان وقد رأيته كثيراً في المحاضرة فلا يتحرك في الدرس أبداً ، بل يبقى كأنه صخرة في مكانه .
فإذا حرك ( بشته ) أو تنحنح عرف الطلاب أنه قد انتهى الدرس ويجلس متأدباً ، لا يقاطع لمتكلم مهما تكلم فإذا انتهى المتكلم ولو بعد ساعتين قام فعقب في أدب .
ولذلك أحبته الطوائف ، والجماعات ، والناس ، لأنه لا يجرح أبداً .
فلسانه ، كالعسل ، وهذه مواهب يجمعها لله لمن يشاء ، وهذا تسديد من الله عز وجل .
ومن مميزات الشيخ عبد العزيز بن باز : أنه محدث يعرف الأثر .
الـعــلـم قــال الله قــال رســـولــه قـال الـصحـابـة هـم أولـوا الـعـرفـان
فهو دائماً ، قال الله ، وقال رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، واستمع إليه في الفتوى واستمع إليه في ( نور على الدرب ) ، إذا أتى يفتي ، لا تسمع ، إلا رواه أبو داود بسند جيد . رواه مسلم ، رواه البخاري ، الحديث في الترمذي ، رواه الحاكم .
وهو يقيد المسائل بالدليل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإذا عارض كلام رجل الدليل ، ترك كلامه لكلام محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولذلك فتواه كما قال الأول :
إذا قـالـت حــذام فـصــدقــوهـا فـإن الـقـول مـا قـــالــت حــــذام
والآن ، أصبحت العجوز ، تقول لابنها : والله ، لو تتعلم حتى تصبح مثل ابن بار !
وفي أمريكا ، إذا قلت لبعض الشباب : أفتى فيها الشيخ ابن باز بكذا وكذا انتهى الأمر .
بل بعض الجمعيات الإسلامية ، والمؤتمرات تعقد ، فإذا عرضت فتوى الشيخ صوتوا عليها بالأغلبية ، فهو قبول من الواحد الأحد .
ومما يميز الشيخ عبد العزيز : سلامة الصدر .
يقول من يقرب منه ، ومن يعرفه من طلابه ، والمشايخ ، والعلماء : ما رأينا أسلم من المسلمين صدراً منه ، فهو لا يحمل حقداً ، ولا حسداً ، ولا غشاً ولا غلاً لأحد ، وهذه أخلاق العلماء ، ينام وليس في قلبه شيء على إخوانه .
فيخبرونه ببعض ما يقال عنه ، فيقول : غفر الله لهم ، اللهم اعف عنهم ، وسامحهم الله .
وقد قلت في الشيخ قصيدة اسمها البازية أذكر بعضها :
قـاسـمـتـك الـحـب من ينبوعه الصـافـي فـقـمـت أنـشـد أشـواقـي وألـطـافـي
لا أبـتـغـي الأجـر إلا مـن كـريـم عـطا فـهـو الـغـفـور لـزلاتـي وإسـرافــي
عـفـواً لـك الله قـد أحـبـب طـلعـتـكـم لأنـهـا ذكـرتـنـي ســيـر أسـلافــي
يـا دمـع حـسـبـك لا تـجـود لـمـــن أجـرى الـدمـوع كمـثـل الوابـل السـافي
وفي آخرها :
يـا شـيـخ يـكـفـيـك أن الناس قد شـغـلوا بـالمـغـريات وأنـت الـثـابـت الـوافــي
أغـراهـم الـمـال والـدنـيـا تـجـاذبـهـم مـا بـيـن مـنـتـعـل مـنـهم ومن حـافي
وفيها :
سـر يـا أبـي واتـرك الـدنـيـا لـعـاشـقها فـي ذمــة الله فـهـو الحـافـظ الـكـافـي
من مميزات الشيخ عبد العزيز : كثرة الذكر ، فهو يكلمك بالهاتف وهو يسبح ، فيستمع المكالمة ، وهو يذكر الواحد الأحد .
والشيخ له وردان في اليوم : بعد صلاة الفجر ـ أكتب هذا من باب الاقتداء لعل الله أن ينفع ـ فبعد أن ينتهي من التسبيحات يقول : لا إله إلا الله ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، مائة مرة ، لا يتركها مهما كان ، وبعد العصر ، ولا يتكلم حتى ينهيها ، والشيخ يقوم قبل الفجر ليستأنف جلسته التي تعودها مع السحر مع الواحد الأحد ، يوم يتنزل الله في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا فيقول : ( هل من داع فأستجيب له ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من تائب فأتوب عليه )(1) .
ولذلك ، أنا قد رأيت ، ولاحظت أنه إذا خرج لصلاة الفجر ليصلي بالناس أن عليه هالة من النور .
قالوا للحسن البصري : ما بال قوام الليل عليهم نور ؟
قال : خلوا بالله ، فأكسبهم نوراً من نوره .
والشيخ عبد العزيز بن باز : حفظه عجيب في القرآن ، يقول بعض الناس : ما أظنه يخطئ خطأ فهو يحفظ القرآن مثل الفاتحة ، يبدأ بسورة الفاتحة ، وإذا هو بعد أيام في سورة الناس يسرده سرداً .
ثم إذا جاء يستشهد ينتزع الآية من موضعها ، ويستنبط له استنباطاً عجيباً ، سهلاً .
والشيخ قريب من الطلاب ، ينشر علمه في كل مكان : في الطريق وفي الشارع وفي الهاتف وفي المكتب ، وهذا هو هدي علماء السنة فهم علماء عامة .
فعلماء الإسلام ، لا يغلقون على أنفسهم في البيت ، ولا يبخل أحدهم بعلمه على المسلمين ، أو يجلس تحت المكيف ، وينتظر أن يطرق عليه الناس .
لا ، بل علماء أهل السنة تجدهم في المساجد وفي الشوارع وفي السكك وفي المكاتب يسألهم الناس كالشيخ عبد العزيز بن باز .
هذه بعض الفوائد من لقائي بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز .
v زيارة للشيخ الألباني :
وصل إلى مكة ، وجدة قبل ثلاثة أسابيع ، أو أربعة ، وكانت من فرص الحياة أن أرى ذاك الرجل ، فقد كنت أرجو من الله الواحد الأحد : أن أراه ، فهو رجل عجيب .
هو ، الآن يقارب التسعين من عمره ، قضي منها ما يقارب ستين سنة منها في خدمة الحديث النبوي ؛ حتى كأنه ما مر بحديث إلا خرجه أو تكلم فيه .
هل تدرون ما هي بداية حياته ؟ من أراد منكم أن يعرف ذلك فلبعد إلى كتاب ( علماء ومفكرون عرفتهم ) وكتاب ( حياة الألباني ) للشيباني .
الشيخ ناصر ليس له شيخ ، ولم يتعلم في مدرسة ، بل تعلم من أبيه بعض الفقه الحنفي ، ثم جلس يصلح الساعات ، في دمشق ، في الشارع العام .
وكان دقيقاً في علم الساعات ، ولا يزال ، إلى الآن ، يجيد تصليحها ، فأكسبه هذا : الدقة والصبر .
مر به بعض الناس ( بإحياء علوم الدين ) للغزالي ، فرأى فيه تخريج العراقي في الحاشية ، فأعجبه التخريج ، فأخذ هذا التخريج وكتبه في أوراق أخرى ، ثم قال في نفسه : حكمة بالغة من الله سبحانه وتعالى ، لماذا لا أخرج مثل هذا التخريج ؟ فأخذ يخرج من الكتب ، ثم فتح الله عليه ، سبحانه وتعالى ، فجمع ( الصحيحين ) ثم (السنن ) ثم ( المسانيد ) ثم ( المعاجم ) ثم كتب الرجال ثم كتب الأطراف ، ثم دخل المكتبة الظاهرية ففتح الله عليه فتحاً عظيماً .
والرجل من أجلد الناس ، وأصبر الناس ، يجلس في المكتبة عشر ساعات ، لا يرفع رأسه .
يقولون : بأن عنده سلماً في الظاهرية يصعد عليه ليبحث عن حديث ، فيبقى على رأس السلم ما يقارب ساعتين أو ثلاث .
كانت عنده ( سيارة أجرة ) يشتغل عليها يومين لأهله ، ثم يعود بقية الأيام يبحث في الحديث .
وكان فيما يقال عنه : يوضع له الإفطار في الصباح ، فلا يدري هل وضع له حتى يؤذن للظهر فينتبه ، فإذا الإفطار قد برد .
فهو صاحب جلد ، وحب للحديث ، والله إذا أراد بعبده شيئاً حببه إلى هذا المسلك ، فأخرج كتباً مباركاً وأخرج تخريجات عجيبة .
رأيته فإذا هو طويل البنية ، إذا رأيته تعرف أنه أعجمي ليس في رأسه ، ولا لحيته شعرة سوداء ، بل قلنصوته : بيضاء ، ووجهه أبيض مشوباً بحمرة ، ولحيته : بيضاء ، وثوبه أبيض ( نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (النور: من الآية35) .
والشيخ مصاب ، شافاه الله ، قال للطلاب في جدة : ادعوا لي بالشفاء ، لعلي أن أكمل كتب الحديث ، فانهار المسجد بالبكاء ، ودعوا له بالشفاء .
هو مريض بأرجله ، ومع ذلك يقود السيارة بنفسه بجدارة ، وقد أتى بالبر لا بالطائرة .
سالت الألباني خمسة أسئلة للفائدة :
منها : أيها المحدث الكبير سمعنا أنك أفتيت في ( آداب الزفاف ) بأن الذهب المحلق لا تلبسه النساء .
فهو قد حرمه ، وقد رد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رداً عجيباً وهو قد خالف الإجماع .
فما رأيكم ؟ خاصة أن بعض الفضلاء كتب كتاباً يرد على فضيلتكم ، وفي علمكم أن الأدلة واردة في ذلك ، وهو كتاب ( المؤنق في إباحة الذهب المحلق وغير المحلق ) للأخ الفاضل : مصطفى العدوي جزاه الله كل خير .
أجاب الشيخ بإجابة طويلة ، ولكنه ما رجع عن رأيه .
والعجيب : أن الرأي الصحيح : خلاف ما رأى الشيخ ، والحكمة أن الله يريد أن يتفرد بالكمال ؛ لأنه لو كان العالم لا يخطئ في مسألة لكان الناس تصوروا فيه بعض التصور ، لكن العالم مهما كان لابد أن يخطئ .
قال مالك : كل يؤخذ من كلامه ويرد ، إلا صاحب هذا القبر ( صلى الله عليه وسلم ) .
والعالم إذا اجتهد فاصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد .
ثم سألت الشيخ عن رواية أبي الزبير في ( صحيح مسلم ) ؟ فأجاب إجابة يعرفها المتخصصون في الحديث ، بأن هناك اصطلاحات لمسلم يعرف الروايات التي يرويها أبو الزبير عن جابر ، لأن أبا الزبير يعنعن ، وهو مدلس .
ثم سألته عن رواية المبتدع ، وعن بعض الأحاديث الضعيفة التي نسبت إلى مسلم وعن بعض المسائل ؟
ثم سأله بعض المحبين عدة أسئلة .
الطريف في الجلسة : تواضع الشيخ حتى تشعر أنك أمام رجل عادي ، وهو عالم يتسابق الطلبة على حذائه، إذا أراد أن يخرج ليلبسوه إياه ، ويرفض ذلك .
سألته سؤالاً في الحديث الضعيف : هل يستدل به في فضائل الأعمال أم لا ؟
فبقى يجيب حتى قلت له : يا فضيلة الشيخ ، لا نريد أن تلقى محاضرات ، نريد أن تجيب على الأسئلة حتى نستفيد منك أكثر .
v لقاء حار بالشيخ ابن عثيمين :
عالم مشهور ، وعلم ومنارة أهل عنيزة .
وهذا الرجل يميزه أمور :
زهده في الدنيا ، وأنه من أذكى الناس ، تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيميه ، وبقى عليها فترة من الفترات ، حتى أخرج كنوزاً من العلوم .
ويميزه : دقته ، وذكاؤه العجيب ، واستدلاله بالنصوص ، وإخراجه الدرر والكنوز .
ويميزه : أنه مربي ، وليس واعظاً فحسب ، عنده ما يقارب ثلاثمائة شاب .
وعنده صبر مع الطلاب ، فدرس في الصباح ، وبعد العصر ، وفي المغرب في غالب الأيام ، فتجد الشباب يترددون عليه .
دعوناه إلى أبها ، ودعاه أهل تبوك ، وبعض المناطق ، لكنه يرفض أن يرتحل من أجل طلابه ، فهو مربي، وهو فقيه ، ثم هو صابر محتسب ، وشروحه من أعجب ما يكون .
ويميز الشيخ : اعتصامه كذلك بالدليل ، فهو علامة في الاستنباط ، وأخذ الحكم من الدليل ، وهو علامة في أصول الفقه والنحو .
والشيخ خفيف الظل ، يعني : دعوب ، ولطيف المزاج ، ولذلك يقرب منه الطلاب ، والرسول ( صلى الله عليه وسلم )يقول : ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا )(1) والرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كان سهل الخلق وكان يمزح .
قرأت في ( سلسلة الصحيحة ) للألباني حديثاً صح عند أحمد وغيره قالت عائشة رضي الله عنها : ذهبت أنا ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة فقال للصحابة : ( تقدموا ) ، فتقدموا .
فقال لعائشة : ( سابقيني )(2) !
الـمـصـلـحـون أصـابـع جـمـعـت يـداً هـي أنـت بـل أنـت الـيـد الـبـيـضـاء
فسابقته عائشة ، رضي الله عنها ، فسبقته ، لأنها خفيفة ، وكانت شابة .
قالت : وبعد سنوات ، أتى الصحابة في غزوة ، فقال لهم ( تقدموا ) . فتقدموا .
قال : ( سابقيني ) فكثر علي الشحم ، وثقل بدني ، فسبقني ، فتبسم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وقال: ( هذه بتلك ) .
سبحان الله ! بعض الناس ، قد يقول : هذا فضول ، فهل وجد ( صلى الله عليه وسلم ) من الفراغ أن يسابق أهله .
نعم يجد من الفراغ ؛ لأنه مربي ، بل تجده أيضاً مع الأطفال يداعبهم .
تجد بعض الناس إذا قيل لهم : لماذا لا تمازح أطفالك ؟
قال : أنا مشغول ، اشتغلنا عنهم بهذه الدنيا ، أو يقول : أنا أكبر من هؤلاء الأطفال .
يا أيها الذي أنهى عمره والذي فتن نفسه ، معلم الخير أكثر شغلاً منك ، ومعلم الخير وقته مزحوم بقضايا الأمة ، وأحداث الأمة ومع ذلك أخذ أمامة وصلى بها العصر ، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها(1) .
سبحان الله ! شريعة سهلة ، لكن عيبنا نحن : أننا لا ننظر إلى السيرة ، والأحاديث ؛ وما جاء فيها من عبر ، فلا يكفي أن تحفظ دون تدبر .
والشيخ محمد يميزه العقل السديد ، فهو رجل يعطيك درراً ، إذا تكلم ؛ لأنه رجل مجرب ، فهو في الرابعة والستين ، أو ما يقاربها .
ويخبرك كيف فن الدعوة ، لأن بعض الشباب ، الآن ، يريد الدعوة بالعنف ، ولذلك لا تصلح لهم الدعوة ، ولا ينتجون شيئاً ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران: من الآية159) .
ولذلك فبعض الشباب يكون متحمساً جداً ، فيقول للعالم : لماذا لا تفعل كذا وكذا ؟ ولا تقول كذا وكذا ؟ كأنه أعلم من العالم .
لا ، العالم يعرف المصالح والعالم ذكي ، فواجبنا أن نترك الفظاظة في الدعوة والقسوة ، لكي تجتمع علينا القلوب .
وينبغي علينا : أن نعرف كيف نصل بالكلمة إلى أهلها ، وكيف نكون حكماء مع الناس لعل الله أن يهدي بأيدينا ؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه .
وقد تعمدت ذكر شيء عن هؤلاء العلماء الثلاثة ( ابن باز ، الألباني ، ابن عثيمين ) ليكونوا قدوة للشباب ، لأن الصحوة عندنا واسعة ، لكنها هائجة مائجة ، تحتاج إلى خطام وزمام . فالشباب عندهم حماس ، ويريدون علماء مثل إشارات المرور توقفهم إذا تجاوز اندفاعهم الحدود .
يقول العالم للشباب : ( اطلب العلم ) ، ( لا تتكلم هنا ) ، ( اترك هذه القضية ) ، ( لا تتحدث اليوم ) ، (لا تتحدث في هذه القضية على المنبر ) ، ( اكتبها كتابة) ، ( هذه المسألة لا تذكرها في المجلس ) .
v وصايا للشباب :
عندي وصايا خفيفة للشباب ، وقد كررها كثيراً في عدة مواضع .
وبعض الأخوة كتب إلى رسائل وكلمني ، وقال : نجد بعض الأحاديث في محاضراتك ، ودروسك ، وبعض القصص في كتابك تتكرر .
أقول : هل تريدنا دائماً أن نأتي بجديد ؟ فنحن لسنا فنانين نأتي كل يوم بأغنية ، نحن نتعامل مع الكتاب والسنة ، فقصة موسى في القرآن أعيدت ما يزيد عن ثلاثة وعشرين مرة ، تأتي في البقرة ، ثم تأتي في الأعراف، ثم تأتي في يونس ، ثم تأتي في طه ، ثم في الشعراء ، ثم في القصص ، وهكذا .
فكتابنا يتجدد ، لكن بأساليب ، إذا أتيت بالقصة اعرضها في أسلوب ثم ردها في أسلوب آخر ، ثم اقلبها في أسلوب ثالث ، حتى يقبلها الناس .
فالتكرار منقبة وليس مثلبة .
قـالـوا تـكــرر قــلـت أحــلـى عـــلـمــاً مـن الأرواح أغــــلــى
فــإذا ذكــــرت مـحـــمــداً قــال الـمـلأ أهــلاً وســـــهـــلا
ويقول آخر :
كــرر الـعــلم يـا كـــرم الـمـحـيـا وتــدبـره فـالـمـكــرر أحـــلـــى
فأنت لا تضجر من المكرر .
أقول : من المكررات في الوصايا : أوصيكم بطلب العلم ، وتحصيل العلم كباراً وصغاراً ، فليس عندنا في الإسلام : سن لطلب وتحصيل العلم كباراً وصغاراً ، فليس عندنا في الإسلام : سن لطلب العلم ، فالعلم معك حتى تدخل في القبر ، فهو من المهد إلى اللحد .
يقول البخاري : وتعلم أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كباراً .
فأنت تحرص على العلم في الستين ، والسبعين ، والثمانين ، والعلم مبذول ، الآن ، وله وسائل عجيبة منها: حلقات في المسجد ، ومنها : كتب ، ومنها شريط إسلامي ، ومنها : كتيبات ، ومنها : سؤال أهل العلم على الهاتف وغيرها ، وغيرها كثير .
فأوصيكم به ، لن يضل طالب العلم ، وطالب العلم على بصيرة .
وطالب العلم يسلمه من الشهوات والشبهات .
وطالب العلم مسدد .
وطالب العلم عنده نور .
وطالب العلم يزداد إيماناً كل يوم .
وطالب العلم كما صح في الحديث : ( تستغفر له حيتان البحر وطيور السماء حتى النملة ) .
والحمد لله العلم في ب-ا سهل ميسر ، فالمساجد منتشرة والكتب محققة ، والعلماء متواجدون .
أسأل الله أن يوفقني وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح .
وهذا آخر ما تيسر لي كتابه في ( مصارع العشاق ) فما كان من صواب فمن الله وتأييده ، وما كان من خطأ فمن ضعفي وعجزي ، واسأل الله العفو والعافية والمغفرة .
عـيـن الـرضـا عـن كـل عـيـب كـلـيـلـة وعـيـن الـسـخـط تـبـدي الـمـسـاويـا
:more61: ابو / صهيب :more61: