فى رحاب الأخوة/ محبة المسلم /د 00 عا ئض القرنى
:more61:
الحمد لله حمداً حمَداً ، والشكر لله شكراً شَكراً .
حــمـداً لـمـن بـلـغـنـا الـمـرامــا وزادنـا مـن فــضـلـه إكـرامــاً
ثـم صـــلاة الله تـتـرى مـا ســــرى بـرق عـلـى طـيـبـة أو أم القـرى
مـع الـســلام يـغـشــيـنـا أحــمـدا وآلـه الـمـسـتـكـمـليـن الرشـدا
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وعلى من سار على منواله ، واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد ...
فقد خرج أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه ، إلى السوق ، فوجد الناس يبيعون ، ويشترون ، ويتعاملون بالدرهم والدينار ، فعلم أن هناك تجارة أعظم من تجارتهم ، وأن هناك ربحاً ، أعظم من ربحهم ، فنادى في السوق : يا اله السوق ، أتتبايعون في السوق ، وتتشارون ، وميراث محمد (صلى الله عليه وسلم ) يوزع في المسجد ؟!
فهرع التجار إلى مسجده (صلى الله عليه وسلم )،وظنوا أن هناك : تجارة ، وأن هناك حباً ، وزبيباً ، وتمراً، وثياباً ، ودراهم ودنانير .
فدخلوا من أبواب المسجد ، فما وجدوا إلا حلقات من العلم يدار فيها : قال الله ، وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم ) .
فأطلوا برؤوسهم من أبواب المسجد ، ومن نوافذه ، فلم يجدوا شيئاً فعادوا ، وقالوا : يا أبا هريرة !! أين ميراث الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الذي زعمت أنه يوزع في المسجد ؟
قال : ماذا رأيتم في المسجد ؟
قالوا : رأينا حلقات يدرس فيها القرآن ، وتعلم فيها السنة .
قال : ذلك ميراثه (صلى الله عليه وسلم ) ، من أخذه أخذ بحظ وافر .
وسنعيش في هذه الرسالة مع حديث عطر من أحاديثه (صلى الله عليه وسلم ) ، ومن ميراثه العظيم لنأخذ منه العبر والدروس .
روى البخاري : عن أنس ، رضي الله عنه وأرضاه ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )FONT=Arabic Transparent .
أنس بن مالك : راوي الحديث ، هو : أحد أصحاب الرسول (صلى الله عليه وسلم ) وهو من الستة الذين حفظوا جماً غفيراً من السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
أنس كان خادماً للمصطفى (صلى الله عليه وسلم ) ، ولكنه حر ، لم يمسه رق أبداً إلا لله .
ولما قدم (صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، أتت به أم سليم ، وقد ألبسته ثياباً ، وطيبته ، وقالت : يا رسول الله ، أنس ، ابني ، يخدمك فخذه .
فأخذه (صلى الله عليه وسلم ) فكان من أحسن الهدايا .
قال أنس : خدمت الرسول (صلى الله عليه وسلم ) عشر سنوات ، والله ما قال لشيء فعلته : لم فعلته ، ولا لشيء لم أفعله : لمَ لم تفعلهFONT=Arabic Transparent .
وقال أنس : ما مسست حريراً ، ولا ديباجاً ، ألين من كفه (صلى الله عليه وسلم ) ، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً قط ، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله (صلى الله عليه وسلم )FONT=Arabic Transparent .
فدعا له (صلى الله عليه وسلم ) بقوله : ( اللهم أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما أعطيته )FONT=Arabic Transparent .
فتقبل الله ، سبحانه وتعالى ، تلك الدعوات .
فأما عمره : فطال حتى قارب المائة ، لكنه عمر البركة ، واستثمار الأوقات ، لا عمر الضائعين .
يقول : دفنت من أولادي ، وأولاد صلبي قبل أن يدخل الحجاج ما يقارب المائة .
وأما تكثير ماله : فقد رزقه الله ببركة دعـائه (صلى الله عليه وسلم ) مالاً كثيراً ، فكان له بسـتان في البصرة ، قال أهل السير وأهل التاريخ : كان بستانه يطلع في السنة مرتين .
وذكر أبن قتيبة أن بستانه قحط وأجدب ، فأخذ يستغفر ويصلي ركعتين .
قالوا : ما لك تستغفر ؟
قال : ليأتي المطر ، أما يقول الله على لسان نوح ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) (نوح:12) .
فلما فرغ من استغفاره ، وإذا السحاب قد أقبل ، حتى غطى بستانه ، فأمطر .
ونعود إلى حديث الرسالة :
قال (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
في الحديث قضايا :
أولها : هل النفي هنا نسبي أو نفي قطعي ؟
إن كان نسبياً فمعناه : لا يؤمن أحدكم أيماناً كاملاً .
وإن كان قطعياً فمعناه : لا يؤمن أحدكم ، أي : لا يدخل في الدين حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
ويرى بعض أهل العلم أن الألفاظ النبوية إذا وردت : ( لا يؤمن ) في الفرائض ، فإن من لا يأتي بها يكون كافراً .
وأما في الآداب والنوافل فيكون مسلماً ناقص الإيمان ، أي : من لا يأتي بها .
أي : يكون إيماناً غير كامل .
ثانياً : في الحديث مفهوم مخالفة صريح ، ومفهوم مخالفة بالدلالة الظنية .
أما الصريح : فإن من لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه ، فليس بمؤمن كامل الإيمان .
أما الظنية : فإنه لا يؤمن حتى يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه .
لأن بعض الناس قد يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، لكنه لا يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه .
وهي لابد منها .
ثالثاً : المقصود من الحديث : أن تحب له أمور الدين مثل ما تحب لنفسك .
أما أمور الدنيا فعلى التفصيل .
فإن كانت ستعينه على الدين ، فأنت تحب له إياها .
وأما إن كانت ستشغله عن الدين ، وتجلب له التعاسة ، والقلق ، والاضطراب .. فلا .
قال الإمام أحمد : وددت أن الله جعلني فداء لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم ) .
وما سمعنا بأحد مثل الأنصار أحبوا إخوانهم ، وآثروهم أكثر من أنفسهم ، كما قال سبحانه : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: من الآية9) .
جاء ضيف إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، فقال لأصحابه : ( من يضيف هذا ؟ ) .
فأخذه أنصاري ، وذهب به إلى بيته ، فلم يجد طعاماً قليلاً ، فقال لزوجته : نومي الصبية ، وألهيهم ، لأننا سنقدم طعامنا لضيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) .
فنومت صبيانها ، وأشعلت سراجها ، وصنعت طعامها ، وقربت الطعام ، فأكل الضيف حتى شبع .
وفي الصباح أتى الأنصاري رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فتبسم (صلى الله عليه وسلم ) ، وقال له : ( لقد عجب الله لصنيعكما البارحة )FONT=Arabic Transparent .
والله يعجب ، وله عجب يليق بجلاله سبحانه وتعالى .
وهذا من أحاديث الصفات التي أثبتت العجب .
والسر فيها : أن هؤلاء آثروا على أنفسهم ، وبهم خصاصة ، رضي الله عنهم وأرضاهم .
وحقوق المسلم : منها واجبات ، ومنها ما هي مستحبات .
الواجبات : نص الرسول (صلى الله عليه وسلم ) على ست أو خمس منها في الحديث المتفق عليه وهي : (إذا دعاك فأجبه ) ، إلا أن يكون هناك منكر ، ( وإذا عطس فحمد الله فشمته ) ، وإذا لم يحمد الله ، فلا تشمته ، ( وإذا استنصحك فأنصح له) ، ( وإذا مرض فعده ) ، ( وإذا مات فاتبع جنازته ) ، ( وإذا لقيته فسلم عليه )(2) .
أما الآداب فهي كثيرة :
منها : أن تحفظه إذا غاب .
ومنها : أن تبره .
ومنها : أن تزيل الأذى عنه .
ومنها : أن تظهر السرور إذا ظهر عليه السرور ، وتظهر الحزن إذا ظهر عليه حزن ، إلى غير ذلك .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فإن المحبة في الله ، عز وجل من أعظم عرى الإيمان وقواعده كما أخبر بذلك الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم ) .
وللمحبة جسور أقامها ربنا وتعالى بين المؤمنين ، ووصل قلوبهم بها ، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذه الجسور في كثير من المواضع في كتابه العزيز ، كقوله :
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: من الآية10) .
وقوله جلت قدرته : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران: من الآية103) .
ويقول تبارك اسمه : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لأنفال:63) .
وقصر سبحانه وتعالى الولاية على المؤمنين ، فقال : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض ٍ) (التوبة: من الآية71).
وقال سبحانه وتعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة:56) .
وقد ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، جسور المحبة أيضاً ، فهو الذي أسسها وأرسى بناءها ، ومد حبال الود في قلوب أتباعه إلى يوم الدين .
قال عليه الصلاة والسلام ، من حديث أبي هريرة : ( حق المسلم على المسلم سـت : إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فأنصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه )(1) .
ولما رأيت هذا الأمر واضحاً جلياً ، استعنت بالله عز وجل في جمع مادة هذه الرسالة ، وقد تناولت فيه بعضاً من تلك الجسور ( جسور المحبة ) ، تذكيراً لنفسي أولاً ، ثم حثاً لإخواني على مد هذه الجسور فيما بينهم ، لتنشر المحبة والألفة والمودة بين المسلمين .
فهيا نتحاب .. وهيا نتآلف .. وهيا نتراحم ..
أولاً : التحية في الإسلام
1ـ السلام .. تحية الإسلام :
يقول (صلى الله عليه وسلم ) في المسلم يقابل المسلم : ( إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه )FONT=Arabic Transparent .
فالسلام ، هو التحية التي أنزلها الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم ) ، وهي : تحية أهل الجنة ، قال تعالى : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ)(الأحزاب: من الآية44) ، وهي : التحية التي رضيها الله لعباده ، ورضيها رسوله (صلى الله عليه وسلم ) لأتباعه ، وأمته من بعده ، ولا يجوز للمسلم أن يستبدل بتحية الإسلام غيرها من تحايا الأمم الأخرى ، لا : بصباح الخير ، ولا أهلاً وسهلاً ، ولا أنعم صباحاً ، ولا غير ذلك .
قال عمران بن حصين : كنا في الجاهلية نقول : أنعم الله بك عيناً ، وأنعم صباحاً ، فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك FONT=Arabic Transparent .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كانوا في الجاهلية يقولون : حييت مسـاءً ، حييت صباحاً ، فغير الله ذلك بالسلامFONT=Arabic Transparent .
إذن فلابد أن يبدأ المسلم بهذه التحية العظيمة ، بالسلام الشرعي السني الموروث عنه ، عليه الصلاة والسلام .
قال الله عز وجل : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (النساء:86) .
بأحسن منها : أي تزيد على تحيته ، فإذا قال : السلام عليكم ورحمة الله ، فقل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أو بمثلها بأن تقول : وعليكم السلام ورحمة الله .
وعند أبي داود والترمذي ـ بسند صحيح ـ عن عمران بن حصين ؛ أن رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس . فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( عشر ) .
ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه فجلس ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : (عشرون ) .
ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه فجلس ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ( ثلاثون )FONT=Arabic Transparent . أي : ثلاثون حسنة لمن أدى التحية بتمامها .
هذه تعاليمه ، عليه الصلاة والسلام ، وهذا هديه في تعليم أصحابه . انظر : كيف يحبب السنة إلى قلوب أصحابه ، عن طريق إبلاغهم بالأجر العظيم ، الذي ينتظرهم من الله الواحد الأحد ، إذا هم طبقوا تعاليمه ، وساروا على هديه .
2ـ على من نسلم ؟!
عند البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن رجلاً سال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : أي الإسلام خير ؟
قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )FONT=Arabic Transparent .
وهذا ـ أيضاً ـ هدي إسلامي نبوي شريف ، أن تسلم على من عرفت من المسلمين ، ومن لم تعرف .
قال بعض السلف : أصبح السلام عند المتأخرين على المعرفة ، وهذه من علامات الساعة ، فالواجب على المسلم : أن يفشي السلام بين الناس ، من عرف ومن لم يعرف ، خلا أهل الكتاب ، خلا المشركين ، خلا الوثنين ، فالمسلم هو المقصود بهذا الحديث ، وغيره من الأحاديث التي تبين حقوق الناس ، بعضهم على بعض ، فإذا كان الإنسان يعيش في المجتمعات الإسلامية ، فإنه يطلب منه إفشاء السلام على من لقيه ، سواء عرفه وكان صديقاً أو قريباً ، أم لم يعرفه .
فمن الملاحظات الاجتماعية : أننا نسلم الآن على المعرفة فقط ! وترى الناس في الطرقات ، لا يسلمون إلا على من عرفوا !! أما من لم يعرفوه ، فلا يسلمون عليه ! وهذا من عمل الجاهلية ، وهو مخالف لسنته عليه الصلاة والسلام ، ففي الصحيحين أن آدم عليه السلام لما خلقه الله قال : ( اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فذهب فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه : ورحمة الله )FONT=Arabic Transparent .
هذه هي تحية آدم ، وتحية ذريته ، وتحية أهل الجنة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم : أفشوا السلام بينكم )FONT=Arabic Transparent .
فبين عليه الصلاة والسلام ، في هذا الحديث : أن الجنة لا تدخل إلا بالإيمان ، وأن الإيمان لا يحصل إلا بالحب ، وأن الحب لا يحصل إلا بإفشاء السلام .
وإفشاء السلام يزيل الضغينة من القلوب خاصة بين الأقارب والجيران .
ومعناه في الإسلام : أنك ترفع رايتك البيضاء المسالمة ، كأنك تقول : أتيت أرفع رايتي البيضاء فأمنوني ولا تتهيبوا مني .
هذا هو شعار المحبة والود ، الذي أقامه رسولنا (صلى الله عليه وسلم ) ، وحث على إرسائه ، وتثبيته في قلوب أصحابه ، وأمته من بعده .
وعند البخاري موقوفاً على عمار بن ياسر ، رضي الله عنهما ، أنه قال : ( ثلاث من جمعهن فقد جمع الإقتار )FONT=Arabic Transparent . وبذل السلام للعالم ـ هنا ـ يتضمن : تواضع العبد ، وأنه لا يتكبر على أحد ، بل يبذل السلام للصغير والكبير ، والشريف والوضيع ، ومن يعرفه ومن لا يعرفه ، والمتكبر ضد هذا ، فإنه لا يرد السلام على كل من سلم عليه كبراً منه وتيهاً ، فكيف يبذل السلام لكل أحد !!
وفي ( الصحيحين ) عن أنس رضي الله عنه ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ، مر على غلمانٍ فسلم عليهم FONT=Arabic Transparent.
وهذا من شدة تواضعه ، ولينه ، ورحمته (صلى الله عليه وسلم ) ، وهو بذلك يدخل أعظم البهجة على نفوس هؤلاء الصغار ؛ لأنهم سوف يتشرفون بسلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) عليهم ، وسوف يحكون ذلك في المجالس .
فعلى المسلم : أن يتواضع لمثل هؤلاء ، ولا يتجاهلهم لأنهم صغار ، فإنه يتفقدهم ، وسلامه عليهم يعلمهم الحب ، ويدفعهم إلى مكارم الأخلاق .
وقد رأينا في السيرة أن عمر ، رضي الله عنه ، على هيبته ، وقوته في الحق ، أنه كان إذا مر بالصبيان وقف ، وسلم عليهم ، ومازحهم ، وهو خليفة المسلمين .
وقد مر على صبيان المدينة ، وهم يلعبون ، فعندما رأوه ، وسمعوا جلجلته ، وسلطانه فروا إلى بيوتهم .
الشياطين تفر من عمر ، فكيف بالصبيان ؟!!
كيف بالصبيان الذين قلوبهم كقلوب الطير ، أما يفرون من إنسان أصاب قياصرة الدنيا باليأس ، وأكاسرة المعمورة بالذهول ؟!
ففروا جميعاً إلا عبد الله بن الزبير ، فإنه لم يفر ، كان شاباً صغيراً ، فقال عمر يمازحه : فر أصحابك ، ولم تفر أنت ، أما خفت ؟
قال ‘بد الله : ما فعلت جرماً فأخافك ، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك !
فاستدل على ذكائه ، وشجاعته من تلك اللحظة ، كيف لا يكون ذكياً وأبوه : الزبير بن العوام ، وأمه : أسماء رضي الله عنهم ، جميعاً ؟!
( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران:34) .
3ـ أمانة تحمل السلام وتبليغه :
كان (صلى الله عليه وسلم ) يسلم بنفسه على من يواجهه ، ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من الغائبين، كما ثبت أنه (صلى الله عليه وسلم ) بعث فتى إلى رجل مريض ، فلما أتاه قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) يقرئك السلام FONT=Arabic Transparent... الحديث .
وكان (صلى الله عليه وسلم ) يتحمل السلام لمن يبلغه إليه ، ففي الحديث أن جبريل عليه السلام ، نزل من السماء ، فأتت خديجة رضي الله عنها ، فقال جبريل ، عليه السلام : ( يا رسول الله هذه خديجة أتتك بالطعام ، فاقرأ عليها السلام من ربها ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب )FONT=Arabic Transparent .
وقد بلغ كذلك (صلى الله عليه وسلم ) السلام لعائشة أم المؤمنين من جبريل عليه السلامFONT=Arabic Transparent .
وينتهي السلام على الصحيح عند قول ( وبركاته ) . كما روى ذلك أبو داود والترمذي بسند قويFONT=Arabic Transparent .
وقد زاد بعضهم ( ومغفرته ) ولكن هذه الزيادة ضعيفة ، ذكرها أبو داود في حديث لا يثبتFONT=Arabic Transparent .
وكان عليه الصلاة والسلام ، كما عند البخاري والترمذي عن أنس : أنه إذا سلّم سلم ثلاثاً FONT=Arabic Transparent ، ولعل هذا كان هديه (صلى الله عليه وسلم ) في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد ، إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع .
وقد ورد في السنة : أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ذهب يزور سعد بن عبادة ، فأتى الباب فقال : (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، فسمعه سعد فرد في نفسه ، ولم يرفع صوته !
فقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد سعد في نفسه ، ولم يسمعه صوته !
فقال عليه الصلاة والسلام : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد سعد في نفسه ، ولم يسمعه صوته !
فذهب (صلى الله عليه وسلم ) فلحقه سعد بن عبادة ، وقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني ، ولقد رددت عليك ، ولم أسمعك ، أحببت أن استكثر من سلامك ، ومن البركة ، ثم أدخله البيت فقرب له زبيباً ، فأكل نبي الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فلما فرغ قال : ( أكل طعامكم الأبرار ، وصلت عليكم الملائكة ، وأفطر عندكم الصائمون )FONT=Arabic Transparent .
4ـ السلام على النساء :
وقد ورد في السنة ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) مر يوماً بجماعة من النسوة فألوى بيده بالتسليمFONT=Arabic Transparent.
جماعة من النسوة كن في طرف الطريق وهو مار (صلى الله عليه وسلم ) ، فالتفت إليهن وقال : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، وهذا خلقه عليه الصلاة والسلام ، لأنه رسول للرجال والنساء وجميعاً .
قال بعض أهل العلم : إذا انتفت الموانع ، وأمنت الفتنة ، فيجوز السـلام على النساء ، كالعجوز الكبيرة ـ مثلاً ـ فإن عليك أن تسلم عليها وتصحبها ، وتسألها عن حالها ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم ، فقد كانوا ـ كما في حديث سهل بن سعد ـ يصلون الجمعة ثم يأتون إلى عجوز في طريقهم ، فيسلمون عليها FONT=Arabic Transparent.
وهذا مرغوب فيه من باب : الرحمة بالكبير من المسلمين ، الطاعنين في السن ، وهذا مما حث عليه الإسلام في كثير من النصوص ، وقد ذهب الإمام ابن القيمFONT=Arabic Transparent رحمة الله إلى ذلك .
· من آداب السلام :
1ـ صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : ( يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، والراكب على الماشي ، والقليل على الكثير )FONT=Arabic Transparent .
فقوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( يسلم الصغير على الكبير ) لحكمة ، فإن الكبير له حق الوقار ، فيبدؤه الصغير بالسلام ، فأنت إذا التقيت برجل أكبر منك سناً فالواجب عليك : أن تبدأه بالسلام ؛ لتشعره باحترامك له ، وتقديرك لكبره ، ولو بدأك هو بالسلام ، فهو أفضل منك بلا شك .
فصغير السن يبدأ بالسلام على الكبير ، ويقاس على ذلك : أنه يبدأ العالم ، والشيخ الجليل ، وعلى من له مكانة ووجاهة ، وعلى من له بلاء حسن ، أو منزلة في الإسلام ، فيبدأ كل هؤلاء بالسلام .
وأما قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( والمار على القاعد ) ، فالواجب على الماشي : أن يبدأ القاعد بالسلام ، لا كما يفعل بعض الناس فهم دائماً ينتظرون من يبدأهم بالسلام على أي حال ؛ سواء كان راكباً أو ماراً أو قاعداً وهذا خطأ ويخشى على صاحبه من الكبر ، فلابد من معرفة السنة في هذا الأمر ، والالتزام بها كما جاءت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فالمار هو الذي يبدأ الجلوس بالسلام ؛ لأنه هو الطارئ على المكان ، وفي الغالب يكون وحده ، بينما يكون الجلوس جماعة .
وأما قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( والراكب على الماشي ) ، فإن الراكب يسلم على الماشي ، ويبدؤه بالسلام ، فراكب السيارة ـ مثلاً ـ يسلم على من يمشي ، وكذلك راكب الدابة ، ونحو ذلك ، وقد ذكر بعض الشراح لطائف : منها قولهم : إن الراكب يشعر بزهو دائماً ، فألزمه الإسلام بالسلام على الماشي ، تواضعاً ، وخفضاً للجناح ، حتى لا يتطرق الكبر لي صدره .
وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ( والقليل على الكثير ) ، فإذا مر الواحد على الجماعة فالواجب أن يبدأ هو بالسلام ، وإذا مر الخمسة على العشرة سلم الخمسة على العشرة ، ولم يسلم العشرة على الخمسة .
(ويجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم )FONT=Arabic Transparent .
وورد عند الترمذي أنه (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( يسلم الماشي على القائم )FONT=Arabic Transparent .
فهذه آدابه (صلى الله عليه وسلم ) ، وهذه تعاليمه ، وحكمه ، ولطائفه ، فإنه لم يترك خيراً إلا وحثنا على فعله ، ولم يترك شراً إلا وحذرنا منه .
2ـ فضل البدء بالسلام :
جاء عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ( ليسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل )FONT=Arabic Transparent .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام )FONT=Arabic Transparent .
والمعنى : أن أقرب الناس إلى الله عز وجل وأكثرهم ولاية وحباً وزلفى إلى الله الذي يبدأ المسلمين بالسلام، وكانت هذه عادة أخيار الصحابة والتابعين أنهم يبدءون غيرهم بالسلام .
وعن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ ( أول ما يحلب عند الولادة ) ، وجداية ( الصغير من الظباء ) ، وضغابيس ( صغار القثاء ) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، والنبي (صلى الله عليه وسلم ) بأعلى الوادي ، قال : فدخلت عليه ، ولم أسلم ، ولم أستأذن ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( ارجع فقل : السلام عليكم ، أأدخل ؟ )FONT=Arabic Transparent .
والشاهد : أن البدء بالسلام يكون قبل الدخول ، وقبل الكلام ، وقبل أي شيء .
وكان (صلى الله عليه وسلم )كما في حديث عبد الله بن يسر ، إذا أتى باب قوم ، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ، فيقول : ( السلام عليكم ، السلام عليكم )FONT=Arabic Transparent .
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يبدأ من لقيه بالسلام وكان يحرص على ذلك ، خلافاً للمتكبرين ، فإنهم يتحرون أن يبدأهم الناس بالسلام .
وابتداء السلام بلفظ : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) ، ويرد الراد ( وعليكم السلام ) بالواو . وقد أثبتها النووي وابن القيم ، وهي أجمل وأحسن من لفظ : ( عليكم السلام ) .
ويكره أن يقول المبتدئ : ( عليكم السلام )، قال أبو جري الهجيمي : أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقلت : عليك السلام يا رسول الله .
فقال : ( لا تقل عليك السلام ، فإن عليك السلام تحية الموتى )FONT=Arabic Transparent .
فعلينا تجنب قول : ( عليك السلام ) ، فإنهم كانوا يحيون موتاهم بذلك كما قال الشاعر لما مر بقبر قيس ابن عاصم :
عـلـيـك سـلام الله قـيـس بـن عـاصـم ورحـمـتـه مـا شـاء أن يـتـرحـمـا
فبدأ بالجار والمجرور ؛ لأنه على ميت .
فكره النبي (صلى الله عليه وسلم ) أن يحيي بتحية الأموات ، ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم بها .
3ـ آداب السلام في المجالس :
قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة )FONT=Arabic Transparent .
والمعنى : إذا أردت أن تودع إخوانك وأصحابك ، تسلم فتقول ، وأنت تغادر المكان والمجلس : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وهذه سنة غفل كثير من المسلمين عنها ، حتى تجد الكثير يقول : في أمان الله ، أو أستودعكم الله ، ويترك هذه السنة العظيمة التي نص عليها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام !
وعنه (صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ، ثم لقيه ، فليسلم عليه أيضاً )FONT=Arabic Transparent .
وقد ورد هذا من عمل الصحابة ، فعن أنس رضي الله عنه قال : ( كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يتماشون ، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يميناً وشمالاً ، وإذا التقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض )FONT=Arabic Transparent .
ويقاس على هذا : الداخل و الخارج في المجلس ، فإنه يسلم كما دخل أو خرج ، وهذا فعل حسن يثاب فاعله .
4ـ آداب السلام عند دخول المسجد :
قال ابن القيم ، يرحمه الله : ومن هديه (صلى الله عليه وسلم ) أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ، ثم يجيء فيسلم على القوم .
واستدل رحمة الله ، بحديث رفاعة في المسيء صلاته ، أنه صلى ثم أتى فسلم فقال له (صلى الله عليه وسلم ) : ( وعليك ، فارجع فصل فإنك لم تصل .. ) الحديثFONT=Arabic Transparent .
وهذا رأيه ، يرحمه الله ، ولكن ليس هناك دليل أن الرجل لم يسلم أو ما دخل المسجد ، ثم إنه قد يكون بعيداً في طرف المسجد فابتدأ بالصلاة أولاً ، ثم جاء فسلم .
والأقرب : أنه إذا دخل المسلم المسجد ، فعليه أن يسلم على إخوانه المسلمين ، ثم يصلي ركعتين .
وإذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة ـ نافلة كانت أو فريضة ـ فإن السنة في ذلك ، أن تبسط يدك فتجعل باطنها إلى الأرض ، وظاهرها إلى اتجاه وجهك ، ولا تقل بلسانك وأنت في الصلاة : وعليكم السلام .
وبعض أهل العلم يقول : تشير بسبابتك ، ولكن بسط الكف أولى عند أهل العلم ، وهو القول الراجح .
5ـ آداب السلام على الأهل :
كان (صلى الله عليه وسلم ) إذا دخل على أهله بالليل ، يسلم تسليماً لا يوقظ النائم ، ويسمع اليقظانFONT=Arabic Transparent .
فلا يدخل الإنسان على أهله ، فيسلم بإزعاج ، فيوقـظ أهله ! فانظر إلى لطافـته ورقته (صلى الله عليه وسلم ) .
أنا حديث : ( السلام قبل الكلام ) ، فهو باطل لا يصح عنه (صلى الله عليه وسلم ) ، فقد ورد عند الترمذي من حديث جابرFONT=Arabic Transparent، لكن في سنده عنبسة بن عبد الرحمن ، وهو متروك ، ورماه أبو حاتم بالوضع، فقال : وضاع : يعني : كذاب ، كما أن شيخ عنبسة ، وهو : محمد بن زاد : متروك ، فالحديث باطل .
6ـ حكم السلام على أهل الكتاب :
كان (صلى الله عليه وسلم ) لا يبدأ أهل الكتاب بالسلام ، وقد صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام )FONT=Arabic Transparent . فالسنة لمن يعمل مع اليهود والنصارى أن لا يبدأهم بالسلام ، لكن إذا سلموا قال وعليكم .
ومر (صلى الله عليه وسلم ) كما في البخاري ومسلم وأحمد ، على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود ، فسلم عليهم FONT=Arabic Transparent.
فإذا مررت بمجلس فيه مسلمون ( وهذا شرط ) ، وفيه يهود ونصارى فسلم عليهم السلام الشرعي .
وكتب عليه الصلاة والسلام ، كما في البخاري ومسلم لهرقل وغيره : ( السلام على من اتبع الهدى )FONT=Arabic Transparent .
وقد ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى في قول موسى لفرعون : ( وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (طـه: من الآية47) .
فإذا سلمت أو كتبت رسالة لأهل الكتاب فإنك تقول : ( السلام على من اتبع الهدى ) ، لكن لا تبدأهم بالسلام .
7ـ ترك السلام على العاصي حتى يتوب :
كان من هديه (صلى الله عليه وسلم ) ابتداء ورداً ترك السلام على من أحدث حدثاً حتى يتوب منه ، كما فعل (صلى الله عليه وسلم ) بكعب بن مالك وصاحبيه كما عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود ,احمد فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) لم يكن يبدؤهم بالسلام ، بل قال كعب بن مالك : فكنت أسلم على الرسول (صلى الله عليه وسلم ) فلا أدري هل يرد على أم لا ؟! وهل حرك شفتيه بالسلام أم لا FONT=Arabic Transparent.
ومثل ذلك المبتدع الذي عرف بابتداعه ، أو أحداث حدثاً في الدين ، فلك أن تهجره وتسلم عليه ، ولا ترد عليه السلام حتى يتوب ، وذلك بعد نصحه وتخويفه حثه على ترك الابتداع في الدين .
وكذلك مثل من ترك الصلاة الجماعة بلا عذر وهو جار للمسجد ، معافى ، وفي صحة طيبة ، فلك أن تهجره من السلام ومن الرد حتى يصلي مع الجماعة .
وورد من حديث أبي أيوب الأنصاري ، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ، يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )FONT=Arabic Transparent .
وهذا في أمور الدنيا ، فإن الغضب والغيظ في الدنيا ينتهي بثلاث ، ويحرم الهجر بعد ذلك ، أما في الدين فلا ينتهي حتى يتوب من خطئه ، ويتوب من ابتداعه .
1ـ حكم إجابة دعوة المسلم :
ومن جسور المحبة قوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( وإذا دعاك فأجبه )FONT=Arabic Transparent ون الدعوات ما تكون واجبه ، ومنها ما تكون سنة ، ومنها ما يحرم إجابتها .
فأما ما هي واجبة ، فدعوة الزواج ـ إذا لم يكن هناك منكر ـ ففي حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) قال : ( إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها )FONT=Arabic Transparent .
والوليمة ، هي : وليمة العرس .
وفي لفظ : ( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب ، عرساً كان أو نحوه )FONT=Arabic Transparent .
قال أهل العلم : هذا الأمر للوجوب ، أي : يجب عليك شرعاً أن تجيب الداعي ، ما لم يكن هناك منكر ، مخالف للشرع .
2ـ آداب الدعوة :
عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم )أنه قال : ( شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتها ، ويدعى إليها من لم يأتها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله )FONT=Arabic Transparent .
فشر الولائم التي للرياء والسمعة ، ويدعى إليها علية الناس ، ويمنع منها الفقراء ، وفي الحديث : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك )FONT=Arabic Transparent .
فأنت تحضر ، وليس المقصود ، أن تأكل ، فإن العض الآن إذا دعي إلى وليمة قال : ما أستطيع ؛ لأني أكلت ، أو يقول : لا أريد الأكل ، فهذا خطأ ، ليس المقصود : أن تأكل ، احضر ، وادع لهم ، وتحدث معهم ، وآنسهم ، فإن كثيراً من السلف كانوا يحضرون ، وهم صيام ، فكانوا يدعون لأهل المنزل من حسن خلقهم .
وورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( طعام الوليمة أول يوم حق ، وطعام الوليمة في اليوم الثاني سنة ، وطعام الوليمة في اليوم الثالث سمعة ورياء )FONT=Arabic Transparent ، رواه أبو داود ، وأحمد وفي سند مجهول ، وهذا الحديث ضعيف ، والبخاري يرى تضعيفه .
وقد قال البخاري في الصحيح : لم يوقت النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، يوماً ولا يومينFONT=Arabic Transparent .
فللإنسان أن يزيد على يوم أو يومين أو ثلاث ، لكن الأقرب للسنة يوم واحد ، ووليمة واحدة .
والمقصود : إجابة الدعوة إذا لم يكن هناك منكر .
والدعوة لمن سبق : فإذا دعاك داعيان في يوم واحد ، أو في أيام مختلفة ، فقدم الذي سبق إلى دعوتك ، وأعتذر للثاني ، وقل له : سبقك فلان بالدعوة ، فإذا تساوى أهل الدعوة ، فالأقرب منهم : الأولى بالإجابة ، وذي الأرحام : أولى بك بإجابة دعوتهم من الجيران ، إذا دعوك معاً .
وإذا كان هناك منكر ، فليس عليه أن يحضر ـ كما سبق ـ إلا إذا علم أن في حضوره منعاً للمنكر ، أو حداً منه ، فله أن يحضر .
1ـ وجوب النصيحة :
أما قوله (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث : ( وإذا استنصحك فانصح له )FONT=Arabic Transparent ، فهذا أدب ثالث يبينه ، عليه الصلاة والسلام ، لنا وهو شعار المحبة ، وهو الواجب الشرعي علينا بعضنا لبعض .
فالنصيحة : واجبة عند أهل العلم ، وقد قال : (صلى الله عليه وسلم ) : ( الدين النصيحة ) .
قلنا : لمن ؟
قال : ( لله ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم )FONT=Arabic Transparent .
وقد قال (صلى الله عليه وسلم ) وهذا من باب النصيحة : ( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ) قلنا : يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟
قال : ( ترده عن الباطل فإن ذلك نصره )FONT=Arabic Transparent .
فالواجب علينا : أن نتناصح فيما بيننا ، والإنسان لا يسلم من الخطأ والنسيان ، ونحن جميعاً يعترينا النقص والخطأ في كثير من تصرفاتنا لأن العصمة لرسول الهدى ، عليه الصلاة والسلام ، فالواجب على الأخ : إذا رأى أخاه قد أخطأ في مسألة ، أو في اجتهاد ، أو في تصرف ، أو في أسلوب أن يذهب إليه وينصحه ، ولن يجد الناصح إلا الحب ، والدعاء ، والبشر ، والاستقبال الحسن .
يقول على رضي الله عنه : المؤمنون نصحة ، والمنافقون غششة .
فإذا رأيت الإنسان ينتقد إخوانه وينالهم في المجالس ، ويتعرض لأعراضهم ، ثم لا ينصحهم في وجوههم ، فاعلم أنه غاش لله ، ولرسوله (صلى الله عليه وسلم ) ، وللمؤمنين .
ومن علامة المؤمن ، إذا أراد أن ينصح ، ويعظ أخاه : أن يذهب إليه ويأخذه على حدة ، وينصحه ويوجهه، ويحن عليه ، ويتعاطف معه ، ويتلطف به حتى يقومه ، إن كان يريد النصح حقاً ، وإن كان يريد التشهير بأخيه المسلم فالله يتولاه ، والله حسيبه ، والله من وراء قصده .
وقد ذكر الله عز وجل ، في كتابه طريقة الأنبياء في الدعوة ، وأنها قامت على النصيحة ، فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه : ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ) (لأعراف: من الآية62) .