بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأتوب إليه وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
أما بعد:
طلب منى الأخوة الكرام أن أكتب عن الميراث فى الإسلام فوفقنى الله تعالى إلى ذلك والحمد الله ، ولكنى أردت أن أذكر شيئا عن الميراث فى الأمم السابقة حتى يتبين لمن غابت عقولهم بقصد أو بدون قصد ولمن نصبوا أنفسهم لطعن الشريعة الإسلامية ، ولمن يتشدقون بألسنتهم بحقوق الإنسان أو بحقوق المرأة فى الإسلام كيف صان الإسلام المرأة وحفظ حقوقها داخل الأسرة مع أقرب الناس إليها ومع زوجها ومع المجتمع ، وذلك من الهدية الربانية ، فهو الله الذى خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يصلح له ، فهو القائـل سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم [ إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا] الإسراء رقم 9 .
وإليك أخى القارىء الشرح والتفصيل ، والله المستعان .
*
أولاً - شرح الآية الكريمة :
جاء فى تفسير بن كثير رحمه الله :
يمدح تعالى كتابه العزيز الذى أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأنه يهدى لأقوم الطرق وأوضح السبل .
وجاء فى تفسير البيضاوى :
للحالة أوالطريقة التى هى أقوم الحالات أو الطرق .
وقال بن جزى :
أى الطريقة والحالة التى هى أقوم ، وقيل : يعنى لاإله إلا الله . واللفظ أعم من ذلك .
وذكر العز بن عبد السلام :
المقصود بها شهادة التوحيدأوأوامره ونواهيه ، وأقوم:أصوب .
وجاء فى الظلال ما يلى :
هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم ، فيشمل الهدى أقواما وأجيالا بلا حدود من زمان ومكان .
** يهديهم للتى هى أقوم فى عالم الضمير والشعور بالعقيدة الواضحة البسيطة التى لا تعقيد فيها ولا غموض والتى تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية فى تناسق واتساق .
** ويهدى للتى هى أقوم فى التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه ، وبين مشاعره وسلوكه ، وبين عقيدته وعمله ، فإذا هى كلها مشددة إلى العروة الوثقى التى لا تنفصم ، متطلعة إلى أعلى وهى مستقرة على الأرض ، وإذ العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى ربه ، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة .
** ويهدى للتى هى أقوم فى عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء . ولا تسهل وتترخص حتى تشيع فى النفس الرخاوة والإستهتار . ولا تتجاوز القصد والإعتدال وحدود الإحتمال .
** ويهديهم للتى هى أقوم فى علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا ، وحكومات وشعوبا ، وأجناسا ، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التى لا تتأثر بالرأى والهوى ، ولاتميل مع المودة والشنأن ، ولا تصرفها المصالح والأغراض . والأسس التى أقامها العليم الخبير لخلقه ، فيهديهم للتى هى أقوم فى نظام الحكم ونظام المال ونظام الإجتماع ونظام التعامل الدولى اللائق بعالم الإنسان .
** ويهديهم للتى هى أقوم فى تبنى الديانات السماوية جميعها والربط بينها كلها وتعظيم مقدماتها وصيانة حرماتها فإذا البشرية كلها بجميع عقائدها السماوية فى سلام ووئام .
** ( إن هذا القرآن للتى هى أقوم ........ ) . الآية.
فهذه قاعده أصيلة فى العمل الصالح . فلا إيمان بلا عمل ،ولا عمل بلا إيمان . الأول مبتور لم يبلغ تمامه ، والثانى مقطوع لا ركيزة له . وبهما معا تسير الحياة التى هى أقوم ... وبهما معا تتحقق الهداية بهذا القرآن .فأما الذين لا يهتدون بهدى القرآن ، فهم متروكون لهوى الإنسان العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره ، المندفع الذى لا يضبط انفعالاته ولو كان من ورئها الشر له .
أخى الحبيب وإ ليك نوع من أنواع هداية الله للإ نسان والذى جاء به القرآن الكريم فى سورة النساء وهو نوع من الأنواع المالية ألا وهو الميراث وقدجاء هذا النوع فى سورة النساء مفصلا تفصيلا عجيبا حتى لايتدخل الإنسان بعقله القاصر فيفسد على الناس حياتهم وحتى تدرك مدى الإفساد هذا الأمر عندما تدخل العقل البشرى إذاً لابد من إلقاء نظرة مختصرة عن الميراث عند غير المسلمين .
***
ثانيا - الميراث عند قدماء المصريين :
لقد عرفه قدماء المصريين حيث كانت الأرض بصر ملكا للفراعنة ولم يملك الأهالى الأرض إلا فى عهد الملك (بخوريوس ) من ملوك الأسرة الرابعة والعشرون التى ملكت مصر سنة 731 قبل الميلاد .
وكانت طريقة التوريث عندهم أن يحل أرشد الأسرة محل المتوفى فى زراعة الأرض والإنتفاع بها دون ملكيتها
وكانو ا لا يفرقون بين الذكر والأنثى وقيل أن ميراث الأنثى كان أقل من ميراث الذكر وذلك باختيارها ، كما كانوا يورثون الزوج والأم والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات .
ثالثا- الميراث عند قدماء الرومان :
كان عبارة عن إقامة خليفة للمتوفى يختاره حال حياته من أبنائه أومن غيرهم بشرط موافقة القبيلة على هذا الإختيار ، وفى سنة 543 ميلادية تغير الوضع وأصبحت القرابة قاعدة للميراث ، وينحصر الإرث فى فروع الميت ثم أصوله ثم الأخوة الأشقاء ونسلهم ثم الأخوات الشقيقات ونسلهن ثم الأخوة لأب ونسلهم ثت الأخوات لأب ونسلهن ثم الأخوات لأم ونسلهن .
وكل طبقة من هذه الطبقات يتساوى فيها الذكور والإناث فى الميراث وإذا لم يترك المتوفى فروعا ولا أصولا ولا إخوة ولا أولادإخوة يرثه قريبه البعيد ، وإذا لم توجد له قرابة بعيدة كانت التركة لبيت المال ، هذا ولم يكن للزوجين حق التوارث من بعضهما لعدم القرابة .
رابعا- الميراث عند قدماء اليونان :
كان الميراث عند قدماء اليونان أقرب شبها بالميراث عند قدماء الرومان فى إقامة خليفة للميت إلا أنهم رأوا أن هذه الوصية تحتاج إلى القضاء بصحتها خشية النزاع .
وإذا مات الموصى أصبح رئيسا على الأسرة يتصرف فى أموالها وأفرادها كيف يشاء ، يزوج من يشاء من بنات الأسرة ، ويمنع زواج من يشاء منهن .
************************************
خامسا- الميراث عند الأمم الشرقية
القديمة :
المراد بالأمم الشرقية القديمة هم :
الكلدانيون والأرام والسريان والفينيقيون وغيرهم من فروعهم ، وكان الميراث عندهم أن يحل البكر من الأولاد محل أبيه .
وعند عدم وجود البكر يقوم مقامه أرشد الذكور من الأولاد ثم الأخوة ثم الأعمام وهكذا إلى أن يدخل الأصهار وسائر العشيرة ، وكانوا يحرمون الأطفال والنساء من الميراث .
سادسا- الميراث عند اليهود القدامى :
من المعروف أن اليهود يحبون المال حبا جما ويغترون به إلى درجة الحرص على عدم ذهاب شىء من مال الميت منهم إلى غير اسرته نعنى فروعه وأصوله ، ومتى وجد أحد منهم مهما بعدت درجته فى القرابة كان أحق بالمال حتى تحتفظ الأسرة بأموالها فيما بينها ومن أجل هذا كانوا لا يجعلون للانثى حظا من ميراث الأب إذا كان له ولد ذكر سواء أكانت الأنثى أماً أم زوجة أم بنتاً أم أختاً للمتوفى .
- وأسباب الميراث عندهم أربعة :
1- البنوة 2- الأبوة 3- الأخوة 4- العمومة
وإذا توفى الأب كان ميراثه لأبنائه الذكور ويكون للولد البكرى مثل حظ اثنين من أخوته الأصغر سناً منه إلا إذا حدث إتفاق بين الاخوة على اقتسام الميراث بالتسوية .
- وإذا ترك الأب المتوفى أولاداً ذكوراًوإناثاً كانت التركة من حق الذكور وحدهم مع مراعاة أن يكون للبنات حق النفقة من التركة حتى تتزوج البنت أو تبلغ سن البلوغ كما يكون لها على إخوتها الذكور قيمة مهرها من التركة فى حدود معينة .
- هذا والأم لا ترث ابنها ولا بنتها ، وأماإذا ماتت الأم كان ميراثها لابنها إن وجد وإلا فلبنتها ، فإن لم يكن لها ابن ولابنت كان الميراث لأبيها إن كان موجوداً وإلا فلجدها لأبيها .
- وكل ما تملكه الزوجة يؤول بموتها ميراثا شرعيا إلى زوجها وحده لا يشاركه فيه أقاربها .
- أما الزوجة فلا ترث زوجها ولكن لها فى أن تعيش من تركة زوجها الميت ولو كان قد أوصى بغير ذلك .
- وإذا لم يكن للميت فروع ولا أصول وكان له أقارب فالميراث بينهم تفصيل معروف عندهم ، وأما إذا لم يكن له وارث من فروع أوحواشى كانت أموله مباحة لأسبق الناس إلى حيازتها ، وتكون وديعة عنده مدة ثلاثسنوات فإذا لم يظهر وارث للميت فى أثناء هذه المدة كانت ملكا لحائزها ملكا تاما .
سابعا – الميراث عند المسيحيين :
- أما الميراث عند المسيحيين فلم يتعرض له فى الإنجيل لأن المسيح حينما أُرسل قام يدعوا إلى جلاء الإيمان الحقيقى والمحبة ، وأعلن أنه لم يجىء لنقض الناموس اليهودى وإنما ليكمله .
- والديانة المسيحية تُعنى بالجانب الروحى والأخلاقى لذا إتبع المسيحيون القدامى فى تنظيم ما كان يجرى عليه العمل فى شريعة اليهود وبعض ما جاء فى القانون الرومانى والشرائعالأخرى .
ثامنا – الميراث عند العرب فى الجاهلية :
- كان العرب فى الجاهلية لا يورثون البنات ولا الزوجات ولا الأمهات ولا غيرهن من النساء ، وإنما يرث الميت ابنه إذا كان بالغا أوالأخ الأكبر أوالعم أوابن العم ، لأن سبب الإرث عندهم القدرة على حمل السيف ، حماية العشيرة ، والذود عن القبيلة ، ومقاتلة العدو لهذا كانو يقصرون الميراث على الذكور الكبار .
- كما كانو يورثون بسب الحلف والتبنى ، فقد كان الرجل فى الجاهلية يقول لصاحبه : دمى دمك وهمى همك ، وترثنى وأرثك ، وتطلب بى وأطلب بك ، فإذا تم هذا وأيهما مات قبل صاحبه كان للحى ما اشترط من مال صاحبه الميت ، كما يشير إلى قوله تعالى [ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شىء شهيدا ] النساء 33
- كما كان الرجل منهم يتبنى ابن غيره ، وإذا مات مدعى البنوة ورثه الأبن المتبنى إذا كان بالغا ، وقد أعتق النبى صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضى الله عنه وتبناه ، واستمر ذلك برهة فى صدر الإسلام ثم نسخ .
****************************
- تاسعا – الميراث فى القانون الفرنسى :
حددت المادة 731 مـن القانون الفرنسي أنـواع الـورثـة بأربع فئات : فيأتـي فـي الدرجـة الأولى أولاد المتوفـى ذكـورا وإناثا , فنصـت المادة 745 من القانون الفرنسي على ما يلي : يـرث الأولاد وأبناؤهم والدهم ووالدتهم , جـدهم وجـداتهم دون أي تمييز بين الـوارث الذكـر والوارث الأنثى أي أن للذكـر مثل حـظ الأنثى في الميراث .
ويأتي في الدرجـة الثانية والـد الميت ووالدتـه , إخـوته وأخواته إلى قسـمة التركة عند عدم وجود أولاد له ذكورا أو إناثا , فإذا توفي المورث تاركا أخا أو أختا , إخـوة أو أخوات ورثوا التركة بكاملها , أما إذا توفـي المـورث تاركا أخا أو أختا , إخـوة أو أخـوات أو أبا وأما فالتركـة تقسـم إلى قسمين , فيأخـذ الإخـوة والأخوات أو هما معا النصف ويأخذ الأب الربع وتأخذ الأم الربع الباقي .
ثم يأتي في الدرجـة الثالثة الأعمام والخالات وأبناء العمومة , إذ نصـت المادة 754 على توريث الأعمام والخـالات وأبناء العمومة في حال عـدم وجـود وارث شـرعي غيـرهم .
ثـم يأتي أخـيرا وفـي الدرجـة الرابعـة بقيـة الأقارب .
إن القانون الفرنسي لم يورث الزوج أو الزوجة إلا في حالة عدم وجـود الورثة المذكورين أعلاه على أن يعطى حق استثمار قسم من التركة عند وجود الورثة الشرعيين بنسبة تسمح له بالمحافظة على وضعه الاجتماعي الذي سـبق وفاة المورث . أما الدولة فإنها لا تـرث مال المتوفى إلا عند عـدم وجـود ورثـة شـرعيين وزوج المتوفى .
ومـن موانع الإرث فـي القانون الفرنسي قتـل المورث أو محاولة قتلـه , ورميه بتهمة باطلـة ومعرفـة الوارث بمحاولة قتل مورثه , فيعتبر إذا غير جدير بالإرث .
ويحـرم مـن الميراث المحـكوم عليه مـن قبل القضـاء بقتـل مورثـه أو بمحاولة قتله , ومـن رمـى مورثـه بتهم يكون من شأنها القضاء عليه وأخـيرا معرفة الوارث البالغ بمحـاولة اغتيال مورثـه وعـدم إخـبار العدالة بذلك .
للموضوع بقية إن كان فى العمر بقية إن شاء الله .
[marq]أخيكم / أبوعمار[/marq]
57//////////////// 51////////////////