وصيتى /الشيخ عا ئض القرنى الو صيه الخا مسة
و على المسلم أن يتفكر في القرون الغابرة، و الأجيال التي سبقت، والأمم التي خلت، ينظر في مصارعهم و يتفكر أين اصبحوا وكيف صاروا إلى القبور، تاركين الدور والقصور؟ ، و ليتفكر كم كانوا فيه من ملذات، ومن رفعة وعز، ومن بهجة وسلطان وهيلمان، ثم تركوا ذلك،و فارقوا الأصحاب و الأحباب، وجردوا من الثياب، ووسدوا في التراب، هل تحس منهم أحد أو تسمع لهم ركزا؟ فليطلب العز من الله عز وجل، وليطلب المكانة عنده سبحانه و القرب إليه، وليعلم انه مهما علا منصبه أو ارتفعت وظيفته أو كثر ماله وأبناؤه وحشمه وخدمه، فانه تارك ذلك لا محالة، موليا عن ذلك متخليا عنه في اقرب الأوقات، ذاهبا لاكفانه، متجردا حتى من ابسط شيء، من ساعته، من ثوبه، من غترته، من سواكه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ )(الأنعام: 94) فيا لها و الله من وقفة تستوجب منا التفكير مليا. ومن طالع التاريخ وجد العجاب حتى من الخلفاء والملوك، فانك لو طالعت دولة بني أمية وبني العباس، و رأيت كيف سلبوا الملك، فمنهم من قتل، ومنهم من نشر، ومنهم من نحر، ومنهم من حبس، ومنهم من سلمت عيناه، ومنهم من قطع في مجلسه، ومنهم من اغتيل خلسة، ومنهم من خلع، ومنهم من عزل، ومنهم من ضرب ضربا مبرحا، ومنهم من جلد جلدا عظيما، كل ذلك وجيل يأتي بعد جيل، فلا قرار ولا راحة ولا أمن إلا في جنات النعيم، كما قال احمد لابنه عبد الله لما سأله: متى يرتاح المؤمن يا أبتاه؟ قال : لا راحة له حتى يضع رجله في الجنة.
فهذا الصحيح عند أهل العقول والعارفين بالله عز وجل، فدار كتب الله عليها الشقاء و المرض على أهلها، و الفرقة، والقتال، والحروب، وانزل فيها الهموم و الغموم، و الأحزان، و الجوع، و الظمأ، و النصب، و السلب، و النهب، و الوسق، و التعب، دار هذا وصفها لا تستحق الاهتمام، بل على العبد أن يزهد بما فيها ويكتفي منها بالقليل كما قال صلي الله عليه وسلم : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، و كان بن عمر يقول : ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، كما يروي عنه في الحديث، كما قال: ( كف عنك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)، ( ازهد في الدنيا يحبك الله، و ازهد فيما عند الناس يحبك الناس).
وعلى المسلم أن ينظر إلى الجانب الذي يجيده ويحسنه و يتعبد الله به، فان الإنسان له طاقات محدودة ومواهب معينة لا يمكن أن يحوي كل شيء، فما فتح الله عليه فيه فليعبد الله به بعد أداء الفرائض، فان فتح عليه بالفتيا فليشتغل بذلك و ليحقق الفتوى، و ليسال عنها، وليراجع كتبها، وليسال أهل العلم. وإن فتح عليه بالوعظ فليتمكن من ذلك، و ليدرس أساليبه، و مواطن التأثير، و يتخصص في هذا الباب.
و إن فتح عليه بعبادة خاصة من التلاوة فليكثر من تلاوة القرآن وليستنبط منه، ويتفقه في معانيه.
و إن فتح عليه في الرزق فلينفق وليجود النفقة، وليقصد بها وجه الله، وليلتمس المساكين.
و إن فتح عليه في الإصلاح بين الناس فليسع بذلك ويخصص لهم جزءا من يومه، ولا يكل ولا يمل من هذا الباب، لأنه باب إيصال إلى جنات النعيم.
و إن فتح عليه بالجهاد بحيث رزقه الله جسما قويا وصحة وعافية فليحدث نفسه دائما بالغزو وليتهيأ له ويستعد، فانه من اعظم الأعمال، و لينظر إلى أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، فقد احسن كل في بابه، فتجد المجاهد منهم قدم دمه في سبيل الله، متلذذا بالنكايات و النكبات التي وقعت له، مقدما رأسه، جوادا بنفسه وماله. وتجد المقرئ قضي عمره في تعليم كتاب الله عز وجل، والعمل به، ودراسته و الدعوة إليه، وتجد المحدث منهم حافظا لكلام الرسول ، ضابطا لألفاظه، متسننا به. وتجد المفتي منهم يفصل في القضايا ويبذل الدليل والبرهان بعقل راجح. وتجد الواعظ منهم مبشرا ومنذرا، يدعو إلى طاعة الله عز وجل وتقواه، محذرا من معصيته سبحانه، وتجد المنفق منهم قد دفع أمواله في سبيل الله وهو منشرح الصدر فرحا بذلك مسرورا، فرضوان الله عليهم واحسن عاقبتنا، و جمعنا بهم في جنات النعيم.
:more19: يتابع /ابو صهيب:more19: